أقلام

استعادة الحوار المباشر في زمن طغت فيه الهواتف الذكية

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

استعادة الحوار المباشر في زمن طغت فيه الهواتف الذكية

ملخص محتوى كتاب البرفسور شيري توركو : استعادة الحوار المباشر في عصر التكنولوجيا

الفكرة الرئيسة

ترى شيري توركل Sherry Turkle، أستاذة الدراسات الاجتماعية في معهد ماساتشوستس للعلوم للتكنولوجيا (MIT) ومؤلفة كتاب: استعادة الحوار المباشر في عصر الرقمية (Reclaiming the Power of Talk in a Digital Age)، أن الاستخدام المتزايد للهواتف والتكنولوجيا الرقمية غيّر طبيعة تواصلنا مع الآخرين؛ فأصبحنا نجتمع وجهًا لوجه، لكن انشغالنا بأجهزتنا قد يشتت انتباهنا ويحول دون انخراطنا الفعلي في حوار فعال. ولا ترى توركل أن المشكلة تكمن في التكنولوجيا الرقمية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي قد تجعلنا بها معًا جسديّا، ولكن انتباهنا في مكان آخر؛ أي أننا قد نجلس معًا في مجلس واحد، بينما ينصرف جزء من انتباهنا إلى الهاتف الجوال أو إلى تفقد وسائل التواصل الاجتماعي.

وتوضح توركل أن تأثير الهاتف الجوال لا يقتصر على استخدامه الفعلي في حال الاتصال، بل قد يبدأ بمجرد وجوده في المكان حتى من غير استخدام. فقد أثبتت التجارب أن وضع هاتف صامت على الطاولة أثناء تناول الطعام أو أثناء تبادل الحديث أو الحوار مع آخرين قد يضعف جودة الحوار، وقد يجعل الذين يتحدثون معًا يشعرون بقدر أقل من التقارب والتواصل والارتباط ببعضهم؛ أي أن الحوار قد يصبح أقل حميمية، ويشعر كل طرف بأن التواصل بينه وبين الطرف الآخر ليس بالعمق نفسه حين يكون الانتباه منصبًا بالكامل على الحديث. وبذلك، يمكن ان يوثر وجود الهاتف وحده في القدرة على الحضور الذهني الكامل مع الآخرين والانخراط بعمق معهم في الحديث. وهكذا يكشف هذا السلوك البسيط عن تأثير التكنولوجيا في قدرتنا على الحضور الذهني الكامل مع الآخرين.

ومن هنا تؤكد توركل أن الحوار المباشر لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يساعدنا على فهم أنفسنا والآخرين، وتنمية التعاطف، وبناء العلاقات والحميمية، وتنمية الإبداع. وتشير إلى تراجع بعض مؤشرات التعاطف لدى طلاب الجامعات؛ إذ تذكر حدوث انخفاض بنحو 40% خلال فترة امتدت نحو عشرين عامًا. (1، 2)، وفقًا لتحليل تلوي استند إلى نتائج عدد من الدراسات

وفي المقابل، تشير إلى أن مستويات التعاطف يمكن أن تتحسن؛ فقد ذكرت أن مستويات التعاطف لدى الأطفال ارتفعت بعد خمسة أيام فقط في مخيم صيفي بعيد عن الهواتف (3)، وربطت ذلك بعودتهم إلى الحديث وجهًا لوجه مع بعضهم بعضَ.

لذلك تدعو توركل، في كتابها، المذكور أعلاه، إلى استعادة الحوار المباشر في الأسرة والمدرسة والعمل، لا باعتباره بديلًا عن التكنولوجيا، بل بوصفه عنصرًا أساسيًا في التواصل بين الناس، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الرقمية. وترى أن الحوار يشبه “العلاج بالكلام” لمواجهة التباعد بين الناس الذي قد ينشأ في عالم شديد الاتصال تقنيًا (رقميّا)، لكنه يفتقر أحيانًا إلى التواصل العميق والمباشر. فالحوار، في نظرها، لا يقتصر على نقل المعلومات، بل مساحة ينشأ فيها التعاطف والحميمية وتتعزز فيها العلاقات الإنسانية

وترى توركل أن الحوار المباشر يساعد على مواجهة مشكلة الشعور بالبعد عن الآخرين رغم كثرة وسائل التواصل الحديثة.

الأطفال: تجربة اجتماعية واسعة النطاق

تولي توركل اهتمامًا خاصًا بالأطفال؛ لأنهم ينشؤون في بيئة تقنية لم يعشها آباؤهم في طفولتهم. وترى أننا نخوض، من دون معرفة كاملة بعواقبها، ما يشبه تجربة اجتماعية ضخمة، والأطفال هم من يعيشون هذه التجربة في المقام الأول.

وتستشهد توركل بمثال.  أب كان يتذكر بحميمية الفترة التي كان يستحم فيها مع ابنته الكبرى حين كانت طفلة؛ فقد كان يتحدث إليها أثناء الاستحمام، وشعر أن تلك اللحظات عمّقت علاقته بها. لكن عندما رُزق بطفل أصغر، تغيّر المشهد. فقد كان يحرص على سلامته أثناء الاستحمام ويجلس بجواره، لكنه كان منشغلًا بقراءة رسائل البريد الإلكتروني على هاتفه. وكان يشعر في قرارة نفسه بأن هذا السلوك ليس صائبًا.

وهذا المثال، في رأي توركل، يعكس مشكلة أكبر. فقد يكون الوالدان حاضرين جسديًا مع طفلهما، لكن ذهنهما مشغول بشيء آخر.

تأثير الهواتف الجوالة في الحياة الأسرية

وتقول توركل: يستخدم الآباء والأمهات هواتفهم أثناء وجبتي الإفطار والعشاء، وفي الحدائق، وأثناء التنزه والعطلات. وقد يصل الأمر إلى أن تصبح جودة الاتصال بالإنترنت أحد العوامل التي تحدد اختيار الأسرة وجهة قضاء عطلتها.

وترى توركل أن الأطفال يلاحظون هذا التناقض بوضوح. فقد تحدثت عن حالات يحاول فيها الأطفال لفت انتباه والديهم أثناء تناول الطعام، وأشارت إلى أن بعض المراهقين لا يرغبون في تربية أطفالهم بالطريقة التي يربّيهم بها آباؤهم حاليًا، إذ تحضُر الهواتف على مائدة الطعام وينشغل الوالدان بقراءة الرسائل أو كتابتها. وقال هؤلاء المراهقون إنهم يريدون تربية أبنائهم بطريقة مختلفة، تقوم على إبعاد الهواتف أثناء الوجبات وإتاحة المجال للحوار العائلي.

ومن هنا ترى توركل أننا داخل الأسر قد انتقلنا من حوار مباشر بين أفرادها، الذي يتطلب حضورًا جسديًا وذهنيًا من الطرفين، إلى الانشغال بالتواصل مع الآخرين عبر الوسائل التقنية على حساب هذا الحوار.

لا تقتصر هذه الظاهرة، بحسب توركل، على الحياة الأسرية؛ بل تمتد أيضًا إلى أماكن العمل، حيث أصبح الموظفون يتواصلون عبر البريد الإلكتروني مع زملاء معهم في نفس المكتب نفسه، بدلًا من التحدث إليهم مباشرة.

وترى أن الحوار في بيئة العمل يحقق فوائد عملية؛ إذ يعزز شعور الموظفين بالتقدير والانتماء، ويساعدهم على فهم بعضهم بعضًا، وقد ينعكس في نهاية المطاف على أداء المؤسسة. غير أن الحوار لا ينشأ تلقائيًا، بل يتطلب بيئة مناسبة تشجّع عليه، والنظر إليه بوصفه عنصرًا أساسيًا في الموسسات والشركات.

ولهذا تقترح أن تصمم الشركات أماكن العمل بطريقة تتيح التفاعل والتواصل المباشر بين الموظفين، وأن توضح الإدارة أن التواصل المباشر لا يمثل عائقًا أمام العمل. فإذا كان الموظف يشعر بأنه مطالب بالتواصل عبر بالبريد الإلكتروني على الدوام، فإن ذلك قد يحد من فرص الحوار المباشر مع زملائه. كما أن توقع الشركة أن يكون الموظفون متاحين إلكترونيًا على مدار الساعة قد يحرمهم من الوقت اللازم للحوار المهم داخل أسرهم.

الحوار في التعليم

تنتقد توركل أيضًا تراجع الحوار المباشر بين الطلاب والمعلمين، مشيرةً إلى أن بعض الطلاب يفضلون طرح أسئلتهم عبر البريد الإلكتروني وتلقي إجابات مكتوبة بدلًا من زيارة مكاتب المعلمين خلال الساعات المخصصة للإلتقاء بالطلاب.

لكن توركل ترى أن التعليم الحقيقي لا يحدث دائمًا بهذه الطريقة. فقد تبدأ الأفكار المهمة بسؤال غير مكتمل أو فكرة غير واضحة، ثم تتطور من خلال الحوار. وقد يجلس الطالب مع المعلم، ويطوّران الفكرة معًا، ثم يستمر الحوار بينهما ويتطور بمرور الزمن.

لذلك تؤكد أن قيمة الحوار لا تكمن فقط في نقل المعلومات، وإنما أيضًا في بناء العلاقة بين الطالب والمعلم. فعندما يعود الطالب إلى معلمه مرة بعد أخرى، يشعر بأن هناك شخصًا يهتم به وبأفكاره، ومستعدًا لمساعدته على تطويرها. وهذا الشعور بالعلاقة والاهتمام المتبادل لا يمكن اختزاله بسهولة في رسالة بريد إلكتروني تقتصر على سؤال وجواب

دور الحوار المتواصل في بناء العلاقات

تربط توركل بين أهمية الحوار في الأسرة وأهميته في التعليم والعمل. فالحوار المتواصل لا ينقل المعلومات فقط، بل يبني إحساسًا بالعلاقة والانتماء والثقة.

ولهذا ترى أن مائدة الطعام العائلية والساعات المكتبية للمعلم تشتركان في أهمية واحدة؛ فكلاهما يوفر فرصة للقاء المتكرر، والاستماع، وتبادل الأفكار، وبناء علاقة تتجاوز مجرد إنجاز مهمة أو تبادل رسائل إلكترونية.

والحوار المباشر، بهذا المعنى، يتيح للأشخاص أن يكونوا معًا في حالة من الحضور الجسدي والذهني المتبادل، وأن يتشاركوا أفكارًا ومشاعر لم تتبلور بعد، وأن يتعلموا الاستماع إلى بعضهم بعضًا، والتعاطف، وفهم وجهات النظر المختلفة.

لسنا مضطرين إلى قبول الوضع الحالي

تؤكد توركل أن العادات التي نشأت بسبب توفر الهواتف ليست قوانين ثابتة لا يمكن تغييرها. فالطريقة التي يستخدم بها الناس الهواتف اليوم ليست بالضرورة الطريقة التي يجب أن يستمروا عليها في المستقبل.

ومن خلال أبحاثها، وجدت أن كثيرًا من الناس غير راضين تمامًا عن الأعراف الاجتماعية التي أصبحت تحكم استخدام الهواتف، بل يشعرون بأن هناك حاجة إلى تغييرها، حتى لو كان تغيير العادات صعبًا بطبيعته.

لم تقدم توركل حلولًا مثالية أو شاملة بقدر ما دعت إلى اتخاذ خطوات أولى بسيطة.

خطوات عملية لاستعادة الحوار

تقترح توركل عددًا من الخطوات العملية، منها:

• إبعاد الهاتف عن مائدة الطعام.

• تخصيص أماكن في المنزل لا تُستخدم فيها الهواتف، مثل المطبخ وغرفة الطعام.

• جعل السيارة مساحة للحوار بدلًا من الانشغال بالهاتف.

• إعطاء الأطفال ساعة منبه مستقلة، حتى لا ينامون والهاتف بجوارهم، ولا يبقون مستيقظين ليلًا منشغلين بتبادل الرسائل الاكترونية.

• توفير الوقت والمساحة المناسبة للحوار المباشر في أماكن العمل.

• وضع توجيهات إدارية واضحة للموظفين تؤكد أن الحضور الدائم على الإنترنت ليس قيمة في حد ذاته.

• منح الطلاب والموظفين فرصًا حقيقية للتواصل وجهًا لوجه، بدل اختزال التواصل في رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية.

ومن الأفكار التي لاقت استجابة إيجابية من المدراء اقتراح أن يرسل المدير رسالة إلكترونية إلى الموظفين يقول فيها ببساطة: “أنا مشغول الآن بشيء آخر، ولا أتوقع منكم الرد الفوري على كل رسالة. ولستم مطالبين بأن تكونوا متاحين إلكترونيًا طوال الوقت أو بالرد الفوري على الرسائل.”

الخلاصة

الفكرة الأساسية لدى توركل هي أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تحل محل الحوار المباشر. ويمكن للناس الاستفادة من الهاتف ووسائل التواصل الرقمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحوار المباشر الذي يحتاجون إليه لبناء العلاقات، وتنمية التعاطف، وفهم النفس والآخر، والتفكير بعمق.

فالمشكلة ليست أننا أصبحنا أكثر تواصلًا مع الآخرين بفضل التكنولوجيا، وإنما أننا قد نكون أكثر تواصلًا إلكترونيًا وأقل حضورًا ذهنيًا في تفاعلنا معهم. ولذلك فإن استعادة الحوار لا تعني التخلي عن التكنولوجيا، بل تعني أن نقرر متى نضعها جانبًا لنكون حاضرين ذهنيًا بالفعل مع من هم أمامنا.

وتخلص توركل بدعوتها بالقول إننا لا نحتاج إلى انتظار حلول مصيرية ومعقدة؛ بل يمكننا أن نبدأ بخطوات بسيطة وهي أن نضع الهاتف جانبًا، وننظر إلى من هم أمامنا، ونتحدث معهم مباشرة.

الهوامش

1- https://news.mit.edu/2015/3-questions-sherry-turkle-reclaiming-conversation-1117

2- https://news.umich.edu/empathy-college-students-don-t-have-as-much-as-they-used-to/

3- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0747563214003227

المصدر الرئيس

https://news.mit.edu/2015/3-questions-sherry-turkle-reclaiming-conversation-1117

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى