أقلام

اقتصادٌ لا يغيب عنه الحساب

محفوظ الزويد

إذا كان السؤال: كيف نعيش الدنيا؟ فإن السؤال الأعمق هو: كيف نعيشها ونحن نستحضر ما وراءها؟ وكيف يتغيّر سلوكنا الاقتصادي حين نؤمن بأن المال ليس موضع كسبٍ فحسب، بل موضع حساب؟

فالإيمان بالمعاد ليس انتظارًا لحياة تأتي بعد الموت فحسب؛ إنه وعيٌ يرافق الإنسان في حياته، ويجعله يرى وراء كل كسبٍ سؤالًا، ووراء كل إنفاقٍ مسؤولية. فما يجنيه، وما ينفقه، وما يحفظه من حقوق الناس أو يضيّعه، ليس منفصلًا عن الحساب.

وهكذا لا يُخرِج الإيمانُ بالآخرة الإنسانَ من ميدان الاقتصاد، بل يغيّر نظرته إليه؛ فلا يعود الربح وحده معيار النجاح، ولا تصبح القدرة على الكسب مبرّرًا لكل وسيلة. فحين لا يغيب الحساب عن الوعي، يصبح الاقتصاد ميدانًا تُختبر فيه الأخلاق.

عندما يصبح الكسب مسؤولية

قد نسأل: كم يكسب الإنسان؟ لكن السؤال الأعمق هو: كيف كسب؟

يضع القرآن لهذا السؤال ميزانًا واضحًا:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188).

فالمال لا تتحدد قيمته بما يحققه من ربح فحسب، بل بالطريق الذي جاء منه أيضًا. وقد يزيد الإنسان ثروته، لكنه يخسر شيئًا من أمانته؛ وقد يربح في السوق، لكنه يعتدي على حق غيره.

وقد نبّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى مفارقةٍ تكشف اختلال العلاقة بالمال، حين وصف البخيل بأنه: «فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ» (شرح الغرر، 4/346). فليست العبرة بما يجمعه الإنسان في يده، بل بما يصنعه هذا المال في حياته، وبما يؤديه من حقوقه ومسؤولياته.

من هنا، يصبح الكسب أكثر من نشاط اقتصادي؛ إنه ميدان تُختبر فيه الأخلاق: في صدق التاجر، وأمانة الموظف، وعدل صاحب العمل، ووفاء الشريك، ونزاهة المستهلك. وفي كل معاملة يواجه الإنسان سؤالًا يتجاوز قدرته على الفعل إلى مسؤوليته عنه: ليس المهم أن أستطيع، بل أن يكون ما أفعله حقًّا.

وحين يدخل الإنسان إلى السوق، لا يترك أخلاقه عند الباب. فقد يبدأ الفساد بتجاوز يبدو صغيرًا: عيب يخفيه البائع، أو أجر يؤخره صاحب العمل، أو حق يستصغره المرء ظنًّا أن صاحبه لن يستطيع المطالبة به.

وقد ينجح الإنسان في الإفلات من رقابة القانون، لكنه لا يستطيع أن يجعل فعله خارج علم الله. ولعل هذا ما يكشفه تحذير القرآن من التطفيف:

﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: 1–3).

إنها ازدواجية المعيار: أن يطلب الإنسان حقه كاملًا، ثم يبخس الآخرين حقوقهم.

الحلال ليس قيدًا على الاقتصاد

إذا كانت الآخرة توقظ الضمير، فإن الحلال والحرام يرسمان الحدود الأخلاقية للحرية. فالإنسان حر في أن يعمل ويتاجر وينتج ويستثمر، لكنه ليس حرًّا في أن يجعل الظلم طريقًا إلى الثراء، أو الغش وسيلة إلى الربح، أو حقوق الآخرين مادة للاستغلال.

فالحرية الاقتصادية ليست أن نفعل كل ما نستطيع، بل أن نمارس قدرتنا في إطار الحق والعدل. إذ ليس كل ما يدرّ ربحًا مشروعًا، ولا كل ما يلقى رواجًا نافعًا، ولا كل ثروة دليلًا على عدالة الطريق الذي أفضى إليها.

ومن هنا يسبق السؤال الأخلاقي سؤال الربح:

ليس كل ما يمكن كسبه ينبغي كسبه.

حين يصبح الإنفاق استثمارًا

وإذا كانت الأخلاق تسأل عن الطريق الذي جاء منه المال، فإنها تسأل كذلك عن الوجهة التي يمضي إليها.

فالمال الذي يخرج من يد الإنسان قد يبقى أثره بعد أن يغيب صاحبه؛ إذ يتحول إلى إغاثة، أو علم، أو تكافل، أو خير يمتد نفعه إلى الآخرين. وهنا يفتح الإيمان بالآخرة أفقًا مختلفًا للإنفاق: فلا يكون المال المبذول في الخير نقصًا عابرًا فحسب، بل بذرةً يُرجى أن تمتد ثمرتها إلى ما وراء اللحظة.

قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾ (البقرة: 261).

إنها صورة تنقل الإنفاق من معنى النقص العاجل إلى معنى الثمرة الممتدة؛ فما يبذله الإنسان في الخير قد يصبح أجرًا مرجوًّا ونفعًا باقيًا. لكن قيمة الإنفاق لا تتحدد بكثرته وحدها، بل بطيب المال وسلامة القصد ووجهة البذل.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة: 267).

وهكذا تبدأ أخلاق الإنفاق من مال طيب، وتتجه إلى غاية طيبة، وتُصان فيها كرامة الإنسان.

المال أمانة، لا غاية مطلقة

يقول تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7).

لا يلغي الاستخلاف ملكية الإنسان ولا حقه في الانتفاع بماله، بل يضعهما في إطار المسؤولية. فالإنسان يملك ويتصرف، لكنه لا ينفصل عن حقوق الآخرين ولا عن الآثار التي تتركها اختياراته.

ومن هنا يتحدد جوهر المسؤولية المالية في سؤالين: من أين جاء المال؟ وإلى أين يمضي؟ الأول يكشف أخلاق الكسب، والثاني يكشف أخلاق الإنفاق. وبينهما تتشكل علاقة الإنسان بالمال: أهو وسيلة يعمّر بها حياته وينفع غيره، أم غاية تستحوذ على قلبه وإرادته؟

وليس الخطر في امتلاك المال، بل في أن تنقلب العلاقة به، فيصبح الإنسان حارسًا لما يملك، بدلًا من أن يكون المال في خدمته. وفي وصيته لكميل بن زياد، يضع أمير المؤمنين عليه السلام هذه المفارقة في عبارة بليغة: «يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ» (نهج البلاغة، الحكمة رقم 147). وهي تذكير بأن قيمة المال تتحدد بموقعه في حياة الإنسان، لا بمقدار ما يستولي عليه من فكره ووقته وإرادته.

حين يصبح الحساب حاضرًا في الضمير

قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24).

إن الإيمان بالحساب يوقظ في النفس رقابةً لا تستغني عنها رقابة القانون أو المجتمع. وليس المقصود أن يعيش الإنسان أسير الخوف من المال، بل أن يتحلى بيقظة أخلاقية ترافق قراراته.

وليست كل منفعة عاجلة مكسبًا حقيقيًّا؛ فقد يظن الإنسان أنه يُصلح دنياه حين يتنازل عن مبدأ، أو يتجاوز حقًّا، أو يبرر لنفسه وسيلة غير مشروعة، ثم يكتشف أنه أفسد من حياته أكثر مما أصلح. وفي هذا المعنى، يحذّر أمير المؤمنين عليه السلام: «لَا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لِاسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ» (شرح حكم الإمام عليه السلام، 84). فالمكسب الذي يُشترى بخسارة الضمير ليس نجاحًا مكتملًا، وإن بدا في حساب الأرقام ربحًا.

قبل أن يوقّع عقدًا، يسأل: هل فيه ظلم؟ وقبل أن يبيع سلعة، يسأل: هل أخفيت عيبًا؟ وقبل أن ينفق، يسأل: أهي حاجة حقيقية أم اندفاع عابر؟ وقبل أن يقترض، يسأل: أهذه ضرورة أم رغبة استهلاكية أستطيع الاستغناء عنها؟

هكذا يتحول الإيمان بالآخرة من اعتقاد في الغيب إلى ضمير اقتصادي حيّ؛ ضمير يجعل الإنسان رقيبًا على نفسه حين تغيب أعين الناس.

الدنيا مجال للعمل، والآخرة بوصلة الاتجاه

لا تدعو الرؤية الإسلامية إلى هجر الدنيا، بل إلى معرفة موقعها. قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 77).

تجمع الآية بين طلب الآخرة، والانتفاع بنصيب الدنيا، والإحسان، واجتناب الفساد. فليس في الإيمان ما يمنع الإنسان من العمل والإنتاج والملكية والادخار والاستمتاع بالطيبات؛ إنما المقصود ألّا تتحول الدنيا من مجال للحياة إلى غاية تستعبد إرادته.

ويظهر هذا التوازن في الاستهلاك أيضًا. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

فالمنهج الإسلامي لا يرفض الانتفاع، بل يرفض أن يتحول إلى إسراف؛ سواء أكان في شراء ما لا نحتاج إليه، أم في تقليد الآخرين، أم في تقديم المظهر على الحاجات الأهم. ليس كل ما أستطيع شراءه أحتاج إليه، وليس كل ما أرغب فيه يستحق أن أنفق عليه.

ولا يعني الاعتدال تبديد المال باسم الكرم، كما لا يجعل الادخار مذمومًا في ذاته. يقول تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).

إنه ميزان القوام: فلا إسراف يبدد الموارد، ولا تقتير يحبس المال عن الحقوق. فالادخار قد يكون تدبيرًا حكيمًا لمستقبل الأسرة واستعدادًا للظروف الطارئة، ما دام لا يتحول إلى بخل أو خوف يستولي على القلب.

ومن هنا يتكامل الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله. قال تعالى:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2–3).

فالتوكل ليس تركًا للعمل والتخطيط، بل تحرر القلب من عبودية الأسباب؛ يعمل الإنسان ويدّخر ويسعى إلى رزقه، لكنه لا يبيع كرامته، ولا يرتكب الحرام، ولا يجعل المال مصدر الأمان الوحيد في حياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds