الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية (٧)

السيد فاضل آل درويش
من إثبات الذات إلى تأليه الهوى
للفرد قيمته ومكانته اللتان تثبتان له حق إثبات وجوده وتحقيق تطلعاته وطموحاته، وهذا الحق مكفول له في الرؤية الدينية والإنسانية؛ ليحجز له مكانة تتناسب مع قدراته وعمله. بل تُعتبر محبة النفس الإيجابية هي الباعث نحو قصة الإنسان في طريق الإنجاز وتخطي المراحل المتتالية، التي تتخللها مواجهات مع الظروف الحياتية الصعبة؛ لترسم على ملامحه قوة الإرادة والهمة العالية واغتنام الأوقات.
ولكن المشكلة بالتحديد ليست في الفردانية في مسارها الطبيعي، بل تكمن في حالة التغوّل والتوحش والتقوقع حول الذات؛ لتتحول إلى مرجعية نهائية لا تعلو عليها مرجعية، فتغدو النفس المتغولة والمتضخمة معيار الأحكام والقرارات، فذاته هي المُشرِّع والحاكم والميزان. يفقد الإنسان حينئذٍ القدرة على محاسبة نفسه أو الاعتراف بتقصير أو خطأ؛ لأنه – ببساطة – لا يعترف بوجود مرجعية أو معيار أعلى من ذاته.
وفي المفاهيم القرآنية، نجد مصطلح «ألوهية الهوى» والعبودية له واتخاذه محورًا في مجمل حياته، بعيدًا عن حاكمية العقل الواعي الذي ينظر إلى الأمور والخطوات من خلال عواقبها ونتائجها، ويتخذ الحكم عليها بناءً على ذلك.
فلا تكمن خطورة الفردانية في أن يمتلك الإنسان رأيًا خاصًا، أو يمارس حقه في التفكير والتخطيط لغدٍ أفضل، وإنما في أن تتحول الذات من أداةٍ لفهم الحقيقة إلى معيارٍ يحدد ما ينبغي أن تكون عليه الحقيقة (تضخم الذات وتغوّلها).
وحتى مفهوم التدين، يمكننا أن نجد للفردانية المتوحشة فيه تمظهرًا خفيًا، وذلك عند تعارض مصالح الفرد مع القيم والأحكام الدينية؛ فيتراجع خطواتٍ نحو التمركز حول ذاته ورفض تلك الأحكام. فهو يقبل الحكم حين ينسجم مع ميوله، ويبحث عن التأويل حين يصطدم بمصالحه، محاولًا تبرير سلوكه الأناني بمختلف الذرائع، ويؤجل الالتزام بذلك الحكم حين يثقل كاهله؛ حتى تتكون لديه صورة من التدين تبدو دينية في مظاهرها، لكنها خاضعة في بنيتها لمركزية الذات.
فالتحول الجوهري في المسألة هو استبدال السؤال عن الحكم الإلهي بالسؤال عن الجواب الذي يناسبه ويسمح له بالاحتفاظ بما يريد، ثم يحاول أن يجد لهذا المراد غطاءً وتبريرًا يتوافق مع هواه ورغباته. وتتحول الرغبة الشخصية إلى حاكمٍ خفيٍّ على عملية الفهم والإدراك، فيقبل جوابًا يريده ويغض النظر عن آخر.
فالعقل الواعي – في هذه الحالة – لا يُراد منه البحث عما يُحيّره ويجهله في مسألة معينة، بل يُستدعى التفكير لتبرير النتيجة المرغوبة مسبقًا، وحينها يفقد العقل وظيفته النقدية، ويتحول إلى أداةٍ لتجميل الهوى.




