
حسين الحاجي
قد نظن أن تعدد الخيارات أمر إيجابي دائماً ، فهو يضع أمامنا بدائل أكثر ويزيد فرص الوصول إلى ما يناسبنا لكن ليس بالضرورة أن يمنحنا رضا أكبر .
حين كانت الخيارات محدودة ، كان القرار أسرع : مطاعم أقل ، مقاهي أقل ، قنوات أقل ووسائل ترفيه محدودة ، أما اليوم فنحن أمام عشرات المطاعم والمقاهي ومنصات لا تنتهي وقائمة طويلة من الأماكن والأنشطة .
لكن المشكلة تبدأ عندما تجعل وفرة الخيارات قرارنا أكثر صعوبة ، فقد نقضي وقتاً طويلاً نتصفح تطبيق المطاعم ثم لا نعرف ماذا نطلب أو ننتقل بين عشرات الأفلام دون أن نشاهد شيئاً ، أو نجرب مقاهي كثيرة ثم نشعر أن : كلها أصبحت متشابهة.
وهذا ما يُعرف بمفارقة الاختيار : فكلما كثرت البدائل قد يصبح اتخاذ القرار أصعب ويزداد ترددنا حتى تتحول لحظة الاختيار من متعة إلى عبء .
والمفارقة الأعمق أننا حتى بعد أن نختار ، قد يظل السؤال يلاحقنا : هل كان هذا هو الخيار الأفضل ؟ ألم يكن هناك ما هو أجمل بين البدائل التي تركناها ؟ وهكذا لا تنتهي الحيرة دائماً عند اتخاذ القرار بل قد تستمر بعده فننشغل بما تركناه أكثر مما نستمتع بما اخترناه .
أما الملل فله جانب آخر مهم ، عندما يصبح الجديد متاحاً باستمرار ترتفع توقعاتنا من التجربة التالية ، المقهى الجديد يثير اهتمامنا فترة ثم نبحث عن الأحدث والمطعم الذي جذبنا في البداية يصبح مألوفاً ، والمنصة التي كانت ممتعة تصبح عادية ، أي أن كثرة التجارب قد تجعل انبهارنا بالجديد أقصر عمراً .
نحن لا نواجه إذن مشكلة في كثرة الخيارات ذاتها ، فهي مكسب كبير وإنما في طريقة تعاملنا معها ، فالاختيار الذي كان طريقاً للوصول إلى ما نريد قد يتحول إلى رحلة بحث لا تنتهي وكلما اتسعت القائمة ارتفع سقف توقعاتنا وقلّ شعورنا بالرضا .
والحل ليس أن نعود إلى زمن الخيارات القليلة بل أن نتعلم الاكتفاء بالاختيار المناسب بدل مطاردة الاختيار المثالي وأن نضع لأنفسنا معايير واضحة قبل أن نختار ، فعندما نعرف ما نريده فعلاً ، تضيق أمامنا دائرة البدائل ويصبح القرار أسرع وأسهل .
ختاماً ، ربما لم تعد الرفاهية الحقيقية في كثرة ما هو متاح أمامنا بل في قدرتنا على الاختيار دون أن تسرق منا الوفرة متعة ما اخترناه ، فالوفرة توسع أمامنا الأبواب لكن الرضا لا يسكن خلف كل باب وأحياناً لا ينقصنا خيار جديد بل ينقصنا أن نستمتع بما اخترناه دون أن تظل أعيننا معلقة بما تركناه .





