
دلال الطريفي : الأحساء
في قصة تختزل قوة الشغف وأثر المعرفة، تحوّل حب الكتب لدى الهندي أنكي غودا من هواية بدأت في طفولته إلى مشروع معرفي ضخم، بعدما أمضى نحو خمسة عقود في جمع الكتب واقتنائها، حتى أصبح يمتلك مجموعة تتجاوز مليوني كتاب، قبل أن يفتح أبوابها مجانًا أمام الباحثين والطلاب ومحبي القراءة.
وينحدر غودا من قرية صغيرة في منطقة مانديا بولاية كارناتاكا الهندية، ونشأ في بيئة لم تكن فيها الكتب متاحة بسهولة، الأمر الذي جعله يدرك مبكرًا قيمة الكتاب وأهمية توفيره للآخرين.
وبدأ جمع الكتب بصورة جادة منذ أن كان في العشرين من عمره، مستثمرًا جزءًا كبيرًا من دخله في شراء الكتب والمجلات، رغم محدودية إمكاناته المادية.
وعمل غودا في عدد من المهن، من بينها سائق حافلة، وموظفًا لتسجيل أوقات الحضور في مصنع للسكر لنحو 30 عامًا، إلى جانب بيع الحليب والعمل في مجال التأمين خلال فترات مختلفة.
ومع مرور السنوات، تحوّل منزله إلى مخزن ضخم للكتب، ما دفعه إلى بيع بعض ممتلكاته لمواصلة بناء مجموعته وتوفير مكان يليق بها.
ومع اتساع المجموعة، تأسست مكتبة «بوستاكا ماني» (Pustaka Mane)، أي «بيت الكتب»، في قرية هارالاهالي بمنطقة مانديا، لتصبح مكتبة عامة مجانية تضم أكثر من مليوني كتاب، وتغطي مجالات متعددة، بينها الأدب والعلوم والتقنية والفلسفة والتاريخ والأديان، إلى جانب مخطوطات وإصدارات نادرة تعود إلى قرون سابقة، وكتب بأكثر من 20 لغة، وأكثر من 35 ألف مجلة دولية وآلاف القواميس.
وشُيّد مبنى المكتبة على مساحة تقارب 1500 متر مربع بتمويل من رجل الأعمال الهندي هاري خوداي، فيما واصل غودا وزوجته وابنه العناية بالمكتبة ومجموعاتها، حتى أصبحوا يعيشون في جزء منها، في صورة تعكس حجم ارتباطه بالمشروع الذي كرّس له جانبًا كبيرًا من مدخراته ودخله.
ولم يكن شغفه بالكتب عائقًا أمام مواصلة تعليمه؛ إذ أكمل دراسته الجامعية ثم حصل على درجة الماجستير في الأدب الكَنَدي، بالتزامن مع مسيرته المهنية وجمعه المتواصل للكتب.
وفي يناير 2026، تُوّج هذا المشوار بمنحه وسام «بادما شري»، رابع أعلى وسام مدني في الهند، تقديرًا لإسهامه في تعزيز القراءة والتعلم وحفظ المعرفة، ضمن قائمة عام 2026 التي ضمت عددًا من أصحاب الإسهامات المجتمعية اللافتة. كما سبق أن سُجل اسمه في موسوعة ليمكا للأرقام القياسية عام 2016 عن أكبر مجموعة كتب شخصية.
وهكذا، لم يعد «بيت الكتب» مجرد مكتبة ضخمة، بل أصبح خلاصة رحلة إنسان آمن بأن الكتاب لا ينبغي أن يكون حكرًا على من يملك المال أو يعيش في المدن الكبرى، فحوّل سنوات من العمل والتضحية والادخار إلى مساحة مفتوحة للمعرفة، تاركًا وراءه تجربة تؤكد أن شغفًا بسيطًا قد يتحول، مع الإصرار، إلى أثر يمتد إلى أجيال.




