
أمير الصالح
مقدمة
كنا نسمع جملة يرددها معظم الآباء والأمهات ويحثون أبناءهم على مداومة الالتزام بها. اقرؤا “آية الكرسي”. الهدف من ذلك الطلب هو ترسيخ التعلق بكتاب الله والتبرك بالآية وطلب الحفظ والتوفيق من الله العلي القدير للأبناء. وكنا نسمع لعبة الكراسي الموسيقية التي عرفناها من خلال مشاهدة التلفزيون ولعبناها؛ وكنا نسمع اسم منتج زبدة “الكرسي” عندما يُطلب منا جلب علبة من البقالة. وبعد أن تقدم بنا العمر، تأتينا بين الحين والحين، دعوات لنزهات خلوية على كورنيش البحر أو ممشى البر، فنقرأ في الدعوة التي تصلنا الجملة التالية:” الرجاء إحضار الكرسي الشخصي…. إلخ”. ثم استوعبنا بعد أن كبرنا أن أحد أهم أسباب أمراض العصر كالروميتازيوم والبواسير والسكري هو قضاء فترات زمن طويلة بالجلوس على الكرسي مع قلة الحركة. ورمزيًّا وبلاغيًّا باللغة العربية يتم استخدام كلمة “الكرسي” كاستعارة للتعبير عن القوة والسلطة والحُكم والنفوذ. الكرسي مفردة مهمة في حياتنا وأخذت أتأمل في استخداماتها وما قد تكشف من عوالم.
كراسي حول طاولة الاجتماعات
مواقع الجلوس حول طاولة الاجتماعات داخل الشركات وداخل الدوائر الرسمية لها دلالات؛ ويمكن قراءة نفوذ شاغري المقاعد من خلال تحديد مكان جلوس كل فرد منهم مقارنة بكرسي مدير الشركة/ الدائرة. فمن يجلس على كرسي في صدر القاعة عادة هو محور القرار أو كبير القوم أو محل الحفاوة أو كبير القوم؛ ومن يجلس في صدر الطاولة المستطيلة للاجتماعات فهو عراب القرار وصاحب الكلمة النافذة.
في اجتماعات الشركة الشهرية حيثما عملت، كنت أقرأ خارطة العلاقات وأتعرف على نفوذ بعض الحضور بناء على مكان جلوسهم بالنسبة لكرسي المدير العام للشركة والذي عادة يدير الأجتماع الشهري بالجلوس في رأس أحد أطراف الطاولة المستطيلة. فاقرأ سلطة ونفوذ شاغري المقاعد عن يمين المدير وعن شماله بشكل عام وأعيد قراءته بعد سماع مداخلات بعضهم لتصحيح القراءة. فاستوعبت أن شاغر الكرسي الأول المجاور للمدير من جهة يده اليمنى يمثل:
شخص إداري ومخطط إستراتيجي ويوزع الأدوار الديناميكية داخل المنظومة وملم بما قيل ويُقال وسيقال بالشركة، وله أذرع خفية وأعين منتشرة داخل جسد الشركة ويوصي بالترقية أو الفصل للبعض! وهو شخص قليل التحدث ويعطي إشارات مشفرة للمدير للتصويب وإنهاء الاجتماع أو ابلاغه بخبر عاجل جدًّا!
أما شاغر الكرسي الثاني المجاور للمدير من جهة يده اليمنى فإنه يمثل:
رجل الظل الثاني، ورجل المهمات غير المعلنة أو المهمات الصعبة، ومنفذ العمليات المطلوب إنجازها بصمت، ويعتمد عليه في بناء فريق مهمات محددة task force.
وشاغر الكرسي الثالث المجاور للمدير من جهة يده اليمنى فإنه يمثل:
صاحب الماكينة الإعلامية والعلاقات الاجتماعية وجس نبض الرضا داخل المنظومة والوسيط المقبول لدى معظم الأطراف، ومطور أفكار خلاقة لحلحلة بعض الأزمات إذا نشأت.
الكرسي الرابع من اليمين يشغله محلل الشركة المالي وهو قليل الكلام حتى يظن البعض أن وجوده كعدمه!!
المقعد المقابل لمقعد المدير عادة يشغله نائب المدير وهو متنفذ وصاحب تاثير تكتيكي وحاد الذكاء وراصد لما يدور بالقاعة ولديه إلمام شبه تام بمواضيع ذات ثقل كبير في ميزانية الشركة.
أما من الجهة اليسرى من مقعد المدير العام ، فإن المقعد الأول يشغله عادة المستشار الخاص بالمدير advisor وهو صاحب حكمة وأناة وذو رؤية.
والمقعد الثاني من اليسار يشغله على الغالب موظف عام ذو مهام عمل محددة وليست له مشاركة في القول الحاسم. والمقعد الثالث يشغله عادة موظف محمل بأعباء مهام لوجستية عامة. وبقية الحضور في القاعة عبارة عن أدوات تنفيذية تؤدي مهامًا محددة لبلوغ أهداف الشركة. طبعًا الطاولة الدائرية لها معايير أخرى في قراءة مشهد النفوذ داخل الشركة أو الدائرة.
قد تسأل الآن، إذا كنت موظفًا جديدًا فانصحني بالمكان المناسب للجلوس.
نصيحة
وبناء على ما تم ذكره بالأعلى، فإني أنصح كل موظف جديد بأن لا (يُدرعم) في قاعات الاجتماعات ولا سيما الاجتماعات الكبرى والحساسة فيجلس يمين مقعد المدير إلا إذا شخصك المدير للجلوس على يمينه أو الكراسي تسمح باستيعاب الجميع على طاولة الاجتماع ولا يوجد بروتوكول داخل شركتك. وتذكر أن هناك بروتوكولات غير مكتوبة unwritten policy ، وعلى صاحب العقل الناضج استنطاقها من البداية لتفادي الإحراج لنفسه. فاجلس بمكان يراك فيه المتحدث بوضوح ويحدث بينك وبينه اتصال بصري، فالإنسان مع الوقت يستأنس بمن رآه بشكل متكرر في صورة حسنة وجلسة راقية.
توجيه
عليك كموظف أو ملتحق بديوانية شلة لأول مرة ومن حيث المبدأ قراءة المشهد في قاعة الاجتماعات بطريقة ذكية ومنها معرفة حبكة توزيع المقاعد وتوزيع الأدوار. والتناوب بالحديث وأدبيات المداخلات ونطاق الشفافية. وهنا أود أن أنقل جملة نافعة لحديثي التوظيف والشباب، والجملة كان يرددها أحد أقربائي كثيرًا، ومن الجيد استيعابها وفهمها وتوظيفها. ” بعض العلاقات ببعض الناس مثل نار الشتاء، فاحذر أن تقترب كثيرًا منها فقد تحرقك ولا أن تبتعد كثيرًا عنها فتبرد”. المشاركة الفاعلة في أي محفل بأي مكان أمر مطلوب، ولكن قراءة موازين القوى داخل أي قاعة أو حتى قروب اجتماعي افتراضي أو ديوانية تتطلب ان يكون الانسان مدرك ما دار ويدور حوله لتفادي أن يتم جرفه كما جُرف غيره.
كرسي قوة الموقف
عملت وتعاملت مع أشخاص عديدين كانوا يضعون نصب أعينهم بلوغ المناصب العليا ( الكرسي ) بأية وسيلة وليس بالمؤهلات. وكل ذاك طمعًا منهم في النفوذ والقوة والامتيازات واستغلال النفوذ والتباهي والفشخرة؛ وكانوا لا يتورعون عن هدر كرامتهم تارة، واستعمال الحيل والمكر لتصفية منافسيهم تارة، والتزوير والكيد والتحايل والتلون والانسلاخ من آدميتهم تارة أخرى . وكأن ميكافيلي صاحب مقولة ” الغاية تبرر الوسيلة ” هو نبيهم المنصوص عليه باتباعه؛ فمنهم، كن حذرًا وعنهم أعرض وابتعد ولا تكن لهم عونًا، فاليوم أنت صاحب لهم وغدًا ستكون ضحية، (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) سورة هود، آية 113.
شخصيًّا أحتفظ في حقيبة سيارتي بكرسي متنقل قابل للطي لاستخدامه حيثما أذهب سواء للتنزه أو الاسترخاء وسط الطبيعة أو التامل في آيات الله بالأرض والسماء. ولدي مكان كرسي مفضل للجلوس في كل مدينة عالمية أزورها، حتى أني أحتفظ بألبوم صور للكرسي مع الإطلالة لكل مكان. ولذلك ذات يوم دار سؤال في ذهني بعد تقاعدي ومراجعة شريط حياتي المهنية، ومفاده: هل سيبقى الإنسان إنسانًا صالحًا، لو أن المتنفذين في بعض الشركات أو بقع الدنيا عرضوا عليه كرسي ( منصب) و مرتب كبير أم أن ذلك الإنسان ينقلب على عقبه ويكسر مبادءه ويبدل جلده وتظهر أمور مشينة بأفعاله؟ هذا يسمى بقوة الموقف. وقوة الموقف يحددها صاحب الشأن بالرد والتفاعل والسلوك حينما يكون في ذلك الموقف!!
فإن أحسن التوظيف للنفوذ وإحقاق الحق وتبني الكفاءات داخل الشركة / الدائرة فنعم هي، وإلافلا.




