
هاشم السمين
كان النسب بابًا يعرّف الإنسان بأصله وموقعه بين الناس، ولذلك لم يأتِ الإسلام ليهدمه، بل ليضعه في موضعه الصحيح، فلا يتحول من نعمةٍ إلى مفاخرة، ومن صلةٍ إلى عصبية. فهو لا ينكر شرف النسب، ولكنه ينكر أن يكون وحده ميزانًا للكرامة؛ فقد يكون للإنسان نسبٌ شريف ولا يكون صالحًا، وقد يكون مجهول الحسب فيرفعه الله بتقواه.
وقد لخّص الإمام الباقر عليه السلام ذلك لعقبة الأسدي حين ذكر حسبه، فقال: «مَا تَمُنُّ عَلَيْنَا بِحَسَبِكَ، إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ بِالْإِيمَانِ مَنْ كَانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُ وَضِيعًا إِذَا كَانَ مُؤْمِنًا، وَوَضَعَ بِالْكُفْرِ مَنْ كَانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُ شَرِيفًا إِذَا كَانَ كَافِرًا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى». وهذه دعوةٌ إلى تحرير الإنسان من عبودية النسب.
من نسب الدم إلى نسب الإيمان
وفي القرآن الكريم أجمل ما يختصر هذا المعنى. فبعد أن أمر بدعوة الأدعياء لآبائهم لأنه أقسط عند الله، لم يترك من جُهل أبوه بلا انتماء، بل قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
فالحقيقة محفوظة فلا يُختلق نسب، والكرامة محفوظة فلا يبقى إنسانٌ بلا أهل.
ثم جاءت الآية التالية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، لتجعل للمؤمنين أبوّةً وأمومةً من نوعٍ آخر: هدايةً واحترامًا لا دمًا. ومع ذلك لم تُلغِ حق الأرحام: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾.
ومن هنا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وشرحه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: «بَنُو أَبٍ وَأُمٍّ»؛ أخوّةٌ يصنعها الإيمان لا الأرحام.
وفي هذا المعنى روى أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا وَعَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَحَقُّنَا عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ أَبَوَيْ وِلَادَتِهِمْ؛ فَإِنَّا نُنْقِذُهُمْ إِنْ أَطَاعُونَا مِنَ النَّارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، وَنُلْحِقُهُمْ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بِخِيَارِ الْأَحْرَارِ».
ولذا يضع القرآن الكريم القاعدة الأساسية للانتساب الإيماني والاتباع في دعوة الأنبياء على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36]؛ فتغدو المعية والانتساب الحقيقي قائمين على الاتباع والعمل والاقتداء، لا على مجرد الادعاء والاسم والدم.
وقد سأل أبو إسماعيل الإمام الباقر عليه السلام عن كثرة الشيعة، فاختبر الإمام العدد بأسئلة: هل يعطف الغني على الفقير؟ هل يتواسون؟ فلما أجاب بالنفي قال: «لَيْسَ هَؤُلَاءِ شِيعَةً، الشِّيعَةُ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا». فالانتساب الحقيقي حقيقةٌ تُفعل لا لفظٌ يُقال.
ورقةٌ حيّة في شجرة الهداية
وفي تفسير ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يبيّن الإمام الصادق عليه السلام حقيقة هذا الانتساب بقوله: «رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَصْلُهَا، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَرْعُهَا، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَغْصَانُهَا، وَعِلْمُ الْأَئِمَّةِ ثَمَرَتُهَا، وَشِيعَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَرَقُهَا». فالانتساب الحقيقي أن تكون ورقةً حيّةً متصلةً بأصل الهداية والعمل.
ويتجلى ذلك في سلمان؛ لم يكن هاشميًّا بالدم، ومع ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ»، وقال الإمام الصادق عليه السلام: «لا تقل سلمان الفارسي، ولكن قل سلمان المحمدي». لقد صار محمديًّا بإيثاره هوى أمير المؤمنين، وحبه للفقراء والعلم. لم يغيّر نسبه، بل ارتقى بانتسابه.
الولاية: فضلٌ يُحَب، وفرضٌ يُؤدّى
ويختصر الإمام الصادق عليه السلام ذلك بقوله: «ولايتي لعلي بن أبي طالب عليه السلام أحبُّ إليّ من ولادتي منه؛ لأن ولايتي له فرض، وولادتي منه فضل». فشرف النسب مسؤوليةٌ تُصان بالعمل، لا سلّمٌ إلى الكِبر.
وقد ضرب القرآن مثلًا بابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، وبأبي لهب، ليتبيّن الفرق بين نسبٍ يثبت القرابة المادية، ونسبٍ يثبت القرب والموقف من الحق.
وتتسع الدائرة بقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق».
النسب الذي لا ينقطع
حين يقرر القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]، فهو يعلن سُقوط الأنساب الترابية المادية التي يتكئ عليها أهل الدنيا مفاخرةً دون عمل.
وهنا يتجلى الاستثناء العظيم والنص الفاصل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ سَبَبِي وَنَسَبِي».
فالأنساب الترابية تتقطع أسبابها بتلاشي الدنيا، أما النسب والسبب المحمدي فهو الشجرة الطيبة والاتصال الروحي والإيماني الباقي؛ إذ ينكشف يوم القيامة أن النسب الحقيقي الذي يثبت أثره ويبقى نوره هو الانتماء إلى بيت النبوة بالولاء والطاعة والإيمان.
فالانتساب إلى شجرة أهل البيت ليس نسبًا طينيًا مجردًا تُسقطه القيامة، بل هو السبب والنسب المعنوي الذي يحفظه الله ويزيده شرفًا، لأن أوراقه حيةٌ بأصلها ورابطة الولاية فيها دائمةٌ ببركة الحق.
الخلاصة:
• النسب الترابي شرفٌ في الدنيا، ولكنه ينقطع ولا ينجي بمجرده.
• القرابة الطينية فضلٌ، لكنها لا تُستعار لتسويغ التقصير.
• والانتساب إلى شجرة أهل البيت عليهم السلام هو النسب والسبب الباقي يوم القيامة، حين تُطوى سائر الأنساب وتتلاشى المفاخر.
وحين تسقط الأنساب التي يتفاخر بها الناس، يبقى النسب الذي لا يسقط: نسب الإيمان، وسبب الولاية، وعروة التقوى.





