أقلام

الأنساب في الفكر الإسلامي (الجزء الثاني) 

هاشم السمين

من الانتماء إلى المسؤولية

إذا كان النسب جزءًا من هوية الإنسان، فإن قيمته الحقيقية لا تظهر في الاسم الذي يحمله، بل في الأثر الذي يصنعه بهذا الانتماء.

فالسؤال اليوم ليس:

هل نعتز بعوائلنا وقبائلنا؟

بل السؤال الأهم:

ماذا نصنع بهذا الاعتزاز؟

هل يبقى في حدود الحديث عن الآباء والأجداد، وتداول الأسماء والأنساب؟

أم يتحول إلى مسؤوليةٍ تجاه الأحياء، وإلى خدمةٍ للأقارب، وإلى عطاءٍ يمتد أثره إلى المجتمع؟

الاعتزاز الذي يصنع أثرًا

من الطبيعي أن يعتز الإنسان بأسرته وتاريخها، وأن يفرح بما فيها من سيرةٍ طيبة ومواقف مشرّفة.

لكن هناك فرقًا بين الاعتزاز والتفاخر.

أن تقول:

«أعتز بتاريخ عائلتي».

هذا اعتزاز بالانتماء والذاكرة.

أما أن تقول:

«أنا أفضل من غيري لأن عائلتي أفضل».

فهنا يتحول الاعتزاز إلى استعلاء.

فالاعتزاز الحقيقي لا يحتاج إلى الانتقاص من الآخرين، ومن أحب تاريخ أسرته حقًا لا يحتاج إلى البحث عن عيوب الأسر الأخرى ليعظّم شأن أسرته.

فالمجد الحقيقي أن تضيف إلى ما ورثته، لا أن تتعالى به على غيرك.

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يورثه الآباء للأبناء ليس مجرد اسمٍ يحمله الأبناء، وإنما سيرةٌ تستحق أن تُحمل، وقيمٌ تستحق أن تُصان، ومسؤوليةٌ تستحق أن تُستكمل.

القرابة بابٌ إلى البر

الإسلام لم يجعل صلة الرحم مجرد علاقة عاطفية، بل جعلها مسؤولية دينية واجتماعية.

قال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾.

فالقريب ليس مجرد اسمٍ في شجرة النسب، وإنما إنسانٌ له حق، ورابطةٌ تترتب عليها مسؤولية.

ومن هنا يمكن أن يصبح الانتماء العائلي قوةً إيجابية في المجتمع:

أن يعرف الإنسان أقاربه لا ليحصي الأسماء، بل ليعرف من يحتاجه.

أن يسأل عن المريض، ويعين المحتاج، ويواسي المصاب، ويفرّج كربة المتعثر، ويشارك في أفراح أهله وأتراحهم.

وهنا تتحول صلة الرحم من مفهومٍ يُقال إلى رحمةٍ تُمارس.

القبيلة ودورها المعاصر

إذا كانت القبيلة والعائلة جزءًا من النسيج الاجتماعي، فالسؤال ليس: كيف نلغيها؟

بل:

كيف نجعلها أكثر نفعًا للإنسان والمجتمع؟

إن أمام العوائل والقبائل اليوم فرصةً كبيرة للانتقال من مجرد رابطةٍ تجمع أبناءها إلى مؤسسةٍ اجتماعيةٍ تخدم أبناءها ومجتمعها.

ويمكن أن يكون ذلك من خلال مبادرات واضحة ومنظمة، مثل:

إنشاء صناديق لإعانة المحتاجين من أبناء الأسرة أو القبيلة.

كفالة الأيتام.

المساهمة في تيسير الزواج.

مساندة المرضى وأصحاب الظروف الصعبة.

إغاثة المتعثرين ماليًا بما يحفظ كرامتهم.

دعم الطلاب وتشجيع التعليم والتفوق.

احتضان الشباب وتنمية مواهبهم وطاقاتهم.

رعاية كبار السن وتفقّد أحوالهم.

إصلاح ذات البين وإنهاء الخلافات العائلية.

دعم المبادرات التطوعية والخيرية التي تخدم المجتمع.

عندها يصبح الانتماء مشروعًا اجتماعيًا لا مجرد شعور.

وتصبح العائلة مصدر أمانٍ لأبنائها، والقبيلة رافدًا من روافد الخير في مجتمعها.

فالقيمة ليست في أن يجتمع الناس لأنهم أبناء عائلة واحدة، وإنما في أن يفعلوا شيئًا نافعًا لأنهم أبناء عائلة واحدة.

من الاسم إلى الأثر

ربما يكون أجمل ما في الانتماء أن يتحول من سؤال:

«من نحن؟»

إلى سؤال:

«ماذا نستطيع أن نقدم؟»

فالعائلة التي تملك تاريخًا طيبًا تستطيع أن تجعل من تاريخها دافعًا إلى المزيد من الخير.

والقبيلة التي تملك حضورًا اجتماعيًا تستطيع أن تجعل من هذا الحضور وسيلةً لخدمة الناس.

والشباب الذين يحملون اسم عائلتهم يستطيعون أن يجعلوا هذا الاسم مرتبطًا بالعلم، والعمل، والتطوع، والإحسان.

وهنا يصبح النسب مسؤوليةً لا امتيازًا.

فكلما كان الإنسان أكثر اعتزازًا بأصله، كان الأولى أن يكون أكثر حرصًا على أن يضيف إلى هذا الأصل ما يليق به.

العشيرة: جناحٌ وأصلٌ ويد

وهذا المعنى عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته لابنه الإمام الحسن عليه السلام:

«أكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول».

والعبارة تختصر معنى عميقًا للعلاقة العائلية:

جناحٌ يساندك،

وأصلٌ يربطك بجذورك،

ويدٌ تتقوى بها في مواجهة حاجات الحياة.

لكن الجناح لا تكون قيمته في وجوده فقط، بل في قدرته على أن يرفع.

واليد لا تكون قيمتها في قربها، بل في قدرتها على أن تعطي وتبني.

والأصل لا تكون قيمته في التفاخر به، بل في أن يحمل الإنسان مسؤولية ما ورثه عنه.

ومن هنا يمكن أن نفهم الانتماء العائلي بصورة أعمق:

أن تكون لك عائلة، يعني أن لك مسؤولية تجاهها.

من رابطة الدم إلى رابطة الخدمة

حين تتأسس الروابط العائلية على التكافل، يصبح الانتماء وسيلةً لحفظ كرامة الإنسان.

وحين تنتظم هذه الجهود، يصبح بالإمكان أن تتطور العائلة من تجمعٍ اجتماعي إلى كيانٍ منظم للعمل المجتمعي.

صندوقٌ للتكافل.

لجنةٌ للإصلاح.

مبادراتٌ للشباب.

برامجٌ للطلاب.

رعايةٌ لكبار السن.

مساندةٌ للمحتاجين.

وتواصلٌ دائم في الأفراح والأتراح.

وهنا لا يعود الحديث عن النسب حديثًا عن الماضي وحده، بل يصبح حديثًا عن الحاضر والمستقبل.

فالأجداد تركوا لنا الأسماء،

ونحن نترك للأبناء الأثر.

المعيار الجديد للانتماء

ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف النجاح العائلي.

ليس نجاح العائلة أن يكثر الحديث عن أصلها.

ولا أن تتصدر المجالس بأسماء رجالها.

ولا أن تتفاخر بطول شجرة نسبها.

بل أن يُقال:

في هذه العائلة لا يُترك محتاج.

وفي هذه القبيلة لا يُنسى مريض.

وفي هذا البيت يُعان شاب على الزواج.

وفي هذا المجلس تُصلح الخصومات.

وفي هذه الأسرة يُشجَّع العلم، ويُحتضن الشباب، ويُكرم الكبير.

عندها يصبح الاسم كبيرًا بما تحته من عمل، لا بما فوقه من ادعاء.

لسنا بحاجة إلى إلغاء العائلة والقبيلة، ولا إلى تحويلها إلى كيانات مغلقة.

نحن بحاجة إلى ترقية دورها:من التعارف إلى التواصل،ومن التواصل إلى التكافل،ومن التكافل إلى المسؤولية،ومن المسؤولية إلى العمل المؤسسي.

فالنسب الذي لا يتجاوز حدود الاسم يبقى معلومةً في سجلّ العائلة.

أما النسب الذي يدفع صاحبه إلى صلة الرحم، وخدمة أهله، وإغاثة المحتاج، ورعاية الضعيف، وبناء المجتمع، فإنه يتحول من موروثٍ تاريخي إلى رسالةٍ حاضرة.

ليس المهم فقط أن نعرف من أين جئنا، بل ماذا سنترك وراءنا.

فقد ورثنا من آبائنا أسماءً وسيرًا وذكريات…

فماذا سيرث أبناؤنا منا؟

وهنا يبدأ السؤال الأكبر:

كيف يمكن للعائلة والقبيلة أن تنتقل من رابطةٍ اجتماعية إلى مؤسسةٍ اجتماعية فاعلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds