
بشائر: القطيف
غيب الموت الدكتور عبدالجليل بن علي آل سيف، أحد القيادات الإدارية البارزة في وزارة الداخلية، وعضو مجلس الشورى الأسبق، بعد مسيرة حافلة امتدت لنحو نصف قرن، تنقل خلالها بين مجالات المرور والأمن والخدمات الطبية والعمل البرلماني والحقوقي، وأسهم في تطوير عدد من الأنظمة والخدمات في المملكة.
وُلد الدكتور عبدالجليل آل سيف في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف عام 1363هـ، الموافق 1942م، ونشأ في أسرة كبيرة في بيئة بسيطة، قبل أن ينتقل في طفولته إلى القطيف لمواصلة تعليمه النظامي.
بدأ تعليمه في «الكتاتيب»، حيث تعلم القرآن الكريم والعلوم الدينية، ثم التحق بمدرسة القطيف، وأنهى المرحلة الابتدائية عام 1374هـ/1954م. ومن القطيف انطلقت رحلته العلمية والمهنية التي قادته لاحقًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ضمن برنامج للابتعاث، حيث تخصص في المجالات المرتبطة بالأمن والمرور.
وبحسب السيرة المنشورة من الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، حصل آل سيف على درجة البكالوريوس في القانون الجنائي من جامعة متشيجان الأمريكية، ثم واصل دراساته العليا في إدارة سلامة المرور، وحصل على الدكتوراه من جامعة متشيجان ستيت عام 1973م.
وخلال سنوات ابتعاثه، اضطر إلى العمل في عدد من المهن لتوفير نفقات الدراسة والمعيشة، من بينها أعمال خدمية في المطاعم، وهي تجربة قال إنها أسهمت في تشكيل شخصيته العملية وعززت إصراره على مواصلة دراسته حتى إكمال مراحل التعليم العالي.
بداية المسيرة في وزارة الداخلية
عاد الدكتور آل سيف إلى المملكة عام 1393هـ/1973م، ليبدأ مسيرته العملية في وزارة الداخلية، حيث اتجه بصورة رئيسية إلى مجال المرور، فعمل في الإدارة العامة للمرور وتولى رئاسة الشعبة الفنية، ثم مديرًا للإدارة الفنية خلال الفترة من 1394 إلى 1396هـ.
كما أشرف على مدارس تعليم قيادة السيارات في المملكة، وعمل خبيرًا مروريًا في ديوان وزارة الداخلية، وأسهم خلال تلك المرحلة في تطوير العمل المروري وإعداد البرامج والمناهج المتخصصة في السلامة المرورية، إلى جانب تدريسه مادة المرور في كلية الملك فهد الأمنية، وتأليفه عددًا من الدراسات والأبحاث في المجال.
وارتبط اسم آل سيف كذلك بإعداد أول مسودة لنظام المرور في المملكة، وفق ما أوردته مصادر صحفية، في خطوة عكست اهتمامه المبكر بوضع أطر تنظيمية حديثة للعمل المروري وتعزيز السلامة على الطرق.
وتدرج في عدد من المناصب الإدارية بوزارة الداخلية، من بينها مدير عام الإدارة العامة للتنظيم والبرامج خلال الفترة من 1397 إلى 1401هـ، ثم مدير عام للاستقدام في المملكة، قبل انتقاله إلى الإدارة العامة للخدمات الطبية بوزارة الداخلية.
18 عامًا في قيادة الخدمات الطبية
في عام 1404هـ، صدر قرار بتعيينه مديرًا للإدارة العامة للخدمات الطبية بوزارة الداخلية، ليستمر في قيادة الإدارة لما يقارب 18 عامًا، شهدت خلالها توسعًا في مشاريع الرعاية الصحية والخدمات الطبية المقدمة لمنسوبي الوزارة.
ومن أبرز المشاريع التي ارتبطت بعمله، الإعلان عام 2000م عن البدء في إجراءات إنشاء مستشفى قوى الأمن بالدمام، إلى جانب مشاريع صحية أخرى شملت مستشفى لقوى الأمن في مكة المكرمة، وثلاثة مراكز صحية نموذجية في المدينة المنورة وعسير والقصيم، ضمن خطط لتوسيع نطاق الخدمات الصحية في مختلف مناطق المملكة.
ولم يقتصر اهتمامه على الإدارة والتطوير المؤسسي، بل امتد إلى التوثيق والكتابة المتخصصة؛ إذ نشر في مجلة «الأمن» الصادرة عن وزارة الداخلية عام 1988م مادة بعنوان «الخدمات الطبية معك في المشاعر المقدسة»، تناول فيها الخدمات الصحية والرعاية الطبية المقدمة خلال موسم الحج.
إلى مجلس الشورى
في عام 1422هـ، انتقل آل سيف إلى مجلس الشورى بعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم 953 في 21 شعبان 1422هـ بتعيينه عضوًا في المجلس، واستمرت عضويته لثلاث دورات متتالية، أي نحو 12 عامًا.
وخلال عضويته، شارك في أعمال لجنة الشؤون الأمنية، وبرز اهتمامه بصورة خاصة بالملفات المرورية، حيث قدم مقترحات ودراسات تناولت أنظمة المرور وسلامة مستخدمي الطرق والعقوبات المرورية.
ووصفته مجلة مجلس الشورى بأنه جمع بين الخبرة الإدارية والعمل الأمني والمروري والنشاط الحقوقي، مستفيدًا من تجربته العملية في مناقشة قضايا تمس الوطن والمواطن، والمشاركة في اقتراح الأنظمة وتعديل الأنظمة النافذة.
كما شكلت سنواته في المجلس محطة مهمة في تجربته العامة، إذ أتاحت له ممارسة الحوار والنقاش والعمل المؤسسي، والتفاعل مع مختلف الآراء، إلى جانب الإسهام في مناقشة القضايا الوطنية وصياغة المقترحات ذات الصلة بالشأن العام.
حضور حقوقي ومجتمعي
امتد نشاط الدكتور آل سيف إلى المجال الحقوقي والمجتمعي؛ إذ شغل عضوية الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وتولى الإشراف على فرع الجمعية في المنطقة الشرقية، كما كان عضوًا في مجلس الضمان الصحي ولجنة حقوق الإنسان.
وعُرف كذلك بإنتاجه الكتابي في مجال المرور، ومن أبرز الأعمال المنسوبة إليه كتاب «دراسات مقارنة لقضايا السير وأنظمة المرور في المملكة» عام 1391هـ، و«فن قيادة السيارات بين المعرفة والتطبيق» عام 1394هـ، وهو من الأعمال المرتبطة بمناهج مدارس تعليم قيادة السيارات، إضافة إلى كتاب أو دراسة بعنوان «تطور أساليب وتنظيم إدارة المرور»، فضلًا عن عدد من الأبحاث والمقالات المتخصصة.
من تاروت إلى دوائر صنع القرار
وفي حوارات صحفية، استعاد آل سيف جوانب من طفولته ونشأته في جزيرة تاروت، متحدثًا عن البيت الطيني الكبير الذي عاش فيه مع أسرته، وعن تفاصيل الحياة في الجزيرة قبل اكتمال الخدمات الحديثة، كما تحدث عن حياته الأسرية وأبنائه الثلاثة.
ومن بين أبنائه معالي الأستاذ فهد بن عبدالجليل آل سيف، وزير الاستثمار، الذي صدر الأمر الملكي بتعيينه في منصبه الحالي في فبراير 2026م.
وبوفاته، تُطوى صفحة من مسيرة أحد أبناء المنطقة الشرقية الذين امتدت تجربتهم المهنية بين العمل الأمني والمروري، وتطوير الخدمات الطبية، والعمل البرلماني والحقوقي، تاركًا وراءه مسيرة إدارية وعلمية امتدت لعقود وأسهمت في عدد من مراحل التطوير المؤسسي في المملكة.





