أقلام

الصوت الذي بقي (7) حين صنعت المدرسة الرجال

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة السابعة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول كيف تحولت النهضة العلمية التي بدأها الإمام محمد الباقر عليه السلام إلى مدرسةٍ راسخة، خرّجت العلماء، وأعادت بناء المرجعية العلمية للإسلام الأصيل، ومهّدت لأوسع نهضةٍ علمية شهدها عصر الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

مقدمة:

قد ينجح المصلح في إلقاء فكرة، وقد ينجح العالم في تأليف كتاب، لكن أعظم الإنجازات ليست في صناعة الأفكار وحدها، وإنما في صناعة الإنسان الذي يحملها من بعده.

فالكتب قد تُفقد، والمجالس قد تنتهي، أما الإنسان الذي تربى على العلم والإيمان فإنه يتحول إلى رسالةٍ تمشي بين الناس، تنقل الحق جيلاً بعد جيل.

ولهذا لم يكن الإمام محمد الباقر عليه السلام ينظر إلى العلم بوصفه معلوماتٍ تُحفظ، ولا أحكامًا تُدوَّن فحسب، بل كان يراه مشروعًا لبناء الإنسان، لأن الأمة لا ينهض بها كثرة الكتب، وإنما ينهض بها الرجال الذين يفهمون الوحي، ويعيشونه، ويحملونه بأمانة.

ومن هنا لم يكن أعظم ما أنجزه الإمام الباقر عليه السلام كثرة حلقات العلم، بل نجاحه في إنشاء مدرسةٍ ربّت جيلاً من العلماء، أصبحوا الأمناء على علوم أهل البيت عليهم السلام، والجسر الذي عبرت من خلاله معارف الإسلام الأصيل إلى الأجيال اللاحقة.

وهكذا لم تعد المدينة المنورة مجرد موطنٍ لمجالس العلم، بل أصبحت جامعةً مفتوحة، تُخرّج الرجال قبل أن تُخرّج الروايات، وتصنع العقول قبل أن تملأ الصحائف.

حين أصبح التلميذ امتدادًا للإمام

لم يكن الإمام محمد الباقر عليه السلام يقيس نجاح مشروعه العلمي بعدد المجالس التي يعقدها، ولا بكثرة المسائل التي يجيب عنها، وإنما بما يتركه من رجالٍ يحملون الرسالة من بعده، ويصونون علوم أهل البيت عليهم السلام للأجيال القادمة.

فالكتاب قد يُفقد، والرواية قد تُنسى، أما الإنسان الذي تشكّل بالعلم والإيمان فإنه يبقى كتابًا حيًا، ينقل العلم بسلوكه قبل لسانه، ويجسد الرسالة بعمله قبل حديثه.

ولهذا لم يكن الإمام الباقر عليه السلام يكتفي بأن يعلّم أصحابه الأحكام، بل كان يربيهم على منهج التفكير، ويغرس فيهم التقوى، ويعوّدهم على فهم النصوص في ضوء مقاصدها، حتى يصبح العالم منهم قادرًا على هداية الناس، لا مجرد ناقلٍ لما سمعه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).

فالآية لم تجعل الرفعة للعلم وحده، بل جمعت بين الإيمان والعلم؛ لأن المعرفة إذا انفصلت عن التقوى تحولت إلى وسيلةٍ للجدل أو طلب الجاه، أما إذا اقترنت بالإيمان أصبحت نورًا يهدي الإنسان، ويصلح المجتمع، ويحفظ الدين.

ومن هنا كان الإمام الباقر عليه السلام يصنع في أصحابه شخصية العالم الرباني؛ العالم الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والورع، وبين المعرفة والتواضع، حتى يكون امتدادًا صادقًا لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا حافظًا للنصوص فحسب.

وهكذا بدأت تتكوّن حول الإمام نواةٌ علمية متميزة، لم تكن تقوم على كثرة العدد، وإنما على جودة التربية وصدق الإعداد، لتصبح فيما بعد الأساس الذي حمل علوم أهل البيت عليهم السلام إلى مختلف الأمصار، ومهّد لأوسع نهضةٍ علمية شهدها العصر اللاحق.

حين حمل التلامذة نور المدرسة

لم يلبث أثر الإمام محمد الباقر عليه السلام أن تجاوز حدود مجلسه في المدينة المنورة، لأن المدرسة التي أسسها لم تكن قائمةً على وجود الإمام وحده، بل على إعداد رجالٍ يحملون العلم، وينشرونه، ويحفظونه للأجيال.

وكان هؤلاء التلامذة يمثلون ثمرة سنواتٍ من التربية والتعليم، فلم يكونوا مجرد رواةٍ للأحاديث، بل علماء تخرّجوا في مدرسةٍ جمعت بين الفقه، والعقيدة، وتفسير القرآن، والأخلاق، وفقه الواقع، حتى أصبح كل واحدٍ منهم قادرًا على أداء دورٍ علمي في مجتمعه.

ومن أبرز هؤلاء: زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وبريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير، وغيرهم من كبار أصحاب الإمام، الذين أصبحوا فيما بعد من أهم رواة علوم أهل البيت عليهم السلام، وحملة تراثهم العلمي.

ولعل أبان بن تغلب يمثل صورةً واضحةً للثقة التي منحها الإمام لتلامذته؛ فقد قال له الإمام محمد الباقر عليه السلام: “اجلس في مسجد المدينة، وأفتِ الناس؛ فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك”.

ولم يكن هذا الإذن مجرد تكريمٍ لشخص أبان، بل إعلانًا عن نجاح مشروعٍ تربوي أراد له الإمام أن ينتقل بالعلم من شخص الإمام إلى العلماء الذين ربّاهم، ليصبحوا أمناء على الرسالة، ومراجع للناس في فهم دينهم.

وهكذا لم يعد العلم محصورًا في مجلسٍ واحد، ولا في مدينةٍ واحدة، بل بدأ ينتشر على أيدي هؤلاء التلامذة في مختلف الأقاليم الإسلامية، يحملون معهم علم أهل البيت عليهم السلام، ويعرّفون الناس بالإسلام كما ورثوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

ومن هنا لم تكن عظمة الإمام الباقر عليه السلام في كثرة ما قال، فحسب، بل في عظمة الرجال الذين صنعهم، لأن المدرسة التي تنتهي بوفاة مؤسسها ليست مدرسةً راسخة، أما المدرسة التي تستمر برجالها، فهي المدرسة التي كُتب لها البقاء.

حين أصبحت المدينة قبلةً للعلم

لم يبقِ الإمام محمد الباقر عليه السلام أثر مدرسته محصورًا في المدينة المنورة، ولا في دائرة خاصّة أصحابه، بل أخذ نورها يمتد شيئًا فشيئًا إلى مختلف الأقاليم الإسلامية، حتى غدت المدينة مقصدًا لطالبي المعرفة، ومهوى أفئدة الباحثين عن الإسلام الأصيل.

ولم يكن الذي جذب هؤلاء اسم الإمام وحده، بل المنهج الذي أعاد للعلم صفاءه، وربط المعرفة بالقرآن الكريم، وبالسنة الصحيحة، وبالفهم الذي ورثه أهل البيت عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

لقد وجد الناس في مجلس الإمام علمًا يجيب عن أسئلتهم، ويزيل ما علق بالأذهان من اضطراب، ويعيد الثقة بأن الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله ما زال محفوظًا في أهل بيته، لم تغيّره السياسة، ولم تطمسه الفتن.

وقد أشار القرآن الكريم إلى منزلة هذا العلم بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾،(الزمر: 9).

فالقرآن لا يرفع شأن العلم لأنه يزيد المعلومات، وإنما لأنه نورٌ يهدي الإنسان إلى الحق، ويصنع البصيرة، ويحفظ الأمة من الضلال. وهذا هو العلم الذي نشره الإمام الباقر عليه السلام؛ علمٌ يجمع بين النص والعقل، وبين الإيمان والعمل، فلا يكتفي ببيان الأحكام، بل يبني الإنسان الذي يحملها.

ولهذا لم يقتصر أثر مدرسته على أصحابه المباشرين، بل أصبح مرجعًا علميًا انتفع به المسلمون على اختلاف بلدانهم واتجاهاتهم، ونقل عنه العلماء، واستفادوا من تفسيره للقرآن، وبيانه لأحكام الشريعة، وتصحيحه لكثيرٍ من المفاهيم التي اختلطت على الناس عبر السنين.

وهكذا لم تعد النهضة العلمية التي بدأت في عصر الإمام الباقر عليه السلام حدثًا يخص زمانًا معينًا، بل أصبحت أساسًا لنهضةٍ امتد أثرها عبر القرون، حتى غدت مدرسة أهل البيت عليهم السلام واحدةً من أعظم المدارس العلمية في تاريخ الإسلام.

غير أن الإمام الباقر عليه السلام كان يدرك أن هذا المشروع لم يبلغ غايته بعد، وأن المدرسة التي غرس جذورها كانت مقبلة على مرحلةٍ جديدة ستكشف عن اتساع أثرها وعظمة عطائها.

ويبقى السؤال

لم يكن الإمام محمد الباقر عليه السلام مجرد عالمٍ كثرت حلقات درسه، ولا إمامًا أجاب عن آلاف المسائل، بل كان بانيًا لمدرسةٍ علميةٍ أعادت للأمة ثقتها بمنبع الرسالة، وربّت رجالًا حملوا علوم أهل البيت عليهم السلام إلى مختلف الأمصار، حتى بقي أثرها حيًا بعد رحيله بقرون.

لقد أعاد للإسلام مرجعيته العلمية، وربط الناس بالقرآن الكريم، وبالسنة الصحيحة، وبالفهم الذي ورثه أهل البيت عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأثبت أن بقاء الرسالة لا يتحقق بالتضحية وحدها، ولا بالتربية وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى علمٍ يبني العقول، ويصنع الرجال، ويحفظ الهوية.

غير أن المشروع الذي أسسه الإمام الباقر عليه السلام لم يبلغ ذروة عطائه في حياته، بل كان يمهّد لمرحلةٍ أعظم، شاء الله أن تتجلى على يد ولده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، حيث بلغت المدرسة العلمية لأهل البيت عليهم السلام ذروة ازدهارها، وأوسع آفاق انتشارها، وأصبحت قبلةً لطالبي المعرفة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

فكيف تهيأت الظروف لتلك النهضة الكبرى؟ وما المنهج الذي اتبعه الإمام الصادق عليه السلام في بناء أعظم مدرسةٍ علمية في تاريخ الإسلام؟ وكيف استطاع أن يحفظ علوم الرسالة، ويواجه الانحرافات الفكرية، ويؤسس نهضةً بقي أثرها حيًا إلى يومنا هذا؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds