زينب… حين انتصر الصوت بعد أن سكت السيف

يوسف الطويل
في ذكرى مولد السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، نبارك لمقام مولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف، ولجميع المسلمين بهذه المناسبة الشريفة، ولا يليق بنا أن يكون حديثنا عنها ذكرًا عابرًا أو احتفاءً عاديًا؛ فمولد العظماء يُستعاد بذكر عظمتهم، واستحضار مواقفهم، وإظهار شخصياتهم ودورهم الحقيقي في حياة الناس والأمة.
إننا حين نذكر مولد زينب، لا نحتفل فقط بقدوم شخصية عظيمة إلى الدنيا، بل نستحضر نورًا وُلد في بيت النبوة، ونستعيد سيرة امرأة صنعت من الصبر قوة، ومن الحزن رسالة، ومن المحنة طريقًا إلى حفظ الحقيقة.
قد يكون من السهل أن نتحدث عن نسبها: أبوها علي، وأمها فاطمة الزهراء، وجدها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، وأخواها الحسن والحسين عليهما السلام.
لكن السؤال الأهم ليس: من كانت أسرتها؟
بل: ماذا صنعت هذه الأسرة في زينب؟ وماذا صنعت زينب بهذه الأسرة حين جاءت ساعة الامتحان؟
وُلدت زينب في بيت لم تكن التربية فيه كلمات تُقال، بل مواقف تُعاش.
فتحت عينيها على أمها فاطمة الزهراء عليها السلام، وتعلقت بها تعلق البنت بأمها، ولكنها لم تأخذ منها حنان الأم وحده؛ أخذت منها شيئًا آخر سيظهر بعد عشرات السنين: أن يكون للمرأة موقف حين يصبح الصمت تخليًا عن الحقيقة.
وكانت الزهراء بالنسبة إلى أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله موضع حب وقرب وسكينة، حتى عُرفت بمكانتها الخاصة منه.
ثم رحلت الأم مبكرًا.
وبقيت زينب في بيت علي.
وهنا تبدأ صورة أخرى تستحق التأمل.
كأن شيئًا من فاطمة بقي يمشي في بيت أمير المؤمنين.
ابنة تعرف أباها، وتعيش همومه، وترى مسؤولياته، وتقترب من عالمه؛ ثم تقف إلى جوار أخويها الحسن والحسين، لا بوصفها أختًا في النسب فحسب، بل جزءًا من البيت الذي حمل الرسالة بأفراحها وآلامها.
عاشت مع علي، ثم عاشت مرحلة الحسن، ثم لازمت الحسين حتى آخر الطريق.
ولهذا فإن الحديث عن زينب لا ينبغي أن يبدأ من كربلاء.
كربلاء لم تصنع زينب؛ كربلاء كشفت زينب.
كشفت ما صنعته سنوات طويلة من التربية في بيت النبوة.
وهنا ربما نفهم شيئًا من معنى اللقب الذي التصق باسمها: عقيلة بني هاشم.
فالعقيلة ليست مجرد امرأة ذات نسب رفيع، بل امرأة لها مكانتها وعقلها ورأيها وهيبتها.
لكن الامتحان الأكبر لم يكن في بيت أبيها، ولا في حياة أخيها الحسن.
كان في العاشر من المحرم.
في ساعات قليلة، فقدت زينب أخاها الحسين، ورأت أهل بيتها وأصحابه صرعى، وفقدت أبناءً وأقرباء، ثم وجدت نفسها أمام نساء ثكالى وأطفال مذعورين، وإمام مريض هو الإمام علي بن الحسين عليهما السلام.
هنا انتهت المعركة العسكرية.
ولكن معركة أخرى بدأت.
وربما كانت أخطر.
لقد كان من الممكن أن تنتهي كربلاء في الصحراء.
مجموعة قُتلت، وجيش عاد، وسلطة تكتب الرواية التي تريدها.
فمن سيخبر الناس بما حدث؟
من سيقول لهم من كان الحسين؟
ومن سيكشف لهم مَن قُتل في كربلاء، ولماذا قُتل؟
هنا تقدمت زينب.
لم تحمل سيفًا.
حملت الكلمة.
ولهذا يمكن أن ننظر إليها، بلغة عصرنا، بوصفها صاحبة واحدة من أعظم المهمات الإعلامية في التاريخ الإسلامي بعد كربلاء.
لم تكن تملك صحيفة، ولا منبرًا، ولا جيشًا، ولا دولة.
كانت أسيرة.
ومع ذلك امتلكت أخطر شيء تخشاه السلطة حين تحاول صناعة روايتها الخاصة:
شاهدًا لا يخاف أن يتكلم.
في الكوفة تكلمت.
وفي مجلس ابن زياد واجهت.
ثم وصلت إلى دمشق، إلى المكان الذي يُفترض أن يكون فيه يزيد في ذروة انتصاره.
الجيش جيشه.
والحكم حكمه.
والأسرى أمامه.
والحسين قد قُتل.
بحساب القوة المادية، انتهى كل شيء.
لكن زينب قلبت السؤال كله:
مَن المنتصر فعلًا؟
وقفت الأسيرة أمام الحاكم، ولم تتحدث بلغة المنهزم.
ومن أشهر ما نُقل من خطابها ليزيد قولها:
«فكد كيدك، واسع سعيك…».
لم تكن هذه كلمات امرأة تملك جيشًا يهدد ملكه.
كانت كلمات امرأة فقدت أخاها، وتقف أسيرة أمام قاتليه، لكنها كانت ترى شيئًا أبعد من المجلس الذي تقف فيه.
كانت ترى الذاكرة.
كان يزيد يملك اللحظة.
أما زينب فكانت تراهن على التاريخ.
وهنا حدث التحول.
لقد أرادت السلطة أن يدخل الحسين التاريخ بوصفه المهزوم في معركة.
لكن خطاب زينب، ومعه موقف الإمام علي بن الحسين عليه السلام، أعاد تعريف ما جرى أمام الناس.
لم تعد القضية: جيش انتصر على مجموعة قليلة.
أصبح السؤال:
لماذا قُتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله؟
وهذا السؤال وحده كان أخطر من ألف سيف.
لأن السيف يمكن كسره.
أما السؤال إذا دخل عقول الناس، فمن الصعب قتله.
ومن هنا يمكن فهم عظمة الدور الذي قامت به زينب والإمام علي بن الحسين بعد كربلاء.
الحسين قدّم الموقف.
وهما حملا رسالته إلى الناس.
ولولا مرحلة ما بعد عاشوراء، لبقيت هناك مساحة أوسع للسلطة كي تكتب القصة بالطريقة التي تريدها.
أما زينب، فقد انتزعت منها الرواية.
ولهذا يصح أن نقول، بالمعنى الإعلامي الحديث، إن زينب كانت صوت كربلاء الأول.
كانت المراسلة التي خرجت من قلب الحدث.
والشاهدة التي لم تستطع السلطة إسكاتها.
والمتحدثة التي نقلت القضية من أرض المعركة إلى ضمير الأمة.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة:
أُخذت إلى الشام أسيرة، لكنها دخلت التاريخ منتصرة في خطابها.
وكان المطلوب من موكب الأسر أن يكون المشهد الأخير لكربلاء، فتحول إلى امتداد لها.
وكان المطلوب أن يرى الناس نساءً وأطفالًا مهزومين، فإذا بهم يسمعون خطابًا يعيد إليهم هوية الذين قُتلوا.
ومن هنا لم يعد بقاء أهل البيت في مركز الأحداث أمرًا بسيطًا على السلطة؛ فقد أصبحت كلماتهم نفسها مصدرًا لكشف ما وقع، ثم عاد الركب من الشام، وبقيت الرواية التي حملها الناجون تنتشر بين الناس.
لقد انتهت واقعة كربلاء عسكريًا في يوم واحد.
لكن زينب جعلتها تبدأ في اليوم التالي.
وهذه، في تقديري، واحدة من أعظم دلالات شخصيتها.
فهي لم تكن مجرد أخت بكت أخاها.
ولو كانت كذلك، لكان حزنها وحده كافيًا ليخلد اسمها.
لكنها فعلت ما هو أبعد.
حوّلت الحزن إلى موقف، والمصيبة إلى رسالة، والأسر إلى منبر.
وهنا نعود إلى طفولتها.
إلى فاطمة.
إلى علي.
إلى الحسن.
إلى الحسين.
فنكتشف أن زينب لم تكن شخصية ظهرت فجأة في كربلاء.
كانت حصيلة بيت امل.
من فاطمة أخذت ذلك الحضور الذي لا يفصل العاطفة عن الموقف.
ومن علي أخذت قوة البيان والثبات.
ومع الحسن عاشت الحكمة والصبر.
ومع الحسين بلغت المدرسة امتحانها الأخير.
حتى إذا غاب الرجال الذين أحاطوا بطفولتها واحدًا بعد آخر، وقفت زينب وحدها تقريبًا، تحمل ذاكرة البيت كله.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لمولدها.
فنحن لا نحتفل فقط بمولد ابنة علي وفاطمة.
نحن نستذكر مولد صوت.
صوت بدأ في بيت النبوة، ثم احتاجته كربلاء حين سكتت السيوف.
لقد استطاع جيش أن يقتل الحسين.
لكنه لم يستطع أن يجعل الحسين مجهولًا.
لأن وراء الحسين…
كانت زينب.
السلام على عقيلة بني هاشم يوم وُلدت، ويوم وقفت، ويوم صبرت، ويوم حملت صوت أخيها من كربلاء إلى العالم.




