أقلام

المايكروفون.. من مسكه ما رحمه!

السيد جواد العبدالمحسن

في كل اجتماع، أو ندوة، أو محفل عام، يبدو أن هناك قاعدة غير مكتوبة تُحتِّم على أحدهم أن يتحول بقدرة قادر إلى “فيلسوف الزمان” لمجرد أن قطعة سوداء صغيرة (المايكروفون) قد استقرت بين يديه.

ما إن يتسلم هذا المايك، حتى تتبخر كل معايير الوقت، وتتلاشى فكرة احترام عقول الجالسين، ليبدأ عرض طويل من الثرثرة الزائدة والحشو الإنشائي وإعادة الكلمات بصيغ مختلفة، وكأن الحضور يملكون وقتاً بلا نهاية!

إننا أمام داءٍ حقيقي ومرضٍ من أمراض عصرنا قد ابتلينا به اليوم على مختلف المستويات؛ فنراه يستشري عند بعض المحاضرين، و الخطباء ، والمتحدثين في المناسبات الاجتماعية وغيرها على حد سواء وبالطبع دون تعميم، حتى لا نظلم الكل؛ فهناك قامات نادرة تعرف قيمة الكلمة وتزنها بميزان الذهب، وتدرك متى تتكلم ومتى تترجل بكرامة واحترام.

لكن الأزمة تكمن في أولئك الذين توهموا أن طول الخطبة أو الكلمة هو مقياس لأهمية الشخص، وأن غزارة الكلام دليل على عمق الفكرة، متناسين الحكمة الخالدة: “خير الكلام ما قل ودل”.

فالأسوأ من طول الحديث هو الفراغ الذي يملؤه؛ إذ يبدأ المتحدث بعبارة “لن أطيل عليكم”، لتمر بعد ذلك عشرون دقيقة من الاجترار والتكرار، والدوران في حلقة مفرغة من العبارات المستهلكة التي لا تقدم فائدة ولا تغني من جوع.

يبدو المتحدث في هذه الحالة منفصلاً تماماً عن محيطه وعما أمامه؛ فهو لا يرى لغة أجساد الحضور، ولا يلاحظ تلك التنهيدات المكتومة ولا النظرات المتكررة لساعات اليد، ولا الرغبة العارمة لدى الجميع في الختام.

كل ما يعنيه هو أن هناك صوتاً يتردد صداه في القاعة، وأن العيون مشدودة نحوه، ليتحول الهدف الأساسي للفعالية من إيصال رسالة واعية إلى مجرد حب في الظهور واستعراض للذات.

ولعلنا نسأل بمرارة:

متى يتعلم هؤلاء أن الصمت بلاغة، وأن امتلاك المايكروفون أمانة لإيصال المفيد لا فرصة لاختبار صبر الآخرين؟

إن احترام وقت الجمهور للجالسين أمامك ليس مجرد ذوق عام، بل هو أول مراتب الذكاء الاجتماعي واحترام الذات.

المايكروفون ليس منبراً لتفريغ الحديث الفائض عن الحاجة؛ بل هو أداة ذكية ونافذة ضيقة يجب أن يعبرها الكلام الرصين، الموزون، والمختصر.

فمن لا يملك ما يقوله باختصار ومضمون، عليه أن يصمت بسلام، وليدع غيره يستريح ويريح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds