
بشائر. الدمام
تتجه السعودية إلى توسيع الاعتماد على تقنيات البناء الحديثة لتسريع تنفيذ المشاريع السكنية، في ظل تنامي الطلب على الوحدات السكنية والمكتبية ويشمل هذا التحول استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، والبناء المسبق الصنع، والمباني الجاهزة، بما يتيح تقليص مدة تنفيذ المشاريع مقارنة بالبناء التقليدي.
وقال خبراء ومتخصصون إن هذه التقنيات يمكن أن تختصر زمن التنفيذ بما يصل إلى 50%، معتبرين أن إنجاز المشاريع خلال فترات قصيرة يعكس تحولا في أساليب البناء والتطوير العقاري في السعودية.
قال الدكتور عزام العصيمي، المتخصص في الهندسة المعمارية إن تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها مكينزي تشير إلى أن تقنيات البناء الحديثة يمكن أن تقلص مدة تنفيذ المشاريع بنسبة تراوح بين 20% و50%، وقد تتجاوز ذلك في بعض الحالات، بما يسمح بإنجاز طوابق كاملة خلال أيام.
أوضح أن هذا التحول يقوم على نقل جزء كبير من أعمال البناء من الموقع إلى المصانع، حيث تصنع مكونات المباني، مثل الجدران الخرسانية والوحدات الجاهزة، في بيئة خاضعة للرقابة قبل نقلها إلى مواقع المشاريع وتركيبها، وهو ما يسهم في اختصار زمن التنفيذ.
قال إن التقنيات الرقمية، وفي مقدمتها نمذجة معلومات البناء BIM أسهمت أيضا في تسريع تنفيذ المشاريع عبر محاكاة المشروع واكتشاف التعارضات قبل بدء التنفيذ.
سرعة التنفيذ دون خفض الجودة
فيما يتعلق بجودة البناء، قال العصيمي إن سرعة التنفيذ لا تعني بالضرورة انخفاض الجودة، إذ أن التصنيع داخل المصانع يسهم في رفع مستويات الجودة بفضل ثبات ظروف الإنتاج ودقة الرقابة، وأضاف أن دراسات حديثة تشير إلى أن البناء المسبق الصنع يمكن أن يقلل هدر المواد بما يصل إلى 50% مقارنة بالبناء التقليدي، مع بقاء جودة المشروع مرتبطة بكفاءة التصميم والتصنيع والتنفيذ في الموقع.
وأشار إلى أن تنفيذ منزل متوسط الحجم يستغرق في البناء التقليدي ما بين 8 و14 شهرا، بينما يمكن إنجازه خلال 3 إلى 6 أشهر باستخدام تقنيات البناء الحديثة، لافتا إلى أن تقييم المشروع لا يعتمد على سرعة الإنجاز وحدها، وإنما على جودة الأداء على المدى الطويل، بما يشمل كفاءة العزل الحراري واستقرار المبنى.
أضاف أن تقنيات البناء الحديثة قد تتطلب استثمارات أولية أعلى نتيجة الاعتماد على المصانع والتجهيزات المتقدمة، لكنها تقلل الهدر، وتخفض الاعتماد على العمالة، وتسرع دورة رأس المال لدى المطورين، وتحقق وفورات إجمالية في تكلفة المشروع تصل إلى 20% عند احتساب دورة حياته الكاملة.
الحفاظ على الهوية المعمارية
قال العصيمي إن التوسع في البناء الحديث يفرض تحديا يتمثل في الحفاظ على الهوية المعمارية للمدن، مشيرا إلى أهمية توظيف التقنيات الحديثة بما يتوافق مع الخصائص الثقافية والمناخية لكل منطقة.
وقال المهندس مشاري الراشد، المتخصص في المشاريع الهندسية، إن المشاريع السكنية الكبيرة باتت تنفذ خلال مدد زمنية أقصر مقارنة بالسابق، مرجعا ذلك إلى تحول أسلوب التنفيذ من البناء التقليدي في مواقع المشاريع إلى التصنيع المسبق لجزء كبير من مكونات المباني داخل المصانع، قبل نقلها وتركيبها في الموقع، وهو ما أتاح تنفيذ الأعمال بالتوازي واختصار مدة المشروع.
وقال الراشد إن البناء الحديث ليس أقل تكلفة بالضرورة، إذ قد تكون تكلفته مماثلة أو أعلى قليلا من البناء التقليدي، إلا أن تقليص مدة التنفيذ، وخفض الهدر، وتقليل الأخطاء، يسهم في تقليص التكلفة الإجمالية للمشروع.
وعزا تسارع تبني شركات التطوير العقاري لهذه التقنيات إلى قدرتها على تكرار النماذج السكنية، وتسريع عمليات التسليم، وتحقيق استقرار أكبر في الجودة والتكلفة، بما يتماشى مع الطلب المتزايد على الوحدات السكنية، وأضاف أن استخدامها يتركز بصورة أكبر في المباني المرتفعة والمشاريع الكبرى لتعزيز كفاءة الأنظمة المعيارية وتقليل مدة التنفيذ والأخطاء.
وأضاف أن عددا من المشاريع في السعودية تعتمد هذه التقنيات، من بينها مشاريع الضواحي السكنية التابعة للشركة الوطنية للإسكان، ومشاريع روشن، إضافة إلى نيوم، التي تستخدم على نطاق واسع تقنيات التصنيع المسبق والبناء المعياري.
انخفاض للتكاليف التشغيلية
من جانبه، قال طلال النجار، رئيس الثروات وتطوير الأعمال في شركة تتمة المالية، إن قطاع البناء شهد تحولا خلال السنوات الأخيرة مع توسع استخدام تقنيات البناء الحديثة، بما يشمل البناء المسبق الصنع، والبناء بالوحدات الجاهزة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وأنظمة القوالب السريعة، التي طبقت في عدد من المشاريع السكنية في السعودية.
وأضاف أن نقل جزء كبير من عمليات البناء من مواقع المشاريع إلى المصانع أسهم في تقليص مدة التنفيذ بنسبة تتراوح بين 30% و60%، إلى جانب رفع دقة التنفيذ، والحد من الأخطاء البشرية، وتقليل الهدر في الموارد.
وقال إن البناء الحديث لا يعني تراجع الجودة، بل يمكن أن يحقق مستويات أعلى من الجودة بفضل التصنيع في بيئة خاضعة للرقابة والالتزام بالمعايير الصناعية، مشيرا إلى أن جودة المشاريع تظل مرتبطة بكفاءة التصميم والتنفيذ والرقابة الهندسية.
وأوضح أن تنفيذ الوحدات السكنية المتوسطة يستغرق في البناء التقليدي ما بين 12 و24 شهرا، بينما يتراوح في البناء الحديث بين 6و12 شهرا، بحسب حجم المشروع وتعقيده.
وأضاف أن تكلفة البناء الحديث قد تكون أعلى في البداية بنسبة تراوح بين 10% و20% نتيجة استخدام التقنيات المتقدمة والاستثمار في المصانع والنقل، إلا أن انخفاض التكاليف التشغيلية، وتقليص الهدر والأخطاء، وتسريع دورة رأس المال، تعوض هذه الزيادة على المدى المتوسط والطويل.





