أقلام

هل يستحق الثيل كل هذه المياه

أحمد بوخمسين 

يكاد لا يخلو مشروع تجميل أو حديقة عامة أو حديقة منزلية في المملكة العربية السعودية من الثيل (النجيل، الحشيش). فأينما ذهبت ستجد المساحات الخضراء الممتدة وقد غطت الأرض بالكامل، حتى أصبح الثيل في نظر كثير من الناس مرادفًا للجمال والتشجير والحدائق.

ولكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه: هل الثيل فعلًا هو الخيار الأفضل لبيئتنا الصحراوية؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم أن نتذكر أن الثيل ليس نباتًا صحراويًا في الأصل. فهو ينتمي إلى بيئات تختلف كثيرًا عن بيئتنا المحلية، وغالبًا ما ينجح بصورة طبيعية في المناطق التي تتمتع بأمطار أكثر من التي نعيشها في المملكة.

ولذلك فإن المحافظة على الثيل أخضر طوال العام في مناخنا الحار تتطلب كميات كبيرة من المياه. وكلما ارتفعت درجات الحرارة في الصيف ازداد احتياجه للري حتى يحافظ على مظهره الأخضر. وهنا تظهر المشكلة الرئيسة؛ فنحن نستهلك كميات كبيرة من المياه من أجل الحصول على قيمة جمالية فقط، في حين أن هناك خيارات أخرى أقل استهلاكًا للمياه وأكثر انسجامًا مع طبيعة بلادنا.

ولا يعني ذلك أن القيمة الجمالية غير مهمة، بل على العكس. فالمدن تحتاج إلى الجمال والمساحات الخضراء، والناس بحاجة إلى أماكن مريحة للجلوس والاستمتاع بالطبيعة. ولكن السؤال الحقيقي هو: هل الثيل هو الوسيلة الأكثر استدامة لتحقيق هذه الغاية؟

في رأيي أن الإجابة في كثير من الحالات لا.

فالثيل لا يستهلك المياه بكثافة فحسب، بل يحتاج كذلك إلى صيانة مستمرة ودائمة. فهو يتطلب جزًا دوريًا، وتسميدًا منتظمًا، ومتابعة مستمرة للحفاظ على مظهره. وهذا يعني استهلاكًا أكبر للعمالة والوقت والموارد مقارنة بكثير من النباتات الأخرى التي تستطيع أن تقدم قيمة جمالية جيدة مع متطلبات أقل.

ومن الجوانب التي لا تحظى باهتمام كافٍ أن القيمة البيئية للثيل تبقى محدودة مقارنة بالنباتات الأخرى. فصحيح أن بعض الكائنات الحية تستفيد منه، ولكنه لا يعد من النباتات الغنية بالرحيق أو الأزهار، ولا يمثل مصدر جذب قوي للنحل أو الفراشات أو كثير من الكائنات الأخرى التي نرغب في وجودها داخل مدننا وحدائقنا.

والمشكلة الأكبر التي نشاهدها كثيرًا هي أن بعض الحدائق تُصمم وكأن الثيل هو الحديقة بأكملها. فتتحول مساحات واسعة إلى غطاء أخضر متصل، بينما تتراجع الأشجار والشجيرات والنباتات المزهرة إلى أدوار ثانوية أو تختفي تمامًا.

وفي الحقيقة فإن الحديقة الناجحة لا تقوم على عنصر واحد فقط. فالحديقة الجميلة والمستدامة هي التي تجمع بين الأشجار والشجيرات والنباتات المزهرة ومغطيات التربة، بحيث تحقق التنوع البصري والتنوع البيئي في الوقت نفسه.

ولا أرى مشكلة في استخدام الثيل في أماكن محددة داخل الحديقة، خصوصًا في مواقع الجلوس أو المساحات المخصصة للأنشطة المباشرة. ولكن تحويل معظم مساحة الحديقة إلى ثيل فقط لا يبدو الخيار الأكثر كفاءة من الناحية البيئية أو الاقتصادية.

ولعل من المفيد التفكير في بدائل أخرى يمكن أن تؤدي جزءًا من الوظيفة نفسها مع استهلاك أقل للمياه. ومن الأمثلة التي أثبتت نجاحها في المملكة نبات الوديليا، ونبات الجزانيا الفضي، وكذلك السيسفيوم، المعروف أيضًا باسم المدادة أو رجلة البحر.

وتتميز هذه النباتات بانخفاض احتياجاتها المائية مقارنة بالثيل، كما أنها مزهرة وجاذبة للنحل وعدد من الكائنات الحية الأخرى، وهو ما يمنحها قيمة بيئية إضافية إلى جانب قيمتها الجمالية.

صحيح أن لهذه النباتات بعض القيود، وأبرزها أنها لا تتحمل المشي والدوس المستمر كما يتحمل الثيل، ولذلك لا تعد مناسبة لكل المواقع. لكنها تمثل خيارًا ممتازًا في المساحات التي لا تشهد حركة كثيفة، كما يمكن التحكم في نموها والحفاظ على مظهرها من خلال القص والصيانة الدورية عند الحاجة، وفي حال تم جزها كما يعامل الثيل فإنها تصبح أكثر مقاومة للدوس والمشي والجلوس عليها.

وربما لا يكمن الحل في الاستغناء الكامل عن الثيل، بل في إعادة النظر في حجم المساحات التي نخصصها له. فبدل أن يغطي معظم الحديقة، يمكن أن يقتصر على المناطق التي يحتاجها الناس فعلًا للجلوس أو اللعب أو الاستخدام المباشر، بينما تستثمر بقية المساحة في الأشجار والشجيرات ومغطيات التربة والنباتات المزهرة.

إن التحدي الذي يواجه مدن المملكة المختلفة اليوم ليس كيف نجعلها أكثر خضرة فقط، بل كيف نجعلها أكثر استدامة. وعندما نبدأ في اختيار النباتات التي تتوافق مع طبيعة مناخنا وتستهلك قدرًا أقل من المياه وتدعم الحياة الفطرية من حولنا، فإننا لا نحافظ على مواردنا فحسب، بل نبني مدنًا أجمل وأكثر قدرة على الاستمرار في المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى