أقلام

نحن ندرك مدى تآثير كلمات وتصرفات غيرنا فينا لكنا لا ندرك مدى تأثير كلماتنا وتصرفاتنا في غيرنا

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

مقدمة

من طبيعتنا نحن البشر أن ندرك، إلى حدٍّ كبير، كيف تؤثر كلمات الآخرين وتصرفاتهم فينا، لكننا غالبًا ما نغفل عن أن كلماتنا وتصرفاتنا قد تترك في الآخرين أثرًا أكبر مما نتخيل. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أننا نعيش مشاعرنا وندركها بأنفسنا ونتأثر مباشرة بكلام غيرنا فينا أو عنا. فعندما يقول لنا شخص كلمة جارحة أو تصرف معنا بطريقة تزعجنا، نشعر نحن مباشرة بالأذى أو الإحراج الذي سببه لنا. أما عندما نفعل الشيء نفسه في غيرنا، لا ندرك ما قد تسببه كلماتنا أو أفعالنا لهم، لإننا لا نعيش مشاعرهم ولا نشعر بما يشعرون به، ولذلك قد لا ندرك مدى تأثيرنا فيهم، ولا نستطيع دائمًا ملاحظة ما تتركه كلماتنا وتصرفاتنا في نفوسهم، لا سيما أن البعض منها قد لا يُبدون ما يشعرون به، ويفضلون إخفاء تأثرهم ربما خلف صمت أو ابتسامة. قد تكون كلمة عابرة قلناها دون تفكير سببًا في أدخال السرور على أخر أو تشجيعه وزيادة وعيه أو ثقته بنفسه، ولكن في المقابل، قد تكون كلماتنا وآراؤنا وتصرفاتنا وطريقة تعاملنا سببًا في إحباطه أو التقليل من شأنه أوثقته بنفسه مازيفوق تصورنا، وربما ظل أثرها في نفسه مدة طويلة.

ولأن مدى التأثير يختلف باختلاف الأشخاص وسمات شخصياتهم، فقد تتباين ما تتركه من آثارً فيهم.، ولذلك ينبغي ألا نقيس تأثير كلامنا في الآخرين على حد سواء بناءً على ما قصدناه فقط، بل أن نأخذ في الاعتبار أيضًا مدى حساسة الفرد لما يتركه كلامنا وتصرفاتنا فيه.

مدى التأثير لا يرتبط بأن يكون الموثر من أصحاب السلطة، أو الجاه، أو المناصب الرفيعة؛ فالصديق قد يؤثر في صديقه، والزميل في زميله، والوالدان في أبنائهما. وأحيانًا قد تترك كلمة بسيطة أو موقف عابر أثرًا في الآخر أعمق مما نتصور. ومع ذلك، قد لا ندرك دائمًا مدى تأثيرنا في غيرنا، سواء كان التأثير إيجابيًا، أم سلبيًا. ومن هنا، قد يكون تأثيرنا في الآخرين أكبر وأعمق مما نتصور، وقد نخفق في تقدير ما يتركه من نتائج في مشاعرهم أو أفكارهم أو سلوكهم.

لماذا لا ندرك حجم تأثيرنا؟

أحد الأسباب الرئيسة هو أننا ننظر إلى أفعالنا وتصرفاتنا من خلال تجربتنا الشخصية، بينما يعيش الطرف الآخر نتائج هذه الأفعال من منظور مختلف. فنحن نعرف ماذا قصدنا بكلامنا له أو بتصرفنا تجاهه، لكننا لا نعرف دائمًا كيف تلقَّى كلامنا، أو كيف فسّر تصرفاتنا، أو ماذا شعر به حينئذ.

قد يقول أحدنا لنفسه: “ما قلت كانت مجرد كلمة،” أو {لم أقصد شيئًا ذا أهمية،” لكن الآخر قد يتلقاها بإيجابية أو حتى بسلبية، وقد تكون نتائجها بالنسبة له أعظم مما نتصور. فمثلًا، قد يذكّر صديقٌ صديقه بعادة صحية، فد لا يعرف حينها أنها كانت أحد الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قرار أسهم في تحسين صحته أو جنّبه خطرًا داهمًا. وقد تكون كلمة تشجيع أو امتنان عابرة يقولها شخص لآخر كفيلةً بصنع فرق كبير في حياته.

وهكذا، فإننا، في كثير من الأحيان، لا ندرك مدى تأثير كلماتنا ومجاملاتنا الطيبة في الآخر (1)، وقد لا نلاحظ دائمًا حجم ما تتركه في أفكاره ومشاعره وقراراته.

ومن أبرز الأمثلة على عدم إدراك الإنسان لتأثيره ما يحدث عندما يقول للآخر كلمات طيبة، أو يجامله بمجاملات جميلة. وهذا ما توصلت إليه دراسة أجرتها الباحثتان إريكا بوثبي وفانيسا بونز (2) أن من يقدمون المجاملات غالبًا ما يقللون من تقدير مدى تأثير ذلك في الطرف الآخر وتأثريها الإيجابي فيه.

فقد يتردد شخص في مدح زميله لأنه يعتقد أن ما سيقوله بسيط أو غير مهم او ليس له أي تأثير، بينما قد يشعر هذا الزميل بتأثيرها الإيجابي فيه. فمثلًا، قد تقول لزميلك: «عمل رائع»، أو «مبادرة جديرة بالاهتمام»، أو «بارك الله في جهودك»، وتظن أنها مجرد ملاحظة أو مجاملة عادية، لكنها قد تبعث فيه شعورًا بأن ما قام به محل تقدير، ووقود له على الاستمرار في بذل المزيد وإنجاز الكثير.

ويرجع التقليل من حجم هذا التأثير، جزئيًا، إلى أن صاحب المجاملة أو الكلمة الطيبة قد يشعر بالقلق بشأن كيف يفسرها المتلقي أو ما مدى تقبله لها، بينما ينصب اهتمام المتلقي على الأثر الطيب، الذي تركته المجاملة أو الكلمات الطيبة في نفسه (ف. “الكلمة الطيبة صدقة،” كما ورد في الأثر). فالكلمات الإيجابية البسيطة قد يكون لها أثر أكبر وأعمق مما قد نتوقع، لذلك لا داعي أن نقلل من قيمة قدرتنا على تحسين مشاعر الآخرين.

أهمية القصد

إدراكنا لا يتعلق فقط بكلماتنا او معاملاتنا أو تصرفاتنا الإيجابية، بل ينعكس أيضًا في حالات سلبية، سواءً أكانت بقصد أو من دون قصد، ولذلك، قد نسبب أذىً عميقًا للطرف المتلقي. هذا ما توصلت إليه دراسة أجراها جاستن كروغر وزميلاه (3) لبيان أهمية التمييز بين نية او قصد الشخص وأثر كلامه في الآخر.

فقد يقول شخص كلامًا ساخرًا ثم يؤكد أن كلامه لم يكن سوى مزحة عابرة ولم يقصد الإساءة. ومع ذلك، قد يشعر الآخر بالإحراج أو بالإهانة، حتى لو كان يعلم أن الطرف الأول لم يقصد إيذاءه.

وهذا لا يعني أن نية الطرف الأول ليست مهمة، أو أن ما قاله على سبيل المزاح كان لا يقصد به الإساءة إلى الطرف الآخر. لكن الدراسة أوضحت أن حسن نية الشخص لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سيفهم كلامه أو يفسّره بالطريقة التي قصدها الأول، أو أنه لن يتأثر بما تركه كلام الأول أو فعله من أثر في مشاعره.

حين يقيّم الإنسان كلامه أو تصرفاته تجاه الآخر، فإنه غالبًا ما ينظر أولًا إلى نيته: ماذا كان يقصد؟ وهل كان يريد الإساءة اليه؟ وهل غفل حينها عن التفكير في كيفية تلقّي الآخر لكلامه والأثر الذي تركه في نفسه؟ وماذا سيكون ردة فعله؟ في حين قد ينصب اهتمام الآخر على ما أحدثه الكلام فيه من مشاعر وانفعالات في نفسه، بغض النظر عن نية الأول. ومن هنا قد تظهر فجوة بين ما يريد الأول إيصاله إلى الآخر، وما يفهمه الآخر منه بالفعل.

فقد يكون تعليق معين مجرد مزاح بالنسبة إلى الأول، لكنه قد يضايق الآخر. وقد يكون تجاهل الأول رسالة الآخر أمرًا عاديًا بالنسبة إليه لسبب من الأسباب، في حين قد يفسره الآخر على أنه دليل على عدم اهتمامه به.

لذلك، لا يكفي أن يركز الأول على نواياه فقط، بل من المهم أيضًا أن ينتبه إلى كيفية تلقّي الآخر لكلماته وتصرفاته، وأن يقدّر الأثر الذي قد تتركه فيه.

تأثير كلماتنا أو تصرفاتنا الإيجابية أو السلبية في الحياة اليومية

تأثير المرء في آخر قد يأخذ أشكالًا كثيرة. فقد يكون إيجابيًا عندما نشجع شخصًا مترددًا على الإقدام، أو نقدم له الدعم والمساعدة، أو نشكره على جهوده، أو نستمع إليه باهتمام. وأحيانًا قد تكون هذه التصرفات بسيطة بالنسبة إلينا، لكنها مهمة جدًا بالنسبة إلى الآخر.

وفي المقابل، قد يكون تأثيرنا سلبيًا عندما نتفوه بكلمات جارحة، أو نكرر انتقاد شخص ما، أو نسخر منه، أو نتعامل معه بطريقة قد تقلل من احترام الناس له أو ثقتهم به، بل حتى من ثقته بنفسه. وقد تبقى بعض هذه الكلمات أو التصرفات عالقة في ذهنه لفترة قد تطول، وتسبب له أرقًا أو أذىً نفسيًا قد يصعب عليه تحمله.

والمهم هنا أن التأثير لا يعتمد دائمًا على حجم الفعل أو الكلمة؛ فقد تترك كلمة قصيرة أثرًا كبيرًا، كما قد يؤدي تصرف بسيط ومتكرر إلى تغيير نظرة شخص إلى نفسه و/أو إلى الآخرين.

ولهذا فإن تأثيرنا لا يرتبط فقط بالمواقف الكبيرة، بل يتشكل أيضًا من خلال تعاملاتنا اليومية العادية.

التأثير بوعي ومسؤولية

معرفتنا بأن كلامنا وتصرفاتنا قد تؤثر في الآخرين لا تعني أننا نتحمل المسؤولية الكاملة عن كل ما يشعرون به أو عن كل قرار يتخذونه؛ لأن مشاعر الناس وقراراتهم تتأثر أيضًا بشخصياتهم وتجاربهم وظروفهم. لذلك، قد يستجيب الناس للكلام أو التصرف نفسه بطرق متباينة؛ فقد يرى أحدهم كلامًا معينًا نصيحة أو ملاحظة عادية، بينما قد يتضايق آخر أو يشعر بالإهانة من الكلام نفسه. ويرجع ذلك، في جانب منه، إلى اختلاف شخصيات الناس وما مروا به من تجارب سابقة. ومن ثم، لا يمكننا التحكم بشكل كامل في مشاعر الآخرين أو ردود أفعالهم، حتى لو كان لكلامنا أو تصرفاتنا أثر فيها.

لكن هذا لا يعني أن نتجاهل أثر كلامنا وتصرفاتنا في الآخرين، بل ينبغي أن نفكر في هذا الأثر ونحاول أن نجعل تأثيرنا إيجابيًا قدر الإمكان. ولا نحتاج إلى القيام بأشياء استثنائية لتحقيق ذلك؛ فقد يبدأ الأمر بتصرفات بسيطة، مثل التعبير عن تقديرنا للآخر واحترامه، وشكره على ما قدمه أو بذله من جهود. وقد يكون لهذه الكلمات البسيطة أثر طيب في شعوره وتقديره لذاته.

كما يتطلب ذلك أن ننتبه إلى ما يحتاج إليه الآخر؛ فإذا كان يحتاج إلى كلمة تشجيع أو مساندة، نقدمها له، وإذا أردنا أن نمزح معه أو نوجه إليه نقدًا، فعلينا أن نفكر أولًا في الطريقة المناسبة التي لا تجرحه أو تسبب له أذىً نفسيًا. فالمقصود من الوعي بتأثيرنا في الآخرين ليس أن نتحمل مسؤولية كل ما يشعرون به، وإنما أن نكون أكثر حرصًا على ألا نؤذيهم بكلامنا أو تصرفاتنا، وأن نستخدم تأثيرنا بطريقة إيجابية قدر الإمكان.

كما علينا أن نستمع إلى رأي الآخر حين يخبرنا بأن كلامنا أو تصرفنا تجاهه جعله يشعر بعدم الارتياح أو بالأذى أو بالإحراج، رغم أننا لم نقصد حينها أن نجرحه أو نضايقه. وفي هذه الحالة، من الأفضل ألا ننكر شعوره أو ندافع عن موقفنا بقولنا مثلًا: “لم نقصد ما ذهبت اليه”، بل نستمع إليه ونحاول أن نفهم الأثر الذي تركه كلامنا أو تصرفنا فيه.

الخلاصة

تشير الدراسات المتعلقة بالتأثير الاجتماعي إلى أن الإنسان قد يمتلك قدرة على التأثير في الآخرين، إما بكلمة أو بتصرف، وقد يكون لهذا التأثير وقع أكبر مما نتصور. لكننا كثيرًا ما لا ندرك مدى هذا التأثير وما يتركه كلامنا أو تصرفاتنا في نفس الآخر بعد أن يسمع كلامنا أو يتعرض لتصرفاتنا. وقد نغفل عن حجم هذا التأثير، سواء أكان إيجابيًا أم سلبيًا، حتى عندما تكون نوايانا حسنة. ولهذا، فإن أهم ما يمكن أن نتعلمه هو أن نكون أكثر وعيًا بتأثير كلماتنا وتصرفاتنا في الآخرين، من دون أن نبالغ في تحميل أنفسنا مسؤولية مشاعرهم.

الهوامش

1- https://www.kosu.org/science/2020-02-24/the-influence-you-have-why-we-fail-to-see-our-power-over-others

2- https://www.researchgate.net/publication/343948099_Why_a_Simple_Act_of_Kindness_Is_Not_as_Simple_as_It_Seems_Underestimating_the_Positive_Impact_of_Our_Compliments_on_Others

3- https://www.ffri.hr/~ibrdar/komunikacija/seminari/Kruger,%202006%20-%20Teasing.pdf

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى