
عماد آل عبيدان
منذ سنوات بعيدة كان صديقان يسيران بسيارة “هوندا حوض” الصغيرة التي كنا نسميها “هوندا راس” لخفتها وصغرها ورخص سعرها..
وكان الذي يقودها “علّيمي” في السياقة.. يعرف منها ما يكفي لتحريك السيارة.. أما بقية الاتفاق بينه وبين الطريق فما زال تحت التفاوض.
وصاحبه بجانبه يراقب الطريق ويراقبه..
وكانت السيارة تسير بمحاذاة أحد “السدود” وهي مصارف المياه العميقة نوعًا ما والتي كانت معروفة في البلدة آنذاك وإلى يومنا هذا إلّا أنها غطيت وزفلتت.
بدأت الهوندا تميل ناحية السد.
قال صاحبه..
“انتبه.. السيارة تميل للسد”..
قال السائق بثقة..
“منتبه.. منتبه”.
ومالت أكثر.
“انتبه!”
“منتبه!”
ثم..
طااااخ!
وهلّب بالهوندا في السد.
والحمد لله أن الحكاية بقيت لنا للضحك وبقي أصحابها ليضحكوا عليها.
لكن “منتبه.. منتبه” بقيت في رأسي وفي الذاكرة أطول من الحادثة نفسها حتى يومنا هذا..
فهي تصلح لأشياء كثيرة في الحياة.
فما الفرق بين “الطرامة” و“الهبالة”؟
فنحن نقول شعبيًا عن هذا “أطرم” وعن ذاك “أهبل” وقد نقولهما عن الرجل نفسه إذا اجتهد قليلًا!
ولكنني لا أراهما شيئًا واحدًا..
فالأطرم قد لا يلتقط المقصود.
تشرح له الأمر والمسألة أمامه بكامل ملابسها ثم تكتشف أن جزءًا منها لم يصل.
أما الأهبل فقد تصل إليه المعلومة كاملة..
يسمعها..
يفهمها..
ويرى نتائجها أمامه.
ثم يتصرف بطريقة تجعلك تتمنى لو أنها لم تصل أصلًا!
الأطرم قد يصل إلى الحفرة لأنه لم ينتبه إليها.
أما الأهبل فقد يقف عندها ويسألك.
“غزيرة؟”
تقول له.
“نعم”.
فيقول..
“خلنا نجرب”.
ويقفز ويطب فيها!
وهنا يلتقي الاثنان في الحفرة ويفترقان في طريقة الوصول إليها.
ولذلك قد تنفع مع الأطرم إعادة الشرح..
أما الأهبل فلا تكثر له المعلومات..
قد يستخدمها ضد نفسه!
والحقيقة أنَّ منّا مَن لا يستطيع أن يبرّئ نفسه تمامًا من زيارة المنطقتين بين حين وآخر.. وأظن أن له بعض رفقة هناك!
أحيانًا تبحث عن هاتفك وهو في يدك
تدخل غرفة ثم تقف فيها محاولًا أن تتذكر لماذا جئت
وتبحث عن نظارتك وهي على رأسك.
هذه طرامات صغيرة لا تستحق فتح ملف..
نضحك ونكمل يومنا.
والحمد لله أن بعض الهبالة أيضًا تزور ولا تقيم..
المشكلة فيمن يستأجر لها شقة مفروشة في رأسه ثم يمنحها عقدًا طويل الأجل!
يجرب التصرف نفسه..
تأتيه النتيجة نفسها..
يعيد ذات التصرف..
تأتيه النتيجة نفسها..
ثم يجلس مستغربًا من سوء حظه.
وقد يستعين بالشاعر أيضًا ليبرئ نفسه ويلقي القضية كلها على الحظ..
إنَّ حظِّي كدقيقٍ
فوق شوكٍ نثروهُ
ثمَّ قالوا لحفاةٍ
يومَ ريحٍ اجمعوهُ
صعبَ الأمرُ عليهم
قال قومي اتركوهُ
إنَّ مَن أشقاهُ ربِّي
كيف أنتم تُسعدوهُ
مع أن الحظ المسكين قد لا تكون له علاقة بالقضية من أساسها!
والأغرب أن الهبالة لا تأتي دائمًا بملابس المهرج..
قد تأتي بربطة عنق..
وتجلس خلف مكتب..
وتناقش..
وتبرر..
وقد تتخذ قرارًا كاملًا ثم تبحث بعد ذلك عن الأسباب التي تثبت أن قرارها كان صحيحًا..
وهنا تخف الضحكة قليلًا..
لأن الطرامة في مجلس قد تضحكنا..
والهبالة في قرار قد يدفع ثمنها آخرون..
في المال..
وفي العمل..
وفي البيت..
وفي العلاقات..
فالمشكلة ليست دائمًا أن الإنسان لا يعرف..
فأحيانًا يعرف تمامًا..
ويرى السد..
ويسمع من بجانبه يحذره..
ويلاحظ أن السيارة تميل..
ثم يمسك المقود بثقة ويقول..
“منتبه.. منتبه”.
ولهذا ربما لم يكن العاقل هو الذي لم “يطرم” قط ولم “يهبل” قط.
ذلك مخلوق لم أتشرف بمعرفته حتى الآن.
العاقل هو الذي إذا اكتشف طرامته انتبه..
وإذا اكتشف هبالته توقف..
لأن الفرق أحيانًا بين العاقل والأهبل أن كليهما أخطأ..
واحد عرفها من المرة الأولى..
والثاني قال..
“خلني أعيدها.. يمكن هالمرة تضبط!”
فليس كل من قال..
“منتبه”..
منتبهًا.





