اقتصادٌ يحفظ الكرامة

الشيخ محفوظ الزويد
قد يزدهر الاقتصاد، وتتضاعف الثروات، وتتسع الأسواق، وتُسجَّل الأرقام القياسية في الإنتاج والأرباح، ومع ذلك يبقى سؤالٌ يستحق أن نتوقف عنده:
هل يعني ازدهار الاقتصاد بالضرورة أن الإنسان يعيش حياةً أفضل؟
قد ترتفع الأرباح بينما يعاني العامل من ضيق المعيشة، وقد تتراكم الثروات بينما يقف المحتاج عاجزًا عن تأمين ضروراته، وقد تنجح المؤسسات في تحقيق أهدافها المالية، لكنها تخفق في احترام الإنسان الذي تقوم أعمالها على جهده ووقته.
هنا تتجاوز المسألة حدود الأرقام والحسابات، لتلامس سؤالًا أعمق:
ما الذي يجعل الاقتصاد جديرًا بأن يخدم الإنسان؟ أهو ما ينتجه من ثروة فحسب، أم ما يصونه من كرامة، وما يتيحه من حياةٍ لائقة، وما يقيمه من توازنٍ بين المصالح والحقوق؟
الإنسان قبل الأرقام
حين نعود إلى الرؤية القرآنية، نجد أن الإنسان لا يستمد كرامته من رصيده المالي، ولا من مهنته، ولا من مكانته الاجتماعية؛ بل ينطلق النظر إليه من أصل التكريم الإلهي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ \[الإسراء: 70\].
إنها حقيقة تتجاوز حدود الاعتراف النظري بقيمة الإنسان؛ لتصبح أساسًا ينبغي أن ينعكس على طريقة التعامل معه في مختلف مجالات الحياة، ومنها العمل والإنتاج والكسب والتبادل المالي.
فالعامل ليس مجرد يدٍ تنتج، ولا الموظف رقمٌ في سجل المؤسسة، ولا المستهلك فرصةٌ لتحقيق الربح، ولا الفقير إنسانٌ فقد قيمته لأنه لم يمتلك ما يمتلكه غيره. إن وراء كل معاملة إنسانًا له حاجاته وحقوقه وآماله، وله كرامة لا يجوز أن تتحول إلى ثمنٍ تدفعه حاجته الاقتصادية.
ومن هنا، فإن السؤال عن نجاح الاقتصاد لا ينفصل عن السؤال عن الإنسان:
كيف يُعامل؟ وما الفرص المتاحة أمامه؟ وهل يستطيع أن يعمل ويكسب ويعيش من غير أن يُهان أو يُستغل؟
حين يصبح المال مقياسًا لقيمة الإنسان
من أخطر ما قد يصيب الحياة الاقتصادية أن يتسلل المال من كونه وسيلةً للعيش والعمران إلى أن يصبح مقياسًا لقيمة الإنسان نفسه. عندئذٍ يُحترم الغني لغناه، ويُنظر إلى الفقير من خلال حاجته، ويُقاس النجاح بما يملكه المرء، لا بما يتحلى به من نزاهةٍ ومسؤولية، ولا بما يقدمه من نفعٍ للآخرين.
لكن القرآن الكريم يضع ميزانًا مختلفًا، حين يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ \[الحجرات: 13\].
بهذا الميزان، لا يكون الغنى دليلًا كافيًا على رفعة صاحبه، كما لا يكون الفقر علامةً على نقص قدر الإنسان. فالمال قد يكون وسيلةً للإحسان والبناء، وقد يتحول إلى أداةٍ للاستعلاء والاستغلال؛ والفقر قد يضيّق على الإنسان سبل الحياة، لكنه لا يسلبه إنسانيته، ولا يبيح لأحدٍ أن ينتقص من شأنه.
وليس المقصود التقليل من أهمية الثروة أو إنكار أثرها في تحسين الحياة؛ فالإنسان يحتاج إلى المال ليؤمّن حاجاته، ويرعى أسرته، ويطوّر قدراته. وإنما المقصود أن نضع المال في موضعه الصحيح: أن يكون خادمًا للحياة، لا ميزانًا لكرامة الإنسان.
المعيشة الكريمة ليست ترفًا
إن تكريم الإنسان لا يكتمل بالكلمات الجميلة إذا كان عاجزًا عن الحصول على ضروراته الأساسية، أو مضطرًا إلى قبول الإهانة كي يحفظ مورد رزقه. فالكرامة ليست معنى مجردًا منفصلًا عن شروط الحياة؛ إنها تحتاج إلى ما يصونها في الواقع، من غذاءٍ ومسكنٍ وأمنٍ وفرص عمل، ومن معاملة عادلة تحفظ للإنسان حقه في كسبه وجهده.
ويذكّرنا القرآن الكريم بنعمة المعايش التي هيّأها الله للإنسان في الأرض، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ \[الأعراف: 10\].
إن المعيشة ليست مجرد بقاءٍ على قيد الحياة؛ بل هي قدرة الإنسان على أن يعيش حياةً تحفظ إنسانيته، وتتيح له العمل والإسهام، وتعينه على رعاية من يعول. ولذلك لا ينبغي أن يكون توفير الضرورات الأساسية، أو صيانة حق العامل في أجره، أو حماية المحتاج من الاستغلال، أمورًا هامشية في التفكير الاقتصادي؛ فهي تمسّ الغاية الإنسانية التي ينبغي أن يوجّه إليها النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تكتسب كلمة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر معناها الإنساني العميق:
«النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».
فهي تذكّر بأن اختلاف الناس في الدين أو الموقع أو المصلحة لا يبرر إسقاط مقتضيات الإنسانية عن أحدهم، ولا يبيح أن تتحول القوة إلى وسيلةٍ لامتهان الضعيف.
اقتصادٌ يحفظ الإنسان
إن الاقتصاد الذي يجعل الإنسان غايةً من غاياته لا يعادي الربح، ولا ينتقص من قيمة الإنتاج، ولا ينكر حق الفرد في التملك والكسب؛ بل يضع هذه المصالح ضمن إطارٍ أوسع، يحفظ الحقوق ويمنع الظلم ويوازن بين المصلحة الخاصة والمسؤولية تجاه الآخرين.
فليس السؤال أن يربح الإنسان أو لا يربح، بل أن يكون ربحه من غير اعتداء على حق غيره. وليس المطلوب أن يتساوى الناس في كل ما يملكون، بل ألا تتحول الفوارق في الثروة إلى مبررٍ للتفاوت في الكرامة، أو إلى بابٍ لاستغلال الحاجة وإهدار الحقوق.
ولعل البداية الحقيقية لأي إصلاح اقتصادي ليست في الأرقام وحدها، بل في النظرة التي تحكمنا إلى الإنسان: هل نراه قيمةً تستحق الاحترام، أم وسيلةً تُقدَّر بقدر ما تمنحه من منفعة.
حين تصبح كرامة الإنسان مقياسًا للاقتصاد، لا يعود النجاح مجرد ثروةٍ تتراكم، بل يصبح حياةً تُصان، وحقوقًا تُحفظ، وفرصًا تُتاح، وإنسانًا يستطيع أن يعمل ويكسب ويعيش مرفوع الكرامة. عندئذٍ يغدو المال وسيلةً للعمران، ويستعيد الاقتصاد معناه الأعمق: أن يخدم الحياة، لا أن يجعل الحياة كلها في خدمة المال.
الخاتمة:
إنّ المعيار الحقيقي لازدهار الاقتصاد ليس ما تبلغه الثروات من أرقام، بل ما تبلغه حياة الإنسان من كرامةٍ وأمانٍ وإنصاف.
فالمال الذي لا يصون حقًّا، ولا يرفع ظلمًا، ولا يفتح للإنسان بابًا إلى حياةٍ كريمة، قد يحقّق ربحًا في الحساب، لكنه لا يحقّق الغاية الإنسانية التي ينبغي أن يتّجه إليها الاقتصاد.
ولعلّ أبلغ ما يختصر هذه الرؤية قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ \[الإسراء: 70\].
فإذا كان الإنسان مكرّمًا عند الله، وجب ألّا تتحوّل حاجته إلى وسيلةٍ لاستغلاله، ولا عمله إلى ذريعةٍ لامتهانه، ولا فقره إلى سببٍ للانتقاص من شأنه. ذلك هو الاقتصاد الذي يستحقّ أن نزدهر به: اقتصادٌ تنمو فيه الثروة، من غير أن تنكمش الكرامة، وتتّسع فيه المصالح، من غير أن تضيق مساحة العدل والإنسانية.




