الذكاء الاصطناعي في تعليم الأطفال: كيف نوازن بين الاستفادة منه وتنمية التفكير المستقل؟

المترجم : عدنان أحمد الحاجي
بقلم مارتينا راو، البرفسور في بحوث التعلّم والتعليم في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ
“أرى بوضوح أننا بحاجة إلى حوار أكثر عمقاً ودقة حول دور الذكاء الاصطناعي في التعليم. ففي الوقت الراهن، نجد أنفسنا بين اتجاهين أو فريقين: معارضة شرسة له، أو اندفاع أعمى تجاهه، في حين يعجز كلا الطرفين عن إعطاء حكمٍ قاطع ومبسط حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي معينًا على التعلم أم عائقّا له. كلا الفريقين يطلقان أحكاماً قطعية وتعميمات، لكنهما في الحقيقة يعجزان عن تقديم إجابة قاطعة ومبسطة تُثبت حقيقة موقفهم؛ لأنه لا يمكن وصف أثر الذكاء الاصطناعي بالضار المطلق أو بالنافع المطلق، بل يعتمد على كيف يستخدم.
التعليم الجيد لا يرتبط بمدى رقمنة الدروس من عدمها، بل يتطلب منا التعامل بواقعية والإقرار بأن الذكاء الاصطناعي قد أصبح واقعاً لا مفر منه ولا يمكن التراجع عنه؛ إذا أصبح متغلغلّا في مختلف المجالات، والصفوف الدراسية ليست استثناءً من ذلك. وعليه، لم يعد السؤال المجهول يتعلق بمدى إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي، بل ينحصر في كيفية توظيفه بالشكل الأمثل.
وتكمن النقطة الجوهرية بالنسبة لي (الكلام للمؤلفة) في وجود مهارات أساسية يتعين علينا نحن البشر— سواء بالنسبة للطلاب أو الراشدين (من معلمين وأولياء أمور) — إتقانها بالكامل بجهدنا الذاتي. وتختلف هذه المهارات باختلاف المادة الدراسية، وهو ما ينبغي أن تعكسه مناهجنا التعليمية مستقبلاً.”
ويرتكز الأمر في جوهره على المهارات التي نحتاجها في حياتنا اليومية؛ ومنها القدرة على الكتابة دون مساعدة على سبيل المثال، لما لها من دور في تنظيم أفكارنا وتطوير تفكيرنا المنطقي. وبطبيعة الحال، من المنطقي أيضاً التعلم على كيفية تحسين الكتابة باستعمال الذكاء الاصطناعي—ولكن فقط بعد أن يتقن الفرد صياغة النص بنفسه.”
وهناك أيضاً مهام أو أنشطة ذهنية أو تحليلية نقوم على تنفيذها في حياتنا أو دراستنا، والتي يمكن تفويض بعض أجزائها لأدوات مساعدة، تُعرف بـ “الأدوات المعرفية (cognitive tools)،” فلا أحد يتوقع من أحد اليوم تحليل البيانات يدوياً على سبيل المثال—إذ من الواضح أن لدينا برامج مخصصة لذلك. بيد أنه ينبغي علينا، رغم ذلك، فهم طريقة عمل هذه البرامج والسبيل الأمثل لاستخدامها.
وهناك أيضاً مهام وأنشطة ذهنية وتحليلية ننجزها في حياتنا أو دراستنا باستعمال ما يُعرف بـ «الأدوات المعرفية» (cognitive tools)؛ وهي أدوات خارجية—سواء أكانت مادية أم رقمية—يستعين بها المرء لتخفيف العبء عن ذاكرته وتوسيع قدراته الذهنية وتسهيل معالجته للمعلومات.
ليست الأدوات المعرفية بالضرورة تقنيات رقمية؛ فقد تكون أداة بسيطة نستخدمها لتذكيرنا بمهمة معينة. فلو تركتُ سكين قص الخبز عمدًا على طاولة المطبخ لتذكيري بإعداد وجبة خفيفة لولدي في الصباح، لأصبحت السكين في هذه الحالة وسيلةً مساعدة على التذكّر. ويكشف هذا المثال كيف يستعين الإنسان بأدوات خارجية لتخفيف العبء عن ذاكرته، بحيث تساعده على تذكّر ما يحتاج إلى فعله دون الاعتماد على ذاكرته وحدها.
ومع تطوّر التقنيات الرقمية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، لم تعد الأدوات المعرفية تقتصر على التذكير بالمهام أو الأنشطة، بل أصبحت قادرة على دعم عمليات التعلّم نفسها. لذلك، لا يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم مدعاةً للقلق بحد ذاته، بل في كيف يمكن توظيفه لتحسين التعلّم. فمن الممكن، مثلًا، الاستعانة به لإعداد مواد تعليمية تساعد على التدريب والمراجعة. فإذا أردتُ إثراء حصيلتي اللغوية، أمكنني أن أطلب منه استخراج الكلمات الصعبة من النص الذي أقرؤه وتحويلها إلى بطاقات تعليمية، ما من شأنه أن يوفّر الوقت ويتيح لي تخصيص جهد أكبر للتدرّب على المصطلحات وتثبيتها في الذاكرة.
فالبطاقات التعليمية إذن هي بطاقات تُستخدم للتعلّم والمراجعة، ويُكتب على أحد وجهي البطاقة سؤال أو كلمة، وعلى الوجه الآخر الإجابة أو المعنى، بحيث يحاول المتعلّم استرجاع المعلومة من ذاكرته قبل أن يقلب البطاقة ليتحقق من إجابته.
يمكنني أيضًا الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للحصول على شرح واضح لأحد المفاهيم، أو للتحقق من مدى صحة فهمي له. غير أن الباحثين يحذّرون من ظاهرة تُعرف بـ”وهم المعرفة،” إذ قد يقرأ المرء شرحًا واضحًا يولّده الذكاء الاصطناعي، فيظن أنه استوعب المفهوم استيعابًا عميقًا، بينما لم يتجاوز فهمه الظاهري ما قرأه. فالفهم الحقيقي لا يقتصر على استيعاب الشرح عند قراءته، بل يتجلى في القدرة على إعادة صياغة الفكرة بأسلوب المرء الخاص، وتطبيقها عمليًا، والاستعانة بها لحل مسألة جديدة، وكل ذلك اعتمادًا على فهمه وجهده الشخصي. ويتطلب تجنب هذا الوهم قدرًا من الشك المنهجي والانضباط الذاتي، لأن الإنسان يميل أحيانًا إلى المبالغة في تقدير مدى فهمه. لذا، ينبغي أن يتوقف المرء ليسأل نفسه: هل فهمت الفكرة فعلًا، أم أن وضوح الشرح جعلني أظن أنني فهمتها؟ والأفضل أن أختبر فهمي بنفسي قبل الاستعانة بأي مصدر خارجي للتحقق منه.
وبناءً على ذلك، أوصي بأن يحاول الأطفال صياغة شروحاتهم بأنفسهم، وأن يبذلوا جهدهم في الإجابة عن الأسئلة أولًا، ثم يستعينوا بالذكاء الاصطناعي لمراجعة إجاباتهم، والتحقق من صحتها، وتصحيح ما قد يشوبها من أخطاء.
لمساعدة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الأخطاء وتقديم تغذية راجعة قيّمة للطلاب، يُستحسن توجيهه إلى مصادر محددة، مثل المقررات الدراسية والمواقع الإلكترونية الموثوقة، ليستند إليها في تقييم الإجابات وتصحيحها. ويمكن أيضًا استثمار الأخطاء التي يقع فيها الذكاء الاصطناعي، بما فيها ما يُعرف بـ “بهلوسات الذكاء الاصطناعي؛ أي المعلومات المختلقة أو غير الصحيحة التي يقدمها كما لو كانت حقائق (1)، في فتح باب النقاش داخل الصف. فمن خلال تحليل هذه الأخطاء ومناقشتها، يستطيع المعلمون ترسيخ الوعي بضرورة التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي، وعدم قبولها دون تمحيص. ويتيح هذا النقاش للطلاب فرصة تنمية مهارات التفكير النقدي، كما يعزز تفاعلهم مع المادة التعليمية، ما يساعد على ترسيخ المعرفة في أذهان الطلاب.
وحين نلاحظ لجوء الأطفال إلى الذكاء الاصطناعي لتجنّب المهام الذهنية الشاقة التي تتطلب جهدًا فكريًا وتركيزًا للوصول إلى الحل، تبدأ المشكلة بالظهور. فنحن لا نقبل أن يستخدم الطلاب أوراق الغش خفيةً تحت طاولاتهم الدراسية، ولا ينبغي أن نتساهل مع استخدام الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري إجراء حوار صريح مع الطلاب حول الاستخدام المقبول لهذه التقنية، وقد يستدعي الأمر حظر استخدامها كليًا إذا اقتضت الضرورة. فسواء أكانت الأدوات رقمية أم تقليدية، فإن الاستعانة بها لتجاوز الجهد الذهني المطلوب تحرم المتعلم من الفائدة المرجوة من عملية التعلم.
يميل الدماغ البشري بطبيعته إلى توفير الجهد كلما أتيحت له فرصة لذلك. فعندما يواجه الطفل مهمة تتطلب تفكيرًا متعمقًا، مثل كتابة موضوع إنشائي أو حل مسألة معقدة، قد يبدو له اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي أسهل من خوض هذه المهمة بنفسه. غير أن المفارقة تكمن في أن الجهد الذهني الذي يحاول تجنّبه هو نفسه ما يسهم في تنمية قدراته المعرفية وتطوير مهاراته في التفكير. فمن دون بذل هذا الجهد، يصعب تحقيق تعلم حقيقي وفهم عميق، تمامًا كما لا تنمو العضلات من دون تمرين.
ومن المفيد أيضًا أن يشارك أولياء الأمور أطفالهم تجاربهم العملية في استخدام الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في بيئة العمل، موضحين لهم متى تكون هذه التقنية مفيدة، وكيف يمكن الاستعانة بها لإنجاز بعض المهام بكفاءة. فعندما يقدم الأب أو الأم أمثلة واقعية من عملهما، مثل تلخيص التقارير الطويلة، أو تنظيم الأفكار، أو إعداد مسودة أولية لرسالة مهنية، يتعرّف الأطفال إلى الاستخدامات العملية لهذه التقنية، ويدركون كيف يمكن أن تساعدهم في إنجاز بعض الأعمال دون أن تحل محل تفكيرهم.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن يوضح الوالدان الحالات التي يعجز فيها الذكاء الاصطناعي عن تقديم مساعدة موثوقة، كأن يولّد معلومات غير صحيحة أو يختلق تفاصيل تبدو مقنعة. فمن خلال هذه الأمثلة، يتعلم الأطفال أن لهذه التقنية حدودًا، وأن مخرجاتها تحتاج إلى التحقق والتقييم. وعندما يرون والديهم يستخدمانها بوصفها أداة مساعدة لا مصدرًا معصومًا من الخطأ، يكتسبون نموذجًا عمليًا للاستخدام الواعي؛ فيتعلمون متى يستعينون بها، ومتى يعتمدون على قدراتهم في التفكير والتحليل وإيجاد الحلول.
ونحن نعيش مرحلة استكشافية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، تتداخل فيها الآمال مع المخاوف، ولا تزال آثار هذه التقنية في التعليم والحياة اليومية موضع نقاش وتعلّم. فلماذا لا نجعل هذه القضايا موضوعًا للحوار مع أطفالنا؟ فالتعليم الجيد لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يثير فضول المتعلمين، ويحفّز رغبتهم في الاستكشاف، ويربط ما يتعلمونه بحياتهم اليومية والعالم المحيط بهم. ومن شأن مناقشة الذكاء الاصطناعي داخل الصف الدراسي أن تجعل المدرسة بيئةً يتعلم فيها الطلاب كيفية التعامل مع هذه التقنية بوعي ومسؤولية، وتُهيّئهم لمواجهة تحديات عالم يتزايد حضورها فيه؛ وبذلك يصبح إدماجها في النقاش التعليمي فرصةً يستفيد منها الطلاب والمدرسة معًا.
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/هلوسة_(ذكاء_اصطناعي)
المصدر الرئيس
https://ethz.ch/en/news-and-events/eth-news/news/2026/04/martina-rau-how-should-ai-be-used-in-childrens-education.html





