
عبدالكريم النمر
زهرةٌ من بني زهرة…
وزهرةٌ من بني هاشم…
هل تذكرون هذا السؤال…
وإلى أين كان يمضي ذلك النور؟
هل نمضي معه… أم نتوقف قليلًا؟
هل نبدأ معه… من عالم الأنوار… أم من عالم الأرواح؟
أم من عالم العقول؟
أم من عالم الذر وعالم الطينة؟
أم من عالم الأصلاب والأرحام؟
أم من حيث لا نعلم؟
لا أعلم…
ولكن قبل أن نمضي في الحكاية، سنحاول هذه المرة أن نبحث:
من أين جاء ذلك النور؟
أن نسبح معه في السماء، قبل أن نمشي معه هنا في الأرض، ونرى أين استقر.
ربما علينا أن نعود مرةً أخرى إليه…
ولكن هذه المرة… لا إلى مكة
ولا إلى عبدالله وآمنة… بل إلى ما قبل ذلك كله…
إلى زمنٍ لا نعرف له بدايةً بمقاييس أيامنا وسنواتنا… ولا نعرف كم امتد…
إلى نورٍ لم يكن يومها وجهًا يراه الناس،
ولا طفلًا تحمله أم… ولا إنسانًا يمشي بين الناس.
فقد رُوي عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه سأل رسول الله ص:
«أول شيء خلقه الله تعالى ما هو؟»
فقال:
«نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير»
وفي رواية أخرى:
«أول ما خلق الله نوري»
فذلك النور…لم يبدأ مع عبدالله وآمنة…
ولا مع عبدالمطلب وفاطمة بنت عمرو المخزومية…
ولا مع هاشم وسلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية…
بل كان له شأنٌ أقدم من ذلك كله،
قبل أن تعرف الأرض محمدًا ص.
وتذكر الروايات والأخبار أن ذلك النور كان ينتقل في تلك السلسلة المباركة،
من صلبٍ إلى صلب.
ويظهر أثره في وجوه الأجداد والآباء
حتى ظهر في وجه هاشم، ثم في وجه عبدالمطلب
حتى بلغ عبدالله
فكان في وجه الأب أثرٌ من ذلك النور الذي سيخرج من صلبه.
ثم جاءت اللحظة
التي انتقل فيها النور من موضعه الأخير.
من صلب الأب… إلى رحم الأم.
ومن نسلٍ كريم… إلى رحمٍ طاهر
من عبدالله بن عبدالمطلب
الى آمنة بنت وهب.
وهناك
بدأت السماء تكشف شيئًا من سرها.
قبل أن نصل إلى عبدالله وآمنة
هناك سؤالٌ بقي معلقًا:
لماذا كان عبدالله تحديدًا موضع رغبة بيوت قريش؟
لقد تحدث الناس عن جماله، وحسن شمائله، وذلك النور الذي كان في وجهه
ولكنهم كانوا يرون الظاهر فقط.
أما الحقيقة… فكانت أعمق بكثير.
فذلك النور الذي رأته العيون في وجه عبدالله … كان وراءه طريقٌ طويل…
طريقٌ لا نعرف كيف نقيس زمنه،
ولا أين بدأت تفاصيله.
وكأنّ السؤال الذي تركناه في الحكاية السابقة عاد إلينا من جديد:
لماذا عبدالله تحديدًا؟
كان يحمل في داخله جوابًا لم تعرفه قريش بعد.
فلم تكن البيوت تتطلع إلى جمال شابٍ فحسب…
بل كانت تقترب… من حيث لا تعلم…
من سرٍّ أكبر من عبدالله نفسه.
وهنا… لم تعد الحكاية حكاية عبدالله وحده.
بل بدأت حكاية آمنة.
فالذي كان ظاهرًا على وجه الأب
أصبح الآن مخفيًا في رحم الأم.
والذي كان يُرى بالنظر…
أصبح يُحمل في السر.
كانت آمنة التي عرفتها قريش
ابنةً لبيتٍ كريم.
و«زهرةً» تنبثق من ديار بني زهرة…
أصبحت تحمل في رحمها سرًا
لم تكن مكة تعرفه بعد.
كانت آمنة ترى نفسها امرأةً تحمل جنينًا
أما السماء
فقد كان لهذا الجنين شأنٌ آخر.
وكأن الرحلة التي بدأت منذ زمن لا نعرف مداه… قد وصلت أخيرًا إلى موضعها.
ولكن
هل كان ذلك كل شيء؟
لا
فالروايات لا تجعل حمل آمنة حملًا عاديًا…. كان هناك شيءٌ آخر…
شيءٌ ستراه آمنة… وستشهد عليه امرأةٌ أخرى من بني هاشم
امرأةٌ لم تكن تعلم أن تلك اللحظات
ستربط اسمها بأسم هذا المولود إلى الأبد.
فاطمة بنت أسد.
ومن هنا
بدأت الحكاية تأخذ وجهًا آخر.
لم يعد السؤال: أين ذهب النور؟
فقد عرفنا
انتقل من عبدالله إلى آمنة.
بل أصبح السؤال.
ماذا حدث عندما استقر النور في رحم آمنة؟
وماذا رأت تلك الأم؟
وماذا رأت فاطمة بنت أسد حين حضرت تلك اللحظات؟
وهل كانت تلك العلامات مجرد مقدماتٍ لولادة طفل…
أم أن مكة كانت على موعدٍ مع ميلادٍ لم تعرف الأرض مثله؟
سنقترب من تلك اللحظة
لكن قبل أن يولد محمد ص
كان هناك من يعرف شيئًا عن المولود القادم.
أبو طالب.
كانت فاطمة بنت أسد قريبةً من آمنة
وكانت ترى وتسمع ما يجري حولها.
فاطمة بنت أسد… كانت تعرف شيئًا.
شيئًا لم يكن يعرفه كثيرون في مكة…
شيئًا سيقودنا بعد قليل إلى أبي طالب.
تروي الروايات أن فاطمة بنت أسد رأت من آمنة نورًا…
وأنها شهدت في تلك الفترة من الآيات ما جعلها تدرك أن هذا المولود ليس كغيره.
وهنا
يأتي أبو طالب.
الرجل الذي لم يكن غريبًا عن أسرار هذا البيت، ولا عن مكانة هذا المولود.
فحين أخبرته فاطمة بما جرى
جاءت منه بشارة تحمل في كلماتها سرًّا آخر.
قال لها:
ألا أبشركِ؟
قالت:
بلى.
قال:
«أما إنكِ ستلدين غلامًا يكون وصي هذا المولود»
تأمّلوا…
«وصي هذا المولود»
كأن الكلام لم يكن عن مولد طفل فقط… بل عن بداية طريقٍ سيأتي بعده رجلٌ آخر.
رجلٌ لم يولد بعد…
لكن اسمه كان قد ارتبط بهذه الحكاية
قبل أن تعرفه مكة.
ثم جاءت الكلمة التي تجعل القصة أكثر إثارة… الكلمة التي ستحتاج إلى ثلاثين عامًا حتى تكشف معناها.
يقول أبو طالب لفاطمة بنت أسد:
«اصبري سبتًا…أبشركِ بمثلهِ إلا النّبوة»
فما معنى… سبتًا؟
والسبت هنا ثلاثون سنة.
ثلاثون عامًا
هي المدة التي ستحتاجها هذه البشارة حتى تكشف أسرارها.
وهنا
تتوقف الحكاية قليلًا.
فما رأته فاطمة بنت أسد لم يكن مجرد خبرٍ عن مولد محمد صلى الله عليه وآله.
وما قاله أبو طالب لم يكن مجرد بشارةٍ بمولود سيأتي بعد ثلاثين عامًا.
ثم
تمر الأيام والسنون، ويمضي الزمن
حتى تأتي تلك الثلاثون.
وسيأتي يومٌ نحكي فيه كيف وُلد هذا الغلام… في قصةٍ لا تقل غرابة.
لكن لذلك… حكايةٌ أخرى.
ثلاثون عامًا
هكذا قالت الرواية.
ثلاثون عامًا بين مولد محمد (ص)
ومولد علي عليه السلام.
فهل كانت الثلاثون عامًا… مجرد رقمٍ في الزمن؟
أم أنّ وراءها …
سرًّا آخر؟
سنمضي إليه
في الحكاية التالية.





