أقلام

الصوت الذي بقي (20) حين صار للصوت باب


أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة العشرون من سلسلة “الصوت الذي بقي”، نتابع فيها رحلة الإمام المهدي عليه السلام في مرحلةٍ جديدة من إمامته، حين تغيّرت صورة الحضور، وبدأت الأمة تدخل زمنًا مختلفًا في علاقتها بإمامها.

مقدمة:

ليس كلُّ بابٍ يُفتح على مكان، ولا كلُّ طريقٍ يقود إلى حضورٍ تُدركه العين.

فبعض الأبواب تفتح للإنسان طريقًا إلى معنى، وبعض الطرق تحفظ صوتًا من أن يضيع حين يغيب صاحبه عن المشهد.

وقد تكون أعظم لحظات الاختبار حين لا يعود الإنسان قادرًا على أن يستند إلى ما اعتاده من حضورٍ ومشاهدة، فيجد نفسه أمام سؤالٍ أعمق: هل تنتهي الصلة حين ينتهي اللقاء؟

إن الإنسان لا يعيش دائمًا بما تراه عيناه.

قد يبقى صوتٌ في الذاكرة بعد أن يغيب صاحبه، وقد تبقى كلمةٌ تغيّر حياة إنسان بعد أن ينقطع مجلس قائلها، وقد يستمر أثرُ إنسانٍ فيمن لم يلتقِ به أصلًا.

فإذا كان هذا ممكنًا في حياة البشر، فإن معنى الصلة بالإمام يحتاج إلى أن يُفهم بما هو أعمق من حدود المشاهدة.

فالإمام ليس حضورًا جسديًا فحسب، ولا تُختصر علاقته بالأمة في مجلسٍ يجتمع فيه الناس حوله.

إنه حجةٌ تمتد آثارها إلى حياة الأمة، وهدايةٌ لا تتوقف حقيقتها على أن تكون العين قادرةً على الوصول إليها في كل وقت.

ومن هنا تكتسب الغيبة الصغرى معناها.

فهي لم تكن مجرد لحظةٍ اختفى فيها الإمام عن أعين الناس، وإنما كانت لحظةً بدأ فيها شكل الصلة بالإمام يتغير.

وحين يتغير شكل الصلة، يصبح السؤال عن الطريق جزءًا من السؤال عن الحضور نفسه.

كيف يبقى الصوت حاضرًا حين يغيب صاحبه عن المشهد؟

وكيف تصل الكلمة حين تضيق مساحة اللقاء؟

وكيف تستطيع أمةٌ أن تحفظ صلتها بإمامها دون أن تجعل الوسيلة بديلًا عن صاحب الرسالة؟

هنا لم يعد المطلوب أن يكون الإمام حاضرًا في كل مجلس، بل أن يبقى ما يصدر عنه محفوظًا، وأن يصل توجيهه إلى من يحتاج إليه، وأن تعرف الأمة أن الطريق الذي يصلها بإمامها ليس هو الإمام نفسه.

وهنا ظهر معنى جديد للباب. فالباب لا يكون هو البيت، ولا يكون الطريق هو الغاية، لكنه الوسيلة التي تحفظ للإنسان إمكان الوصول.

ومن هذه النقطة تبدأ حكاية الغيبة الصغرى؛ لا بوصفها انقطاعًا للصوت، وإنما بوصفها مرحلةً تغيّر فيها الطريق الذي يصل منه الصوت إلى الأمة.

وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: من حمل هذا الصوت؟

وكيف حُفظت أمانة الطريق؟

وكيف استطاعت الأمة أن تميّز بين صوت الإمام وصوت من يتحدث باسمه؟

من هنا يبدأ الطريق إلى الباب.

حين وقف رجالٌ على الباب

لم يكن الباب الذي فُتح في زمن الغيبة الصغرى بابًا يستطيع كلُّ أحد أن يقف عليه.

فالأمر لم يكن مجرد وسيلةٍ لإيصال رسالة، ولا طريقًا عابرًا بين شخصين؛ كانت وراءه أمانةٌ شديدة الحساسية، وكان الخطأ فيه قادرًا على أن يربك صلة الأمة بإمامها، بل أن يعرّض الإمام نفسه للخطر.

ولهذا لم يكن السؤال فقط: هل يوجد من ينقل عن الإمام؟

بل كان السؤال الأهم: من الذي يمكن أن يُؤتمن على هذا الدور؟

فحين يبتعد الإمام عن أعين الناس، تصبح قيمة الوسيط مرتبطةً بقدرته على أن يكون أمينًا على ما يحمل، لا صاحبًا لما يحمل.

وهنا ظهر رجالٌ اختصهم الإمام المهدي عليه السلام بالقيام بهذا الدور في مرحلة الغيبة الصغرى.

لم يكونوا أئمةً، ولم يكونوا شركاء في مقام الإمامة، ولم تكن لهم سلطةٌ مستقلة عن الإمام.

كانوا أصحاب مهمةٍ محددة: أن يكونوا حلقة الوصل الخاصة بين الإمام وشيعته، في زمنٍ لم يعد فيه الاتصال بالإمام ممكنًا بالصورة السابقة.

وكان هذا الدور يحتاج إلى شيءٍ يتجاوز المعرفة الشخصية.

كان يحتاج إلى ثقة.

فالثقة هنا لم تكن مجرد صفةٍ أخلاقية محمودة، وإنما كانت جزءًا من بناء الطريق نفسه.

إذا كان صوت الإمام سيصل إلى الأمة عبر رجل، فإن أمانة هذا الرجل تصبح مسألةً أساسية في حفظ الصوت من التحريف، وفي حماية الجماعة من أن تختلط عليها الأصوات.

ولهذا ارتبطت مرحلة الغيبة الصغرى بأسماءٍ أصبحت جزءًا من تاريخ الإمامة: عثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري.

هؤلاء هم الذين عُرفوا في التراث الإمامي بالسفراء أو النواب الخاصين للإمام المهدي عليه السلام خلال الغيبة الصغرى، وقد تعاقبوا في هذا الدور طوال ما يقرب من سبعين عامًا، من بداية الغيبة سنة 260هـ حتى انتهائها سنة 329هـ.

ولكن أهمية هؤلاء الرجال لا تكمن في مجرد تعداد أسمائهم.

فالتاريخ لا يحفظ الرجال لأن أسماءهم ذُكرت، وإنما لأنهم حملوا مسؤوليةً تركت أثرًا في مسار الأمة.

وكان لكل واحدٍ منهم زمنه، ومساحته الخاصة في هذه الرحلة.

كان أولهم عثمان بن سعيد العمري، الذي سبق له أن خدم الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكان موضع ثقته، ثم انتقل دوره بعد وفاة الإمام العسكري عليه السلام إلى خدمة الإمام المهدي عليه السلام.

وقد استمرت نيابته في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى، نحو خمس سنوات، منذ بدايتها سنة 260هـ.

وهنا تظهر دلالة مهمة.

فالانتقال من إمامٍ إلى إمام لم يكن انتقالًا عشوائيًا في الأشخاص، وإنما كان امتدادًا لمسارٍ من الثقة والمعرفة.

فالرجل الذي كان قريبًا من الإمام العسكري عليه السلام وموضع اعتماده لم يصبح فجأةً واسطةً بين الإمام المهدي عليه السلام وشيعته من دون سياق.

كان هناك تاريخٌ من الأمانة، ومعرفةٌ بالظروف، وقدرةٌ على حمل المسؤولية في زمنٍ شديد الحساسية.

ثم جاء بعده ابنه محمد بن عثمان العمري، فكان أطول السفراء نيابةً، إذ استمرت مهمته نحو أربعين سنة، ابتداءً من سنة 265هـ.

وهنا لا يعود امتداد الدور مجرد استمرارٍ زمني. فالأربعون عامًا تعني أن جيلًا كاملًا من الشيعة تقريبًا عرف طريقه إلى الإمام من خلال هذا الباب.

وكان هذا الامتداد نفسه جزءًا من قدرة الجماعة على فهم أن الطريق لم يكن قائمًا على شخصٍ واحد، بل على وظيفةٍ محددة تستمر ما دامت الحاجة إليها قائمة.

ثم جاء الحسين بن روح النوبختي، فانتقلت السفارة إليه سنة 305هـ، واستمرت نيابته نحو إحدى وعشرين سنة.

وكان انتقال النيابة إليه يبيّن مرةً أخرى أن الباب لم يكن مرتبطًا بشخصٍ بعينه، وإنما بدورٍ له شروطه وأمانته.

ثم جاء علي بن محمد السمري، فكان آخر السفراء، واستمرت نيابته نحو ثلاث سنوات، حتى انتهت الغيبة الصغرى سنة 329هـ.

وهكذا، حين ننظر إلى هؤلاء الرجال الأربعة لا نراهم مجرد أسماءٍ متتابعة في كتاب تاريخ، بل نرى خطًا امتد قرابة سبعين عامًا: رجلٌ يبدأ الطريق، ثم يسلمه إلى آخر، ثم ينتقل إلى ثالث، ثم يصل أخيرًا إلى رجلٍ يكون آخر من يقف على هذا الباب.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

لأن تعدد هؤلاء الرجال، واختلاف مدد نيابتهم، يحمل معنى يتجاوز التسلسل التاريخي.

فلو كان المقصود مجرد نقل بعض الأخبار، لما كان استمرار هذا الدور بهذه الصورة يحمل تلك الأهمية.

لكن القضية كانت أعمق.

كان المطلوب أن يبقى للإمام حضورٌ في حياة شيعته من خلال ما يصل إليهم من توجيه، وأن تبقى الجماعة قادرةً على معرفة ما يصدر عن إمامها، وأن تُحفظ الصلة في مرحلةٍ لم تعد فيها الرؤية متاحةً بالصورة السابقة.

وهنا يصبح “الباب” أكثر وضوحًا. فالسفير لم يكن هو الصوت، ولم يكن هو الإمام، ولم يكن الطريق غايةً في ذاته.

كان دوره أن يفتح طريقًا إلى الصوت دون أن يدّعي أنه صاحبه.

وهذه نقطة دقيقة جدًا.

فالوسيط الناجح هو الذي يجعل الناس يصلون إلى الرسالة، لا الذي يجعل الرسالة وسيلةً للوصول إليه.

ولهذا كان خطر الانحراف في هذه المرحلة لا يقل عن خطر الانقطاع.

فكما أن غياب الإمام قد يترك فراغًا يحاول البعض ملأه، فإن وجود أشخاصٍ يدّعون ما ليس لهم قد يحول الوسيلة إلى بديل، والطريق إلى غاية.

ومن هنا كانت أمانة السفراء جزءًا من معنى السفارة نفسها.

لم يكن المطلوب منهم أن يقدّموا أنفسهم بوصفهم أصحاب مقامٍ مستقل، وإنما أن يحملوا ما اؤتمنوا عليه، ويحفظوا حدود الدور الذي أُسند إليهم.

وهكذا بدأت الأمة تتعلم شيئًا جديدًا: أن الإمام قد يغيب عن العين، لكن ذلك لا يعني أن كل طريقٍ إليه يصبح مباحًا لكل مدّعٍ.

بل كلما غاب الإمام عن المشاهدة، ازدادت الحاجة إلى التمييز، وازدادت قيمة الأمانة، وأصبح الفرق بين من يحمل الرسالة ومن يصنع لنفسه مقامًا باسمها أكثر خطورة.

ومن هنا لم يكن السؤال فقط: من يقف على الباب؟

بل: ماذا يحمل هذا الرجل من وراء الباب؟

وكيف تعرف الأمة أن ما يصلها هو صوت الإمام فعلًا؟

وهنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية في تجربة الغيبة الصغرى: الرسائل والتوقيعات التي وصلت إلى أصحاب الإمام، وكيف أصبحت هذه التوقيعات علامةً على أن الصوت لم ينقطع، وأن الباب لم يكن مجرد ادعاء.

لم يكن غياب الإمام يعني أن صوته صار أبعد، بل إن المسافة نفسها بدأت تبحث عن طريقٍ جديد.

وفي اللحظة التي لم يعد فيها اللقاء متاحًا بالصورة التي عرفتها الأمة من قبل، أصبح السؤال أعمق من سؤال الوصول: من يحمل ما يصل من الإمام، وكيف يبقى ما يصدر عنه محفوظًا؟

حين صار للصوت أثرٌ مكتوب

إذا كان الغياب قد غيّر طريق الوصول إلى الإمام، فإن السؤال التالي يصبح أكثر دقة: كيف يُحفظ ما يصل من الإمام؟

فالكلمة التي تُنقل شفهيًا قد تبقى في الذاكرة، لكنها تظل معرضةً للنسيان والاختلاف وسوء النقل.

أما حين تصل الكلمة مكتوبة، فإنها تصبح أثرًا يمكن الرجوع إليه، ورسالةً تعبر الزمن دون أن تتوقف على بقاء ناقلها حاضرًا في كل لحظة.

ولهذا اكتسبت توقيعات الإمام المهدي عليه السلام أهميةً خاصة في زمن الغيبة الصغرى.

لم تكن التوقيعات مجرد رسائل عابرة يجيب فيها الإمام عن أسئلة بعض شيعته، بل كانت تمثل شكلًا جديدًا من حضور صوته.

فالإمام لم يكن حاضرًا في المجلس، لكن كلمته كانت تصل.

ولم يكن الناس يرونه وهو يجيب، لكنهم كانوا يتلقون جوابًا منسوبًا إليه، في ظرفٍ أصبحت فيه المحافظة على الصلة بالإمام تحتاج إلى وسيلةٍ تتجاوز اللقاء المباشر.

وهنا تظهر قيمة الكتابة.

فالكتابة لا تلغي الغياب، لكنها تمنع الغياب من أن يتحول إلى صمت.

وقد تناولت التوقيعات مسائل مختلفة، من أسئلة دينية وشرعية إلى قضايا تتصل بحياة الشيعة وما كانوا يواجهونه من ظروفٍ وتساؤلات.

وكان وصول هذه الأجوبة عبر السفراء جزءًا من الوظيفة التي حملوها.

لكن الأهم من مضمون كل جوابٍ على حدة هو الصورة التي تكشفها هذه التوقيعات عن طبيعة العلاقة بين الإمام وشيعته.

فالإمام لم يكن حاضرًا بينهم بالصورة التي كان عليها آباؤه، ومع ذلك لم تتحول الأمة إلى جماعةٍ بلا توجيه.

كان هناك سؤالٌ يحتاج إلى بيان، فيأتي الجواب.

وكان هناك أمرٌ يحتاج إلى موقف، فيأتي التوجيه.

وهكذا بقيت العلاقة قائمة، وإن تغيّرت وسيلتها.

فالغياب عن العين لم يكن غيابًا عن كل أثر، والبعد المكاني لم يكن بالضرورة انقطاعًا في التواصل.

كان الإمام بعيدًا عن المشهد، لكن صوته كان يستطيع أن يعبر المسافة.

ومن هنا كانت التوقيعات أكثر من مجرد وثائق. كانت تحمل للأمة معنىً يتجاوز الورق نفسه؛ معنى أن إمامها لم ينقطع عنها، وأن الغيبة لا تعني أن شيعته تُركوا وحدهم أمام الطريق.

لكن هذا النوع من الحضور كان يفرض مسؤوليةً أخرى.

فكلما أصبحت المسافة أكبر، أصبحت مسألة التحقق أكثر أهمية، وكلما أصبح الإمام غير حاضر أمام أعين الناس، ازدادت حساسية السؤال عن أمانة من ينقل عنه.

ولهذا لم تكن التوقيعات منفصلةً عن منظومة الثقة التي أحاطت بالسفراء، بل كانت جزءًا من طريقٍ متكامل: إمامٌ يصدر عنه التوجيه، وسفيرٌ يحمله، وجماعةٌ تتلقاه وتحفظه.

فالصوت المكتوب لا يعيش وحده. إنه يحتاج إلى يدٍ أمينة تحمله، وإلى أمةٍ تعرف كيف تميّز بين الرسالة الحقيقية والرسالة المصطنعة.

وهنا تظهر مسؤولية الأمة نفسها.

فحين يكون الإمام حاضرًا أمام الناس، يستطيع الإنسان أن يسأل ويتأكد ويرى ويسمع.

أما حين يصبح الاتصال محدودًا، فإن المعرفة تحتاج إلى وعيٍ أكبر، والثقة تحتاج إلى أساسٍ أقوى، والتمييز يصبح جزءًا من حفظ الدين.

ولهذا لم يكن التوقيع مجرد حبرٍ على ورق. كان أثرًا يقول للأمة إن الغياب لا يساوي انقطاع الصوت.

لكن بقي سؤال أكثر حساسية: إذا كانت التوقيعات تصل، وإذا كان السفراء يحملون ما يصدر عن الإمام، فكيف استطاعت الأمة أن تعرف أن هذا الطريق حقيقي، وأن من يقف عليه ليس مجرد مدّعٍ؟

هنا تظهر قيمة الرجال الذين حملوا هذه الأمانة، وما عرفه الناس عنهم من ثقةٍ وسابقةٍ واتصال.

فالباب لا يُعرف بكثرة من يقفون عليه، وإنما يُعرف بما يخرج منه.

وإذا كان الصوت قد صار يصل من وراء الباب، فإن السؤال لم يعد عن وجود الصوت فقط، بل عن أمانة الباب الذي يحمله.

وهنا تتقدم التجربة خطوةً أخرى: لم تعد القضية مجرد وجود طريقٍ إلى الإمام، بل أصبحت الأمة نفسها جزءًا من مسؤولية حفظ هذا الطريق.

حين وصل السؤال إلى الإمام

حين يغيب الإنسان عن مجلسك، تنتهي أشياء كثيرة.

لا تعود تستطيع أن تسأله في اللحظة نفسها، ولا أن ترى ردّه في عينيه، ولا أن تلتقط من نبرة صوته ما قد يفسّر كلماته.

لكن الغياب لا يمنع السؤال. وهذه نقطةٌ تكشف شيئًا عميقًا في تجربة الغيبة الصغرى.

فالأمة لم تتوقف عن السؤال حين غاب الإمام عن أعينها، بل ربما أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحًا.

كان هناك من يريد أن يعرف حكمًا، ومن يحتاج إلى توجيه، ومن يعيش ظرفًا لا يعرف كيف يتعامل معه، ومن يحمل في قلبه سؤالًا عن إمامه وعن دينه وعن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.

وكان السؤال، في حد ذاته، إعلانًا عن أن الصلة لم تنقطع.

فالمؤمن لا يرفع سؤاله إلى إمامه إلا وهو يرى أن وراء الغياب حضورًا، وأن وراء المسافة إمكانًا للوصول.

وحين كانت الأسئلة تصل إلى الإمام المهدي عليه السلام، ثم تعود الإجابات في صورة توقيعات، كانت الأمة ترى أمامها صورةً جديدة من صور الحضور.

لم يكن الإمام في المجلس، لكن جوابه كان حاضرًا.

لم تكن العين تراه وهو يجيب، لكن الكلمة كانت تصل.

وهنا يصبح التوقيع أكثر من وثيقةٍ تاريخية؛ إنه أثرٌ للقاءٍ لم يحدث بالصورة المعتادة.

فالإنسان الذي يلتقي شخصًا وجهًا لوجه يحتفظ بصورة ذلك اللقاء في ذاكرته، أما في الغيبة الصغرى فقد أصبحت الكلمة نفسها تحمل شيئًا من معنى اللقاء.

كان السؤال يعبر المسافة، ثم يعود الجواب ليعبرها في الاتجاه الآخر.

وبين السؤال والجواب كانت تتشكل علاقةٌ جديدة بين الإمام وشيعته؛ علاقةٌ لا تقوم على كثرة المجالس، وإنما على بقاء التوجيه ممكنًا في حدود المرحلة التي عاشتها الأمة.

وهنا تكمن دلالة مهمة.

فالغيبة لم تجعل الإمام بعيدًا عن قضايا الناس.

فما كانوا يحملونه من أسئلة لم يكن خارجًا عن دائرة اهتمامه، وكانت الإجابات التي تصل إليهم تكشف أن العلاقة بالإمام لم تتحول إلى مجرد اعتقادٍ نظري بوجوده، بل بقي فيها معنى الرعاية والتوجيه.

وهذا يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الغيبة.

فالغياب ليس بالضرورة أن يترك الأمة وحيدة.

قد يغيب القائد عن أعين أتباعه، لكن تبقى كلمته تهديهم.

وقد يغيب المعلّم عن تلاميذه، لكن يبقى علمه حاضرًا فيهم.

وقد يغيب الأب عن أبنائه، لكن وصيته قد تستمر في توجيههم.

فكيف إذا كان الحديث عن إمامٍ ترى المدرسة الإمامية أن وجوده مرتبط باستمرار الحجة والهداية؟

إن قيمة التوقيعات لا تكمن فقط في أنها أجوبةٌ عن أسئلة محددة، وإنما في أنها تكشف عن استمرار العلاقة نفسها.

كان هناك من يسأل.

وكان هناك من يجيب.

وكانت المسافة بينهما موجودة، لكنها لم تتحول إلى قطيعة.

وهنا تظهر مفارقة الغيبة الصغرى: كلما اتسعت المسافة بين الإمام وشيعته، ازدادت أهمية الكلمة.

فاللقاء المباشر يجعل الإنسان يرى الشخص، أما الكلمة فتعلمه أن يعرف موقفه وتوجيهه وطريقته في التعامل مع الأحداث.

ولهذا لم تكن التوقيعات مجرد وسيلةٍ لسد نقص اللقاء، بل كانت تهيئةً للوعي بأن معرفة الإمام لا يمكن أن تبقى معلقةً دائمًا على المشاهدة.

كان على الأمة أن تتعلم أن الصلة بالإمام يمكن أن تكون صلةَ معرفةٍ وثقةٍ وطاعة، لا مجرد صلةِ مجلسٍ ومشاهدة.

لكن هذا لا يعني أن كل ما نُسب إلى الإمام يُقبل بلا تمييز.

فإذا كان السؤال يصل عبر طريقٍ خاص، فإن التحقق من الطريق يصبح جزءًا من حفظ الدين.

وهنا تتكامل عناصر التجربة: السؤال من الأمة، والطريق الذي يحمله، والجواب الذي يعود، والثقة التي تحفظ هذا المسار من أن يتحول إلى بابٍ للفوضى أو الادعاء.

وهكذا بدأ صوت الإمام يتخذ صورةً جديدة.

لم يعد الصوت الذي تسمعه الأمة في مجلسٍ عام، وإنما الصوت الذي يصل إلى من يبحث عنه، ويحمل إليه سؤالًا، وينتظر منه توجيهًا.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا كان عنوان هذه المرحلة أعمق من مجرد الغياب.

فالصوت لم يختفِ. الذي تغيّر هو المسافة بين الصوت ومن يسمعه، وتغيّر شكل الوصول. أما الصلة نفسها، فلم تكن قد انقطعت.

لكن كل مرحلةٍ لها نهاية.

والباب الذي كان يسمح باتصالٍ خاص لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد.

وسيأتي وقتٌ لا يعود فيه السؤال يصل بالطريقة نفسها، ولا يبقى هناك شخصٌ يقف بين الإمام والأمة على الصورة التي عرفتها في الغيبة الصغرى.

وهنا ستواجه الأمة اختبارًا جديدًا: إذا أُغلق الباب الذي عرفت منه الصوت، فهل يعني ذلك أن الصوت نفسه قد انتهى؟

أم أن الغيبة الصغرى كانت، منذ بدايتها، تهيئةً لزمنٍ لا يعود فيه للصوت بابٌ شخصي، وإنما يصبح على الأمة أن تتعلم كيف تحفظ طريقها في غياب الباب؟

ويبقى السؤال

بدأت الغيبة الصغرى في لحظةٍ تغيّر فيها شكل الحضور، فكان لا بد أن يتغيّر شكل الطريق.

لم يعد الإمام حاضرًا في المشهد كما كان من قبل، لكن صوته لم ينقطع.

كان هناك رجالٌ وقفوا على الباب، وحملوا الأمانة، ونقلوا ما يصل إليهم من الإمام إلى شيعته.

وكانت هناك أسئلةٌ تعبر المسافة، وتوقيعاتٌ تعود منها، لتقول للأمة إن الغياب عن العين لا يعني الغياب عن الهداية.

لكن الباب، مهما كان أمينًا، ليس هو البيت.

والوسيلة، مهما بلغت منزلتها، ليست هي الغاية.

ولهذا كان لا بد أن يأتي يومٌ ينتهي فيه هذا الطريق الخاص، لا لأن الإمام غاب عن أمته، وإنما لأن الأمة نفسها كانت تدخل مرحلةً جديدة من علاقتها بإمامها.

ففي الغيبة الصغرى تعلّمت الأمة أن الصوت يمكن أن يصل من وراء الباب.

وفي الغيبة الكبرى ستتعلم أن تحفظ الطريق حتى حين لا يبقى بابٌ شخصي.

وهنا تتغير طبيعة المسؤولية.

لم يعد السؤال: من يقف على الباب؟

بل: كيف تحفظ الأمة صوت إمامها حين لا يكون هناك بابٌ تقف عليه؟

وكيف تميّز طريق الهداية حين تصبح مسؤولية الثبات أوسع، والاعتماد على الوعي والحجة أشد؟

انتهى زمن السفراء، لكن لم ينتهِ زمن الإمام.

أُغلق بابٌ خاص، ولم يُغلق باب الهداية.

ومن هنا تبدأ مرحلةٌ أخرى؛ مرحلةٌ لا يكون فيها الإمام وراء بابٍ يُطرق، وإنما تكون الأمة أمام امتحانٍ أطول: أن تعرف إمامها، وتحفظ دينها، وتبقى ثابتةً على العهد في زمن الغيبة الكبرى.

ومن هنا تبدأ المقالة الحادية والعشرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds