
د. حجي الزويد
ليس كلُّ رحيلٍ غيابًا، ولا تنتهي حياة الإنسان حين يتوقف نبضه؛ فثمة رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في ذاكرة الناس بما زرعوه من محبة، وما قدّموه من خير، وما تركوه من مواقف وأعمال وأبناء صالحين يواصلون مسيرتهم. ومن هؤلاء الرجال الوجيه الحاج الملا سعيد بن ناصر الخاطر، رحمه الله، أحد رجالات القديح الذين اقترنت أسماؤهم بخدمة المجتمع، وإصلاح ذات البين، وقضاء حوائج الناس.
نشأةٌ أصيلة ومسيرةٌ عامرة
نشأ الحاج الملا سعيد الخاطر في القديح، في بيتٍ عرف الدين والأصالة والارتباط بالمجتمع. وتربّى على قيم الإيمان، وحب الناس، وتحمل المسؤولية، فانعكست هذه القيم على مسيرته وحضوره بين أبناء بلدته.
لم تكن مكانته الاجتماعية غايةً يسعى إليها، ولم يتخذ منها بابًا للتميّز على الآخرين، وإنما جعلها وسيلةً لخدمتهم، وتيسير أمورهم، وتقريب القلوب، وجمع الكلمة. وكان يدرك أن الوجيه الحقيقي هو من يحمل هموم الناس، ويقف إلى جانبهم، ويمنحهم من وقته وجهده ومكانته، لا من يكتفي بحضور المناسبات وتصدّر المجالس.
مجلسٌ مفتوح وقلبٌ يتسع للجميع:
كان مجلسه العامر أكثر من مكانٍ لاستقبال الزائرين؛ فقد كان مساحةً للمحبة والتواصل، وملتقىً يجد فيه الناس حسن الاستقبال، وبشاشة الوجه، وطيب الكلمة. وكان قريبًا من مختلف فئات المجتمع، يستقبل الغني والفقير، والكبير والصغير، ويصغي إلى أصحاب الحاجات، ويسعى في قضائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
وحين يكون المجلس امتدادًا لأخلاق صاحبه، فإنه يتحول إلى مدرسة اجتماعية يتعلم فيها الناس حسن التواصل، واحترام الآخرين، وتقدير ظروفهم. وهذا ما ميّز مجلس الحاج الملا سعيد الخاطر، الذي ظل عامرًا بالمودة، ومفتوحًا أمام كل من قصده.
ذكرياتنا في مجلسه العامر:
ولنا مع الحاج الملا سعيد الخاطر، رحمه الله، ذكريات شخصية لا تزال حاضرةً في الوجدان. فعندما كنا طلابًا في كلية الطب، كنا نتردد على بيته ونحضر مجلسه طوال سنوات دراستنا الجامعية، واستمر تواصلنا معه مدةً من الزمن بعد تخرجنا. وكان يستقبلنا في كل مرة بكثير من الحفاوة والتكريم، ويغمرنا بكرمه وطيب حديثه وبشاشة وجهه، حتى نشعر بأننا في بيتنا وبين أهلنا.
وقد استفدنا كثيرًا من تجربته الحياتية الثرية وثقافته الواسعة؛ فلم تكن لقاءاتنا به مجرد زيارات اجتماعية عابرة، بل كانت مجالس معرفة وحوار وتربية. كنا نصغي إلى حديثه، فنجد فيه خلاصة سنوات طويلة من التأمل والتجربة، وننهل من آرائه ونظرته العميقة إلى الحياة والناس والمجتمع.
وعلى الرغم من فارق العمر بيننا وبينه، فإننا لم نشعر يومًا بوجود حواجز تفصلنا عنه؛ فقد كان قريبًا من الشباب، يستمع إليهم باهتمام، ويتحدث معهم بروح الصديق والأب والموجّه، ويحترم أفكارهم وطموحاتهم. كان يجمع في شخصيته بين وقار الكبار وحيوية الشباب، وبين عمق التجربة وبساطة التعامل، ولذلك أحببنا مجلسه وشعرنا فيه بالألفة والطمأنينة.
كان واسع الثقافة، عميق التجربة في الحياة، قادرًا على تحويل المواقف التي مرّ بها إلى دروسٍ نافعة، يقدمها بعفوية وتواضع بعيدًا عن التكلف والادعاء. وقد بقيت كثير من كلماته ومواقفه عالقةً في ذاكرتنا، وأسهمت تلك اللقاءات في إثراء تجربتنا الإنسانية والثقافية إلى جانب مسيرتنا العلمية والطبية.
إن هذا الجانب من سيرته نكشف مقدار اهتمامه بالشباب واحتضانه لهم؛ فلم يكن ينظر إليهم من موقع المسافة العمرية، بل كان يفتح لهم قلبه ومجلسه، ويمنحهم من وقته وتجربته، ويعاملهم بما يشعرهم بالقيمة والاحترام. وهكذا كان مجلسه مدرسةً غير رسمية يتعلم فيها زائروه أدب الحوار، وحسن الاستماع، وفهم الحياة، والوفاء للمجتمع.
عطاءٌ متنوع بلا ضجيج:
لم يكن عطاؤه محصورًا في مجال واحد؛ فقد كان حاضرًا في الشأن الديني والاجتماعي والخيري، مهتمًا بالتعليم الديني للصغار والناشئة، وداعمًا للمناسبات والاحتفالات الدينية، ومشاركًا في القضايا التي تخدم البلدة ومرافقها.
كما عُرف بالسعي في إصلاح ذات البين، وتطييب الخواطر، وتقريب وجهات النظر؛ وهي أعمال لا يلحظها كثير من الناس، لكنها من أعظم أبواب الخير وأعمقها أثرًا في استقرار المجتمع وتماسكه.
وكان يؤدي أعماله بهدوءٍ بعيدًا عن الضجيج، فلا ينتظر ثناءً ولا يبحث عن شهرة، وإنما يدفعه شعوره بالمسؤولية ورغبته الصادقة في نفع الآخرين. والعطاء الذي يُقدَّم في صمت غالبًا ما يكون أكثر رسوخًا في القلوب؛ لأنه يصدر عن إخلاص، لا عن رغبة في الظهور.
الأبناء الصالحون أجمل امتداد للسيرة:
ومن أجمل صفحات سيرته ما تركه في أبنائه من أخلاقٍ كريمة وروحٍ اجتماعية أصيلة. فقد خلّف أبناءً بررة عُرفوا بحسن الخلق، وطيب المعشر، وبشاشة الاستقبال، والوفاء للناس. ولم يرثوا عنه الاسم والمكانة فحسب، بل حملوا نهجه في المسؤولية والخدمة والعطاء.
واستمر مجلس الأسرة بعد رحيله عامرًا بالناس والمحبة، يفتح أبوابه للقادمين، ويحفظ للوالد الراحل سيرته ونهجه. وهذه ثمرة التربية الصادقة؛ إذ لا تكتفي بتكوين أبناء صالحين في أنفسهم، بل تجعلهم عناصر خيرٍ ونفعٍ في مجتمعهم.
إن أجمل ما يتركه الأب ليس المال ولا الممتلكات، وإنما القيم التي تتحول في أبنائه إلى سلوك، والأخلاق التي يراها الناس في وجوههم وتعاملهم، والأعمال الصالحة التي يواصلون بها الطريق من بعده.
رحيلٌ كشف عن مكانته في القلوب:
حين اشتد المرض بالحاج الملا سعيد الخاطر، ظهرت محبته في قلوب الناس من خلال دعواتهم وقلقهم وتوافدهم للسؤال عنه. وعندما جاء الرحيل، لم يكن الفقد خاصًا بأسرته، بل امتد الحزن إلى أبناء بلدته وكل من عرفه أو تعامل معه.
وشُيّع في موكبٍ مهيب عبّر عن مكانته، ثم امتدت مجالس الفاتحة، وتوافد المعزّون من أهل العلم والوجهاء والأصدقاء وأبناء المجتمع. ولم تكن كثرة الحضور مجرد صورة اجتماعية، بل كانت شهادةً صادقة على أثر الرجل في النفوس.
كما حملت رسائل التعزية التي وثقها الكتاب دلالات عميقة على اتساع مكانته، ومن بينها تعزية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، إلى جانب رسائل من شخصيات ومؤسسات وأسر ومحبي الراحل. وقد اجتمعت هذه الكلمات على معاني الوفاء، والإشادة بحسن خلقه، وخدمته للناس، وطيب حضوره بينهم.
كتاب «رسالة وعطاء»… ذاكرة تحفظ الوفاء:
جاء كتاب «رسالة وعطاء»، الواقع في ٣٨٣ صفحة، ليكون وثيقة وفاء تحفظ جانبًا من سيرته العطرة، وتعرّف الأجيال بشخصيةٍ لم تكن وجاهتها لقبًا اجتماعيًا، بل مسؤوليةً ورسالة. فالكتاب لا يقتصر على استعراض محطات حياته، وإنما يرصد قصة مرضه ورحيله، وتشييعه، ومجالس الفاتحة، وحفل تأبينه، وما قيل فيه من قصائد، وما كُتب عنه من مقالات وكلمات وفاء، إلى جانب الصور التوثيقية ورسائل التعزية والمواساة التي وردت من شخصيات وجهات وأسر عديدة.
إن توثيق سير الرجال الذين خدموا مجتمعاتهم ليس مجرد استدعاء للماضي، بل هو عمل تربوي وثقافي يقدّم للأجيال نماذج حقيقية من بيئتهم ومجتمعهم. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «رسالة وعطاء»؛ فهو لا يحفظ ذكرى الحاج الملا سعيد الخاطر وحده، بل يحفظ أيضًا جانبًا من تاريخ القديح وقيمها الاجتماعية الأصيلة.
فالصور، والقصائد، والمقالات، ورسائل التعزية، ومشاهد التشييع والتأبين، لا تعرض حزنًا عابرًا على إنسان رحل، وإنما ترسم صورة مجتمعٍ يعرف الوفاء لرجاله، ويحفظ لأهل العطاء مكانتهم، ويورّث سيرتهم إلى الأجيال.
الوجاهة الحقيقية خدمة:
تختصر سيرة الحاج الملا سعيد الخاطر معنىً اجتماعيًا رفيعًا، وهو أن الوجاهة ليست لقبًا يُمنح، ولا مجلسًا يتصدره الإنسان، وإنما هي مسؤولية تجاه الناس. فالوجيه الحقيقي هو من يستخدم مكانته في جمع القلوب، وحل المشكلات، وإعانة المحتاج، والدفاع عن المصلحة العامة، ومن يكون قريبًا من الناس في أفراحهم وأحزانهم.
لقد رحل الحاج الملا سعيد الخاطر، رحمه الله، لكن رسالته لم ترحل؛ فقد بقيت في ذكراه الطيبة، وفي الأعمال التي شارك فيها، وفي القلوب التي أحسنت الوفاء له، وفي أبنائه البررة الذين أصبحوا امتدادًا مباركًا لأخلاقه وعطائه.
رحم الله الحاج الملا سعيد الخاطر رحمةً واسعة، وجزاه عن أسرته وبلدته ومجتمعه خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من أعمال الخير في ميزان حسناته، وأبقى سيرته العطرة نبراسًا للأجيال، وبارك في أبنائه وذريته، ووفقهم لمواصلة طريقه في خدمة الناس وجمع القلوب وصناعة الأثر الجميل.





