أقلام

الصوت الذي بقي (25) حين يبقى الصوت… يبدأ دورنا

أحمد الطويل

مقدمة:

لماذا بقي؟

كان هذا السؤال هو أول الطريق.

حين بدأنا هذه الرحلة، لم نكن نعرف أن سؤالًا عن رجلٍ بقي بعد كربلاء يمكن أن يقودنا، بعد كل هذه المسافة، إلى سؤالٍ عنّا نحن. كنا نسأل عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: لماذا بقي بعد أن مضى الشهداء؟ ولماذا امتدت حياته بعد واقعة الطف، بينما انتهت حياة من كانوا معه هناك؟ وهل كان بقاؤه مجرد امتدادٍ لحياة رجلٍ نجا من الموت، أم أن وراء ذلك البقاء معنىً آخر لم نكن قد رأيناه بعد؟

ومع الأيام بدأت الإجابة تتكشف.

لم يكن بقاء زين العابدين عليه السلام مجرد بقاء رجل، وإنما كان بقاء رسالةٍ كان ينبغي لها ألا تنتهي عند حدود كربلاء. فقد انتهت حياة رجال، وانتهت واقعة في ظاهر الزمن، لكن المعنى الذي خرجوا من أجله لم يكن قد انتهى. وكان لا بد أن يبقى من يحمل ما بعد النهاية، ومن يحول كربلاء من واقعةٍ مضت إلى صوتٍ يستمر.

حين لا تنتهي الرسالة

ثم مضت المسيرة.

جاء الإمام الباقر عليه السلام، فكان للعلم موضعه في حمل الأمانة، وجاء الإمام الصادق عليه السلام، فاتسعت ساحات المعرفة، وتكوّن الوعي، وحُفظت معالم الدين في زمنٍ كان يحتاج إلى من يعيد ترتيب علاقة الإنسان بعقيدته وعلمه. ثم تعاقبت الأئمة عليهم السلام، وتغيرت الظروف من حولهم، وضاقت فيخ زمنٍ مساحات الحركة، واتسعت في زمنٍ آخر مساحات التعليم والتربية، وتبدلت طبيعة المواجهة، وكان لكل إمامٍ دوره الذي ينسجم مع مسؤوليته وحاجات عصره.

وهنا ظهر معنى أعمق.

لم يكن المطلوب من الرسالة أن تحافظ على صورةٍ واحدة حتى تبقى، وإنما أن تحافظ على حقيقتها وهي تعبر الأزمنة. ولهذا لم يكن الإمام الباقر نسخةً من زين العابدين، ولا الصادق نسخةً من الباقر، ولا الكاظم أو الرضا أو الهادي أو العسكري عليهم السلام تكرارًا لما سبقهم. اختلفت الظروف، فتغيرت الأدوات، لكن الأمانة بقيت واحدة.

كان الصوت نفسه، وإن تغيرت طريقة حمله.

وهذا ربما من أكثر ما تحتاجه الرسالة حين تنتقل من جيلٍ إلى جيل؛ أن يعرف حاملها الفرق بين الثبات على الحقيقة والثبات على الصورة. فالوفاء للماضي لا يعني أن نعيد ما فعله السابقون كما فعلوه، وإنما أن نفهم ما الذي حملوه، ثم نبحث عن الصورة التي يستطيع ذلك المعنى أن يعيش بها في زماننا. فالفكرة الحية لا تموت لأنها غيرت وسيلتها، وإنما تموت حين يتحول الوفاء لها إلى عجزٍ عن رؤيتها في الواقع.

حين يدخل الصوت زمن الغياب

وهكذا ظل الصوت ينتقل، حتى وصلنا إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ثم إلى الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام، حيث دخلت الرسالة مرحلةً مختلفة عن كل ما سبقها. لم يعد الإمام حاضرًا للعين كما كان من قبل، ولم تعد العلاقة به قائمةً على رؤية شخصه والعيش في زمن حضوره الظاهر، وإنما أصبح الإيمان به مرتبطًا بالغيب، وأصبح الزمن نفسه جزءًا من الامتحان.

ومن هنا بدأت الغيبة.

وفي المقالة الثانية والعشرين، حين وقفنا أمام طول الغياب، لم يكن السؤال عن سنواتٍ امتدت فحسب، وإنما عن الإنسان الذي يعيش الإيمان حين لا يرى ما يؤمن به بعينه، وحين يطول الطريق دون أن يعرف متى تنتهي المسافة. ثم اقتربنا في المقالة الثالثة والعشرين من معنى الانتظار، واكتشفنا أن الانتظار لا يختبر صبر الإنسان وحده، بل يكشفه لنفسه؛ لأن من ينتظر طويلًا يبدأ، شاء أم أبى، في رؤية ما بقي في داخله حين تأخرت النتيجة.

ثم جاء الوعد.

وفي المقالة الرابعة والعشرين، حين أصبح الوعد حاضرًا، لم يعد المستقبل الذي نؤمن به شيئًا بعيدًا لا علاقة له بيومنا، بل صار قادرًا على أن يعيد تشكيل هذا اليوم، وأن يجعل الإنسان يسأل عن حياته قبل أن يسأل عن الموعد.

حين يصل الصوت إلينا

والآن، بعد هذه الرحلة كلها، لا أظن أننا بحاجة إلى أن نعيد شرح الغيبة، أو أن نعرّف الانتظار من جديد، أو أن نتحدث عن الوعد وكأننا لم نمر به. لقد مررنا بكل ذلك، وبقي السؤال الذي خرج من هذه الأسئلة جميعًا، لكنه هذه المرة لا يتجه إلى الإمام، ولا إلى الغيبة، ولا إلى المستقبل.

إنه يتجه إلينا: ماذا يعني أن يصل الصوت إلينا؟

إذا كان زين العابدين عليه السلام قد بقي ليحمل الرسالة بعد كربلاء، وإذا كان كل إمامٍ قد حملها في زمانه بما ينسجم مع مسؤوليته وظروف عصره، وإذا عبر الصوت كل هذه المسافات حتى وصل إلى زمن الغيبة، ثم وصل إلينا نحن، فهل يكون دورنا أن نقف في آخر السلسلة ونقول إننا ننتظر؟

أم أن الانتظار نفسه ينبغي أن يصبح طريقةً في الحياة؟

حين يصبح الانتظار ثقافة

هنا يبدأ معنى ثقافة الانتظار.

فالانتظار حين يبقى شعورًا في القلب يظل تجربةً شخصية؛ قد يشتاق الإنسان، ويدعو، ويتعلق بالوعد، ثم يعود إلى حياته كما كانت. أما حين يصبح الانتظار ثقافة، فإنه يبدأ أولًا بتغيير الإنسان نفسه. يتسلل إلى نظرته إلى الوقت، وإلى علاقته بالعلم والعمل والأخلاق، وإلى الطريقة التي يرى بها مسؤوليته تجاه نفسه ومن حوله، ثم ينتقل هذا التغيير، حين يتسع، من الفرد إلى البيت، ومن البيت إلى المجتمع.

فالذي ينتظر إمام العدل لا يمكن أن يبقى غريبًا عن العدل في حياته الخاصة، والذي يؤمن بمستقبلٍ يقوم فيه الحق لا يستطيع أن يجعل الحق قيمةً جميلة ما دام لا يطالبه بتغيير شيء في نفسه، والذي يشتاق إلى مجتمعٍ صالح لا يستطيع أن ينتظر صلاح المجتمع من الآخرين وحدهم ثم يعفي نفسه من مسؤولية إصلاح ما يستطيع إصلاحه.

لكن ربما هناك سؤالٌ أعمق من كل ذلك: ماذا فعل الانتظار بي؟

قد تمر سنة، ثم أخرى، ثم سنوات، ويظل الإنسان يقول إنه ينتظر، بينما لم يتحرك في داخله شيء. ما زال الغضب هو الغضب، والعادة التي يعرف أنها تؤذيه ما زالت في مكانها، والتقصير الذي كان يؤلمه في الأمس ما زال يرافقه اليوم، وعلاقته بالعلم والعمل والناس لم تتغير إلا قليلًا. فماذا يعني أن ينتظر الإنسان مستقبلًا عظيمًا، ثم يصر على أن يبقى هو الإنسان نفسه؟

وماذا لو كان أول ما يطلبه الانتظار منه ألا ينتظر أن يتغير العالم، وإنما أن يبدأ هو بالتغير؟

من ينتظر المستقبل ماذا يصنع في نفسه؟

هنا يصبح الانتظار امتحانًا للإنسان أكثر مما هو وصفٌ لعلاقته بالمستقبل. فالمستقبل الذي نؤمن به لا ينبغي أن يكون مهربًا من الحاضر، وإنما معيارًا له؛ وما ننتظره في الغد ينبغي أن يسألنا عن صورتنا اليوم. إذا كنا ننتظر العدل، فكيف نتعامل مع من يختلف معنا حين لا يكون لنا عليه سلطان؟ وإذا كنا ننتظر الإصلاح، فما الذي أصلحناه في أنفسنا ونحن نكرر الحديث عنه؟ وإذا كنا نؤمن بأن للحق يومًا يظهر فيه، فهل للحق اليوم مكانٌ في اختياراتنا الصغيرة التي لا يراها أحد؟

الانتظار، بهذا المعنى، لا يضيف إلى الإنسان مهمةً خارجية فقط، وإنما يعيد تعريفه من الداخل. أن تتعلم لأن الجهل لا يمكن أن يكون طريقًا إلى أمةٍ تحمل الحق، وأن تهذب أخلاقك لأن العدل الذي تنتظره لا يمكن أن يبدأ يوم الظهور ثم يتوقف عند عتبة بيتك، وأن تتقن عملك لأن الأمانة لا تحتاج إلى عينٍ تراقبها حتى تصبح واجبة، وأن تربي أبناءك وأنت تعرف أن المستقبل لا يُبنى في يومٍ واحد، وإنما تصنعه شخصياتٌ تتشكل في البيوت قبل أن تظهر في الساحات.

وعندها يصبح السؤال عن الانتظار مختلفًا؛ فلا يعود السؤال: كم بقي حتى يأتي؟ بل: كم بقي حتى أصبح أنا أهلًا لما أنتظره؟

وهذا هو الوجه الأصعب للانتظار؛ لأن الإنسان يستطيع أن يحب صورة المستقبل بسهولة، لكنه يجد صعوبةً أكبر في أن يسمح لذلك المستقبل بأن يحاسبه على حاضره. يستطيع أن يشتاق إلى العدل، لكنه قد يكتشف أن أصعب اختبارٍ للعدل موقفٌ صغير لا يراه الناس. يستطيع أن يتحدث عن الإصلاح، لكنه قد يجد أن أول موضعٍ يحتاج إلى إصلاح هو نفسه. يستطيع أن يحب صورة الإنسان الذي يريد أن يكونه، لكن المسافة بين الإعجاب بتلك الصورة وبين التحول إليها ليست قصيرة؛ إنها سنواتٌ من المحاولة والسقوط والمراجعة والعودة.

ولهذا فالمنتظر ليس إنسانًا انتهى من بناء نفسه، وإنما إنسانٌ لم يتخلَّ عن مشروع بنائها. قد يخطئ، لكنه لا يجعل خطأه وطنًا دائمًا، وقد يضعف، لكنه لا يحول ضعفه إلى عذرٍ يبرر بقاءه كما هو، وقد يمضي عليه زمنٌ طويل دون أن يرى نتائج ما يفعل، لكنه لا يجعل غياب النتيجة دليلًا على عبث الطريق.

فبعض الأعمال لا يمنح أصحابها فرصة رؤية نهايتها.

كم من إنسانٍ تعلم ولم يرَ إلى أين سيصل علمه، وكم من أبٍ ربّى أبناءه ولم يعرف إلى أي مدى ستبقى كلماته فيهم، وكم من إنسانٍ أصلح شيئًا في نفسه ثم غادر الدنيا قبل أن يرى الصورة التي كان يريد الوصول إليها. ومع ذلك لم تكن خطواتهم بلا قيمة؛ لأن قيمة الطريق ليست دائمًا في أن يرى الإنسان نهايته، وإنما في أن يكون صادقًا في السير نحوها.

حين يصبح الانتظار استعدادًا

ومن هنا تصبح ثقافة الانتظار ثقافة عملٍ هادئ وطويل. ليست انشغالًا دائمًا بالموعد، وإنما وعيٌ بأن السنوات التي تسبق ما ننتظره ليست سنواتٍ زائدة في أعمارنا، بل هي الجزء الوحيد من الطريق الذي نملكه فعلًا. لا نملك موعد الغيب، لكننا نملك أعمارنا، ولا نملك لحظة الظهور، لكننا نملك اللحظة التي نعيشها الآن، ولا نملك أن نصلح العالم كله، لكننا نملك أن نصلح شيئًا في أنفسنا، وأن نحسن ما يقع تحت مسؤوليتنا، وأن نترك في بيتنا وعملنا ومجتمعنا أثرًا ينسجم مع الحق الذي نقول إننا ننتظره.

وحين يتحول هذا المعنى من أفرادٍ متفرقين إلى وعيٍ مشترك، تبدأ ثقافة الانتظار في معناها الأوسع. عندها لا يعود المجتمع الذي ينتظر مجتمعًا يراقب المستقبل، وإنما مجتمعًا يستعد له؛ يتعلم أفراده، ويراجعون أخطاءهم، ويتحملون مسؤولياتهم، ويفهمون أن الإصلاح ليس حدثًا يأتي من الخارج فيغير كل شيء دفعةً واحدة، وإنما تراكمٌ طويل يصنعه أناسٌ قرروا ألا يكتفوا بالشكوى من الواقع.

حين يعود السؤال إلى بدايته

وهنا تعود بنا الرحلة إلى بدايتها.

بدأنا بالسؤال: لماذا بقي الإمام زين العابدين عليه السلام؟ ثم اكتشفنا أن بقاءه لم يكن نهايةً للواقعة، وإنما بدايةً لما بعدها. ورأينا الصوت ينتقل من إمامٍ إلى إمام، ويتغير في وسائله دون أن يتغير في جوهره، حتى وصل إلى زمن الغيبة. ثم طال الغياب، وتعلمنا معنى الانتظار، ثم أصبح الوعد حاضرًا فينا، حتى وصلنا الآن إلى اللحظة التي لم يعد فيها السؤال عنهم وحدهم.

لقد وصل الدور إلينا.

وهنا ربما نفهم أخيرًا معنى البقاء.

لم يبقَ زين العابدين عليه السلام لأن القصة كانت تحتاج إلى رجلٍ ينجو من كربلاء فقط، وإنما بقي لأن الصوت كان يحتاج إلى من يحمله بعدها. ولم يحمل الأئمة عليهم السلام الرسالة في أزمنتهم لكي نتأمل سيرتهم من بعيد، وإنما حملوها حتى تصل إلى زمنٍ يأتي بعدهم، وها نحن في ذلك الزمن.٨

ولذلك فإن خاتمة هذه السلسلة لا ينبغي أن تكون جوابًا يريحنا، وإنما سؤالًا يخرج معنا من آخر الصفحة إلى أول يومٍ بعد القراءة.

فقد بدأنا نسأل: لماذا بقي؟ ثم سألنا: ماذا يعني أن تنتظر؟ ثم سألنا: كيف يصبح الوعد حاضرًا؟ أما الآن فلم يعد السؤال: متى يأتي؟ فذلك من أمر الغيب، وإنما السؤال الذي أصبح لنا نحن أصعب من ذلك كله هو: ماذا فعل الانتظار بنا؟ ومن أصبحت وأنا أنتظر؟

فإذا جاء اليوم الذي انتظرناه طويلًا، ثم التفت الحق إلى كل واحدٍ منا وسأله: ماذا صنعت وأنت تنتظر؟ فلن يكون المهم كم مرةٍ قلنا إننا كنا ننتظر، ولا كم مرةٍ تحدثنا عن الوعد، وإنما أي إنسانٍ صنعت تلك السنوات.

وعندها ربما نفهم السؤال الأول للمرة الأولى على نحوٍ مختلف. لم نعد نسأل فقط: لماذا بقي زين العابدين عليه السلام؟ بل نسأل أيضًا: لماذا بقي الصوت كل هذه القرون حتى وصل إلينا؟ ولعل الجواب الذي بحثنا عنه في بداية الرحلة كان يحمل منذ البداية سؤال نهايتها؛ فقد بقي الصوت لأن هناك دائمًا من يحمله، وانتقل من جيلٍ إلى جيل حتى بلغ زمننا، وحين وصل إلينا لم يعد المطلوب أن نسمعه فقط، وإنما أن نكون قادرين على حمله.

وهنا لا تنتهي الحكاية بقدر ما تنتقل الأمانة.

فالصوت الذي بقي حتى وصل إلينا، لا يحتاج في نهايته إلى مزيدٍ من الكلام عنه، بقدر ما يحتاج إلى أثرٍ يثبت أنه لم يصل عبثًا.

وهنا، حين يبقى الصوت، يبدأ دورنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds