أقلام

مَنَاقِبِكَ

أمير الصالح

المناقب هي الآثار الطيبة التي يصنعها ويحملها الإنسان، ويتناقل سردها وروايتها والتحدث عنها وكتابتها جيلًا بعد جيل، لما لتلكم المناقب من أثر جميل في النفوس، وتحفيز الآخرين لمحاكاة نماذج قدوة يُحتذى بها. باختصار، المناقب هي الصفات الحميدة، والفضائل، والأخلاق الشريفة، وعكسها المثالب والمعايب. كل إنسان في هذا الكوكب لديه اعتداد بنفسه، ولكن القليل منهم يترك مناقب جميلة يُعتد بها عند العقلاء، وتُروى عبر الأجيال، كما هي مناقب الرسول الأعظم محمد (ص)، أو مناقب الإمام علي (ع). فهل الإنسان العادي ليس لديه مناقب وآثار تُروى عنه؟!

حوار

اجتهد جهابذة البشر والفلاسفة والعلماء والفصحاء والكتاب والرواة وأصحاب المال والسلطة والفرسان في صنع مناقب حسنة لهم، بحيث يتم تدوينها في كتب التاريخ أو تتناقلها ألسن الناس عبر الأجيال. إلا أن كتب التاريخ دوّنت وتدوّن القلة القليلة من الناس، والباقي من أولئك تلاشت جهودهم أو تتلاشى مع انحسار نفوذهم أو انحسار أموالهم أو برحيلهم.

في زمن ثورة التقنية والاتصالات، هذا الزمن، أضحت تطبيقات السناب شات والتيك توك والإنستغرام والفيس بوك ميادين خصبة لإبراز عدد كبير من الفتيان والفتيات والمراهقين والمراهقات، وبعض صغار الناس أو كبارهم أو عامة الناس، أنفسهم، عبر نشر صور ملابسهم ومفاتنهم ويومياتهم وسفراتهم وطعامهم ورحلاتهم وأعراسهم وممتلكاتهم وفللهم وولائمهم. ووصل الترويج عند بعضهم لأنفسهم حد الغثيان والصداع. حتى إن بعضهم/بعضهن ينشرون غسيل مشاكلهم الأسرية ما قبل الزواج وأثناء الزواج وبعد الانفصال. تخيل عجوزًا شمطاء أو فتاة متحررة أو رجلًا متحررًا يذيع/يذيعون أسرار غرفة نومهم أمام الناس بعد الانفصال كمحتوى رقمي! أي وحل وهرج ومرج وقع فيه البعض. أتمنى أن يتم حجب مواقع أولئك من الإنترنت.

ولكن كل تلك المواد والكميات الإعلامية المهولة، وعلى مدى عدة سنوات، لم تترك منقبة لهم، وإن كثر عدد المداحين لهم ممن استفادوا منهم أو استغلوهم!

الإنسان الصالح

من مناقب الزوج الصالح التي يتم امتداحه بها من زوجته أو أبنائه أو أقربائه وأنسابه: حسن التبعل، وحفظ كرامة أفراد أسرته، والدعم السخي مع البذل المالي والعاطفي دون منٍّ أو أذى، وعدم التسبب في الأذى لزوجته وأهله طوال حياته، والكرم، وجميل الألفاظ، وتجنب مواطن الشر. لك أن تقارن هذا بذاك الرجل البعيد عنا وعنكم، ممن تشتكي منه زوجته أو أبناؤه، ويستنجدون بالأقرباء أو الغرباء لينقذوهم منه!

وحتماً، عندما يرحل المحسن لأفراد أسرته أو المسيء لها، فإن المشاعر نحو أيٍّ منهما مختلفة تمامًا. فذاك المحسن لأهله سيتحدثون عنه أمام الناس بالحسنى، ويذكرون المناقب الجميلة، والشخص الآخر المسيء سيتحدثون عنه أهله بالسوء، مهما تم إخفاء الحقيقة، ولو بعد حين.

لذلك نرى ضرورة المبادرة بالامتنان لأهل الإحسان، وتفادي نكران الجميل.

فمن جميل الطباع أن يبادر كل شخص يتلقى كلمة جميلة أو تحفيزًا طيبًا أو هدية أو إعانة بالشكر والعرفان، لضمان استمرار المعروف في الوسط الاجتماعي، وتخصيب تربة التحفيز والعطاء.

تشويه صُنّاع المناقب بعد سرقتها

لم يعد سرًّا أن تسمع أو تقرأ أخبارًا عن سرقة رواية من كاتبها الأصلي، أو سرقة براءة اختراع أو تصاميم هندسية أو تجيير مقترح مبادرات هادفة أو انتحال اسم ناشر، أو… أو… إلخ؛ إلا أن الجديد أن بعض السُّرّاق يتمادون، بعد سرقتهم، على أصحاب المناقب من أهل الفضائل، سواء مناقب علم أو شجاعة أو كرم أو عدل أو تقوى أو تبرع سخي أو تبنّي مبادرات، إلى الجرأة في تشويه أصحاب المناقب الأصليين!

في زمن عولمة انتشار الرذيلة بكل أصنافها، أصبح عدد كبير من الناس يخشى أن يبادر في التصدق أو العطاء أو حتى الابتسامة في وجه أطفال أو مد يد العون لعابر السبيل، مهما بَعُد أو قَرُب، لما قد يترتب على ذلك الصنيع من آثار غير محمودة العواقب!

حتى أضحى الإنسان الجيد والمبادر ينصح أقرباءه المسافرين أو المبتعثين أو السائحين بتجنب الابتسامة في وجه أي طفل أجنبي، وتجنب مد يد العون للمسن الأجنبي، لما قد يُدخلهم هذا الصنيع في دهاليز غير محمودة العواقب!

عدد مناقبك

يُدرج أغلب الناس السمات التالية ضمن أطر المناقب:

الكرم

الإيثار

التضحية

الشجاعة

الأمانة

الوفاء

الجود

الوعي

بشاشة الوجه

حسن المعاملة

لين الجانب

العدل

المبادرة

العطاء

التفاؤل بالخير

حسن الحديث والكلم… إلخ. ولكن أيُّها أعظم منقبةً من وجهة نظرك؟

خاتمة

ملايين البشر دخلوا الدنيا ورحلوا، ولم يتركوا أثرًا ولا كتابًا ولا علمًا ولا منقبةً عابرةً للأجيال، فهل أولئك معدومو المناقب؟ حتمًا، الجواب: كلا؛ لأن إمكانيات الناس تختلف، ونطاقات انتشار أثرهم تتفاوت، إلا أن الله هو من يعرف حقيقة مناقبهم وخصالهم. ولعل أكبر منقبة للإنسان، حسب رأيي، هي منقبة ترويض النفس على الطاعة والقناعة، من خلال ترجمة ذلك في السلوك مع الأبوين والزوجة والأولاد والجيران؛ وتحصينها من الكفر والشرك والرذيلة والدناءة والشح والنفاق والرياء والابتذال والانزلاق، عبر تجنب مواطن الشبهة وأصدقاء السوء ونكران الجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds