أقلام

الشراكة السعودية الصينية من التجارة إلى توطين التقنية وبناء سلاسل الإمداد

زكي الجوهر

لم يعد الحضور الصيني في المملكة مقتصرًا على التجارة وتصدير السلع والمعدات، بل يتجه بصورة متسارعة نحو الاستثمار والتصنيع وتوطين التقنية وبناء سلاسل الإمداد، خصوصًا في قطاعات الطاقة المتجددة والصناعة والتقنية، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030.

من تبادل الطاقة إلى شراكة متكاملة

يشير د. عبدالله المغلوث إلى أن العلاقة السعودية الصينية تشهد تحولًا نوعيًا من أنموذج يقوم على تبادل السلع والطاقة إلى شراكة اقتصادية وتنموية أوسع، تتداخل فيها الاستثمارات والتقنية والصناعة والطاقة المتجددة.

ويرى أن أهمية هذه الشراكة تكمن في قدرتها على بناء مصالح طويلة المدى، بحيث لا يقتصر التعاون على تصدير الطاقة واستيراد المنتجات، وإنما يمتد إلى إقامة المشاريع وتوطين الصناعات ونقل المعرفة والاستفادة من الخبرات الصينية في القطاعات الحديثة.

ويبرز هذا التحول بصورة واضحة في قطاع الطاقة المتجددة؛ إذ دخلت شركات صينية في شراكات صناعية داخل المملكة لتوطين مكونات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يعزز قدرة السعودية على تطوير سلسلة قيمة محلية متكاملة في قطاع الطاقة الجديد.

ومن أبرز هذه المشاريع الشراكة مع JinkoSolar لتصنيع الخلايا والألواح الشمسية بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 جيجاواط سنويًا، إلى جانب مشروع مع Envision Energy لتصنيع وتجميع مكونات توربينات الرياح بطاقة تصل إلى 4 جيجاواط سنويًا، فضلًا عن مشروعات لتوطين صناعة السبائك والرقائق المستخدمة في الألواح الشمسية بطاقة تصل إلى 20 جيجاواط سنويًا.

م. خليفة بن سعد الخليفة: التصنيع ونقل التقنية

ومن جانبه، يركز م. خليفة بن سعد الخليفة على أن القيمة الحقيقية للشراكة السعودية الصينية تظهر عندما تتحول الاستثمارات إلى قدرات صناعية وتقنية داخل المملكة، مؤكدًا أهمية الاستفادة من الخبرة الصينية في التصنيع المتقدم وسلاسل الإمداد وربط التقنية بالإنتاج.

ويبرز هنا أنموذج قطاع الطاقة الشمسية، حيث لا تقتصر الشراكات على توريد المعدات، وإنما تتجه إلى تصنيع أجزاء رئيسة من منظومة الطاقة داخل المملكة، بما يفتح المجال أمام تطوير الموردين المحليين، وتأهيل الكفاءات الوطنية، ورفع المحتوى المحلي.

كما تعاقدت JinkoSolar على توريد ألواح شمسية لمشروعي حضن والخشيبي بقدرة إجمالية تقارب 3 جيجاواط، فيما تبلغ قدرة مشروع حضن وحده نحو 1.2 جيجاواط، وتشارك مجموعة China Energy Engineering الصينية في تنفيذه.

نيوم مختبر للطاقة المستقبلية

ويمتد التعاون إلى مشاريع الطاقة المستقبلية في نيوم، حيث يعتمد مشروع الهيدروجين الأخضر على ما يصل إلى 4 جيجاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويضم أكثر من 250 توربينًا، ويستهدف إنتاج ما يصل إلى 600 طن من الهيدروجين الأخضر يوميًا.

ويعكس المشروع حجم الفرص التي تتيحها مشاريع التحول في الطاقة أمام الشركات العالمية، ليس فقط في مجال الإنشاء والتوريد، وإنما في تطوير منظومة متكاملة تشمل التصنيع والخدمات والصيانة وسلاسل الإمداد والتقنيات المتقدمة.

التقنية «صنع في السعودية»

ولا يتوقف التعاون السعودي الصيني عند الطاقة، بل يمتد إلى الصناعات التقنية المتقدمة.

فقد أبرمت شركة آلات، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، شراكة استراتيجية مع شركة Lenovo الصينية تتضمن استثمارًا بقيمة ملياري دولار، وإنشاء مصنع في الرياض على مساحة تقارب 200 ألف متر مربع لإنتاج ملايين الحواسيب الشخصية والمحمولة والخوادم تحت شعار «صنع في السعودية».

ومن المتوقع أن تسهم الشراكة في إيجاد ما يصل إلى 15 ألف وظيفة مباشرة و45 ألف وظيفة غير مباشرة، مع أثر تراكمي متوقع على الناتج المحلي بنحو 10 مليارات دولار بحلول 2030.

من التجارة إلى سلاسل القيمة

تكشف هذه المشاريع عن تحول مهم في طبيعة العلاقة السعودية الصينية؛ فالشراكة تتجاوز تدريجيًا نموذج تبادل النفط والسلع إلى نموذج يقوم على الاستثمار المشترك والتصنيع المحلي ونقل التقنية وبناء سلاسل الإمداد.

وهذا التحول يمثل جوهرًا مهمًا من مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي لا تستهدف جذب رأس المال الأجنبي فحسب، وإنما تحويل الاستثمار إلى قدرات إنتاجية وتقنية وصناعية وفرص عمل مستدامة داخل المملكة.

وفي المقابل، توفر السوق السعودية للشركات الصينية فرصة للتوسع في المنطقة والاستفادة من موقع المملكة الإستراتيجي، ومشاريعها الكبرى، والبنية التحتية المتطورة، والأسواق المرتبطة بها في العالم العربي وأفريقيا.

شراكة تتقاطع فيها الرؤى

وبذلك يكتسب التقارب بين رؤية السعودية 2030 ومبادرة الحزام والطريق مضمونًا اقتصاديًا وتنمويًا أكثر عمقًا؛ فالعلاقة لم تعد تقاس بحجم التجارة وحده، بل بما تنتجه من مصانع واستثمارات وتقنيات ووظائف وقدرات صناعية جديدة.

ومن الطاقة الشمسية والرياح إلى الهيدروجين الأخضر، ومن صناعة الحواسيب والخوادم إلى سلاسل الإمداد والتقنيات المتقدمة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون، عنوانها الاستثمار في المستقبل وبناء القيمة داخل المملكة.

وهنا تكمن أهمية الشراكة السعودية الصينية: أن تتحول العلاقة من مجرد حركة للسلع بين بلدين إلى شراكة تصنع المعرفة، وتوطن التقنية، وتبني الصناعة، وتدعم تنويع الاقتصاد السعودي وموقع المملكة في سلاسل القيمة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى