أقلام

الزبادي بالإصبع… ومن نكون حين لا يرانا أحد؟

يوسف الطويل

قبل قليل كنت أتناول عشاءً خفيفًا من الزبادي مع الخبز.

وأنا أقول: إن الإنسان إذا تجاوز الخمسين، فمن الأفضل له أحيانًا أن يخفف عشاءه قليلًا، ويرحم معدته من المغامرات الليلية!

المهم… انتهى الخبز، وبقي في علبة الزبادي شيء قليل.

والمشكلة أنني لم أحضر معي ملعقة.

نظرت إلى العلبة… ثم نظرت إلى المطبخ… وبدا لي أن المسافة بيني وبين المطبخ في تلك اللحظة أطول من المسافة بين الدمام والرياض!

قلت في نفسي: بسيطة.

مددت إصبعي في العلبة، وأخذت قليلًا من الزبادي.

ثم قليلًا آخر…

وثالثًا…

وفجأة اكتشفت أنني أستمتع بأكل الزبادي بإصبعي أكثر من استمتاعي به مع الخبز!

وهنا، ودون أية مقدمات، خرج لي من أرشيف الذاكرة مشهد غريب جدًا.

تذكرت الشمر بن ذي الجوشن في مسلسل (المختار الثقفي)، حين كان هاربًا مع محمد بن الأشعث في خربة، وفي يده إناء من الزبادي، يأكل منه بإصبعه مستمتعًا، ومن حوله يتحدثون إليه، وهو لا يكاد يلتفت إليهم!

حين شاهدت المسلسل وقتها، لم أعرف لماذا علق ذلك المشهد في ذاكرتي.

ولكنني هذه الليلة فهمت الرجل!

وطبعًا، لا يفهمني أحد خطأ… فلم أجد في الشمر شيئًا أقتدي به سوى طريقة أكل الزبادي، وهذه وحدها مصيبة أن يصل إليها المقال!

ولكن الموقف جعلني أفكر:

لماذا نستمتع ببعض الأشياء البسيطة أكثر حين نفعلها بطريقتنا، بعيدًا عن الأصول والإتيكيت ونظرات الناس؟

ربما لأن الإنسان حين يكون وحده يعود، ولو قليلًا، إلى طبيعته.

كثير منا، حين يخلو بنفسه، يفعل أشياء لا يفعلها أمام الآخرين.

قد يشرب من القارورة مباشرة بدلًا من الكأس.

وقد يأخذ لقمة من القدر وهو واقف في المطبخ، فيكتشف أنها ألذ من الطعام نفسه حين يُقدَّم له في أفخم الأطباق.

وقد يجلس جلسة لو سمع بعدها صوت الباب، لاعتدل في ثانية!

وقد يغني بصوت لو كان أمام جمهور، لطالبه الجمهور بالاكتفاء من الاستماع!

وقد يحدث نفسه، أو يضحك على شيء سخيف، أو يرتدي أكثر ملابسه راحة، دون أن يسأل نفسه: كيف أبدو؟

والغريب أننا نتعلم منذ صغرنا كيف نتصرف أمام الآخرين:

لا تأكل بيدك.

اجلس معتدلًا.

لا تفعل هذا.

عيب.

الناس يرونك.

وشيئًا فشيئًا، تكبر معنا (نسختنا الاجتماعية).

وهذه النسخة مهمة بالطبع؛ فلا يمكن أن نعيش بين الناس ويفعل كل واحد منا ما يشاء دون ذوق أو مراعاة للآخرين.

ولكن الحياة أحيانًا تأخذ الإنسان أبعد من ذلك.

خصوصًا أولئك الذين تفرض عليهم حياتهم قدرًا كبيرًا من الرسميات والإتيكيت: مدير، أو مسؤول، أو رجل أعمال، أو شخصية اجتماعية، أو حتى شخص اعتاد الناس أن يروه دائمًا بكامل هيبته وترتيبه.

قد يكون كل شيء محسوبًا عليه طوال يومه: لباسه، وكلامه، وجلسته، وطريقة أكله، وحتى ضحكته أحيانًا!

ليس لأنه مزيف، ولا لأنه يمثل أمام الناس، ولكن لأن لكل واحد منا دورًا اجتماعيًا يفرض عليه قدرًا من الرسمية.

وربما لهذا السبب بالذات يكون أصحاب الرسميات أكثر الناس اشتياقًا إلى تلك اللحظات التي يغلقون فيها الباب، ويضعون كل هذه الأدوار جانبًا، ويعود الواحد منهم إنسانًا عاديًا جدًا.

قد يأكل أحدهم طوال النهار بالشوكة والسكين، والمنديل على ركبته، ثم يعود إلى بيته آخر الليل، ويفتح الثلاجة، ويأكل قطعة من الجبن وهو واقف عند بابها!

وقد ترى شخصًا في المجلس لا يتحرك إلا بحساب، فإذا خلا بنفسه مدّ رجليه، واسترخى، وأكل بيده، وضحك من قلبه.

وهذا ليس تناقضًا.

ربما تكون هذه هي المساحة التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه.

وهنا جاءني سؤال أكبر من علبة الزبادي نفسها:

كم من الأشياء البسيطة نحبها، ولكننا لا نفعلها إلا حين نكون وحدنا؟

وكم من الأشياء نفعلها أمام الناس، لا لأننا نحبها فعلًا، ولكن لأننا اعتدنا الصورة التي يروننا بها؟

بل من هو الإنسان الحقيقي؟

هل هو الشخص الذي يراه الناس؟

أم الشخص الذي يظهر حين لا يعود هناك أحد يراه؟

ربما كلاهما معًا.

أحدهما نحتاج إليه لنعيش مع الناس، ونحترم المجتمع والذوق والأصول…

والآخر نحتاج إليه لنرتاح مع أنفسنا.

المشكلة ليست في الإتيكيت، ولا في الرسمية، ولا في أن يحافظ الإنسان على صورته أمام الآخرين.

المشكلة حين تصبح الصورة أثقل من صاحبها.

حين لا يستطيع الإنسان أن يكون على طبيعته إلا إذا اختفى عن العيون.

ربما يحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى مساحة صغيرة يعود فيها بسيطًا.

ليس مطلوبًا منه أن يكون أنيقًا في كل لحظة، ولا رسميًا في كل تصرف، ولا أن يعيش حياته كلها وكأن كاميرا تلاحقه.

بعض الأشياء الجميلة في الحياة لا تحتاج إلى ترتيب كبير.

تحتاج فقط إلى أن نترك أنفسنا نستمتع بها.

وربما لم تكن المشكلة في الزبادي أصلًا…

فالزبادي هو نفسه، سواء أكلته مع الخبز، أو بالملعقة، أو بالإصبع.

الذي تغير للحظات هو أنا.

لم أكن أفكر في الطريقة التي يفترض أن آكله بها…

كنت فقط آكله بالطريقة التي أعجبتني.

وأظن أن الإنسان كلما تقدم به العمر، احتاج أحيانًا إلى أن يعود إلى ذلك الطفل الصغير الذي كان يعرف كيف يستمتع بالأشياء، قبل أن نعلمه ألف قاعدة عن الطريقة التي (يفترض) أن يستمتع بها.

أما أنا، فقد خرجت تلك الليلة بفائدتين:

الأولى: أن الإنسان مهما أخذته الحياة إلى الرسميات، يبقى في داخله شخص بسيط ينتظر اللحظة التي يقول فيها:

الحمد لله… لا أحد يراني!

والثانية…

أن الشمر بن ذي الجوشن، مع كل مصائبه، يبدو أنه كان يفهم في الزبادي أكثر مما توقعت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds