أقلام

العلامة بين العلم والكرامة (الشيخ موسى أبوخمسين أنموذجًا)

فاضل السماعيل

من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه العالم أن تتحول منزلته العلمية في أعين الناس من العلم والبحث والتحقيق إلى سوقٍ للكرامات والحكايات؛ فيصبح معيار التفاضل عند العامة: من ظهرت على يديه كرامة؟ ومن وقعت له حادثة عجيبة؟ ومن نُقلت عنه قصة خارقة؟

وهنا ينبغي أن نضع الأمور في نصابها:

العالِم يُعرف بعلمه، لا بكرامته.

فالوظيفة الأصلية للعالم ليست أن يثبت للناس أنه صاحب خوارق، وإنما أن يبيّن لهم عقائدهم وحكم الله بالحجة والدليل، وأن يمارس أدوات العلم التي يُعرف بها أهل الاختصاص: الفقه، والأصول، والحديث، والرجال، والتفسير، وسائر العلوم التي يقوم عليها الاستنباط والمعرفة الدينية.

أما النبي أو الوصي الذي يدّعي منصبًا إلهيًا، فله شأن آخر؛ إذ تكون المعجزة من أدلة صدق دعواه؛ لأنها آية إلهية مرتبطة بدعوى النبوة أو المنصب الإلهي.

وهنا يجب التفريق بدقة بين المعجزة والكرامة.

قد تقع الكرامة لوليٍّ صالح، وقد يقع أمر عجيب بسبب دعاء مؤمن، بل قد يرى الإنسان أثرًا عجيبًا في حياته من غير أن يكون صاحب علم أو مقام ديني خاص.

ألم يحدث أن يدعو أبٌ لولده فينجو من بلاء؟ أو تدعو أمٌّ لابنها فيُفتح له باب رزق أو تُحل له مشكلة استعصت عليه؟ فهل يلزم من ذلك أن يكون الأب أو الأم من أعلم الناس؟ أو أن يكون لهما منصب ديني؟ أو أن تصبح تلك الواقعة دليلًا على حجية قولهما في الدين؟

إنما غايتها ـ إن ثبتت ـ أن تكون لطفًا من الله واستجابةً لدعاء أو رحمةً بعبده، ولا يلزم منها إثبات رتبة علمية ولا منصب ديني.

ومن هنا، فإن تحويل الكرامات إلى معيار لتقييم العلماء يوقع العامة في خلل خطير؛ لأن الكرامة لا تعني بالضرورة حقًا، ولا تعني مقامًا علميًا رفيعًا، ولا تجعل قول صاحبها حجة في الأحكام والعقائد.

قد يكون الإنسان صالحًا، وتظهر له كرامة، ولكنه ليس فقيهًا.

وقد يكون الفقيه من كبار العلماء، ولا تُروى عنه كرامة واحدة.

فما الذي يثبت علم الفقيه؟

يثبته علمه.

يثبته بحثه.

يثبته استدلاله.

يثبته تمكنه من علوم الحوزة وأدواتها.

يثبته ما تركه من آثار علمية، وما تخرّج على يديه من أهل العلم، وما شهد له به أهل الاختصاص.

وهذه هي الطريقة التي حفظت بها الحوزات العلمية مكانة علمائها عبر القرون.

فالشيخ موسى بوخمسين نموذجًا

ومن أجمل النماذج الأحسائية التي يمكن أن نستحضرها في هذا المقام العلامة الشيخ موسى بن عبد الله بوخمسين، رحمه الله، المتوفى سنة 1353هـ.

فإن قيمة الشيخ موسى لا تحتاج إلى أن تُبنى على الحكايات الخارقة؛ فتراثه العلمي وموقعه في الحياة العلمية والاجتماعية في الأحساء يكفيان للدلالة على مكانته.

فالشيخ موسى بوخمسين نموذجًا

ومن أجمل النماذج الأحسائية التي يمكن أن نستحضرها في هذا المقام العلامة الشيخ موسى بن عبد الله بوخمسين، رحمه الله، المتوفى سنة 1353هـ.

فإن قيمة الشيخ موسى لا تحتاج إلى أن تُبنى على الحكايات الخارقة؛ فتراثه العلمي وموقعه في الحياة العلمية والاجتماعية في الأحساء يكفيان للدلالة على مكانته.

كان الشيخ موسى من أعلام المدرسة العلمية في الهفوف، وتولى الزعامة الدينية بعد عمه الشيخ محمد بوخمسين، وأعاد النشاط إلى الحوزة العلمية، وجعل لها مقرًا في المسجد الكبير، واستقطبت مدرسته طلاب العلم من الأحساء.

ولم يكن حضوره حضور واعظ فحسب، بل كان له اشتغال علمي وفقهي؛ ومن آثاره التي وصلت إلينا «تبصرة المهتدي» و«النص الجلي»، كما نُسب إليه بحث فقهي استدلالي في النية في الوضوء، وتذكر المصادر له تعليقة على رسائل الشيخ الأنصاري وأبحاثًا استدلالية في أبواب فقهية متعددة.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن نعلّمه للعامة:

لا نقول إن الشيخ موسى عالم لأنه صاحب كرامات، أو ننقل حكايات عجائز ـ رحمهم الله ـ كنّ يرَيْن فيه القدوة التامة، وكانت عاطفتهن ترجّح على عقولهن..

بل نقول: كان عالمًا لأن آثاره العلمية، ودراسته، وتدريسه، وممارسته للفقه والقضاء، وموقعه في الحوزة، وتلامذته، كل ذلك يشهد لمكانته العلمية.

بل إن المصادر التاريخية المحلية تصف عدالته ونزاهته وتورعه في الفتيا، وتذكر أن أحكامه في الخصومات كان لها نفوذ اجتماعي، حتى كان الأمير عبد الله بن جلوي يأمر بإنفاذ حكمه في القضايا التي فصل فيها.

والعالم يُعرف أيضًا بأثره في تلامذته

ومن أقوى الأدلة على رسوخ العالم أن يخرج من مدرسته علماء يحملون العلم من بعده.

وقد تتلمذ على الشيخ موسى عدد من أهل العلم، ومنهم الشيخ أحمد البوعلي، والشيخ أحمد الطويل، والشيخ حسين الصحاف، والشيخ كاظم الصحاف، والشيخ حسن المتمتمي، والشيخ حسين الشواف، والشيخ عبد الكريم الممتن، وغيرهم. كما استمرت الحوزة بعد وفاته مدةً على يد تلامذته.

ومن تلامذته الذين تكشف سيرتهم عن أثر هذه المدرسة العلامة الشيخ حسين الشواف، الذي تلقى على يديه أوليات المعارف الدينية وبعض السطوح قبل أن يواصل دراسته في النجف، ثم عُرف لاحقًا بمكانته العلمية والدينية.

وهكذا نرى أن أثر العالم الحقيقي لا يُقاس بعدد القصص التي تُروى عنه، وإنما بما علّم، وما ألّف، وما حقق، وما أسّس، وما خرّج من طلاب العلم.

لا تجعلوا الكرامة ميزانًا للحق

المشكلة تبدأ حين يقول أحدهم للعامة:

«فلان ظهرت له الكرامة الفلانية، إذن هو من كبار العلماء».

وهذا استدلال لا يصح.

فالكرامة ـ على فرض ثبوتها ـ لا تجعل صاحبها فقيهًا، ولا تجعل رأيه في المسألة الشرعية صحيحًا، ولا تثبت له مقامًا دينيًا لم يثبته الدليل.

وحتى لو ثبتت الكرامة ثبوتًا قطعيًا، فإن السؤال يبقى:

ما علاقة هذه الكرامة بالمسألة التي نريد إثباتها؟

إن كان المطلوب إثبات علم شخص، فليأتِ بعلمه.

وإن كان المطلوب إثبات اجتهاده، فليُعرف باجتهاده وأهليته.

وإن كان المطلوب إثبات رأيه الفقهي، فليُبحث دليله.

الكرامة قد تكرّم صاحبها، لكنها لا تُغني العالم عن علمه.

والعلامة الحقيقي ليس من كثرت حوله الحكايات، وإنما من كان إذا سُئل عن الدين أجاب بعلم، وإذا استدل أقام الحجة، وإذا أفتى عرف الناس مصدر فتواه، وإذا اختلف معه أهل العلم نوقش بالدليل.

وهذا ـ في تقديري ـ هو التكريم الحقيقي للعلماء.

فبدلًا من أن نقول عن عالم من علمائنا:

«كانت له كرامة عظيمة».

الأجدر أن نقول:

«كان له علم عظيم، وترك تراثًا علميًا، وأخرج طلابًا، وخدم الدين، وأقام الحجة».

وهذا هو المجد الذي لا يحتاج إلى أسطورة.

وهذا هو الإرث الذي يبقى بعد رحيل صاحبه.

رحم الله الشيخ موسى بوخمسين رحمة الأبرار، ورحم الله العلماء الأخيار، ورحم الله الماضين من المراجع الكرام، وأيّد الله بتأييده الباقين.

والسلام على من اتبع الهدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds