أقلام

واحدا لا كالأعداد

أحمد الطويل

مقدمة:

حين يصبح السؤال عن الواحد سؤالًا عن الوجود.

إذا كان الله واحدًا، فهل نعني أنه واحد كما يكون الكتاب واحدًا، والإنسان واحدًا، والشمس واحدة؟

قد يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى؛ فنحن نستخدم كلمة «واحد» كل يوم من دون أن نتوقف عند معناها. لكن حين نتحدث عن الله، لا يعود الأمر بهذه البساطة؛ لأننا لا نتحدث عن شيء من الأشياء، بل عن واجب الوجود الذي انتهينا إليه في رحلتنا السابقة، وعن الخالق الذي لا يشبه مخلوقاته، كما حاولنا أن نفهم في المقالة الثالثة.

بدأنا من وجودنا الذي لا نستطيع إنكاره، ثم تساءلنا عن حقيقة هذا الوجود، وعن افتقار الموجودات إلى ما يمنحها إياه. وقادنا ذلك إلى الإيمان بواجب الوجود، الذي لا يستمد وجوده من غيره. ثم حاولنا أن نفهم كيف نتحدث عنه من دون أن نجعله شبيهًا بما نعرفه من الأشياء.

لكن الوصول إلى فكرة واجب الوجود لا ينهي الرحلة، بل يفتح أمامنا سؤالًا أعمق: إذا كان الله واجب الوجود، فهل يمكن أن يكون هناك أكثر من واجب للوجود؟ وإذا كان الله واحدًا، فهل وحدانيته مجرد إجابة عن سؤال العدد، أم أنها تكشف عن حقيقة أعمق في معنى الوجود نفسه؟

حين لا تعني كلمة «واحد» ما اعتدناه

حين نقول إن لدينا كتابًا واحدًا، فإننا نميّزه عن كتاب ثانٍ وثالث. وحين نقول إن في الغرفة مصباحًا واحدًا، فإننا نتحدث عن عدد يمكن أن يزيد أو ينقص. هذه هي الوحدة العددية التي نعرفها في حياتنا: شيء واحد بين أشياء يمكن أن تتعدد.

تأمل هذا الكتاب الواحد قليلًا. إنه واحد، مع أنه يتكوّن من صفحات كثيرة، وقد يجتمع مع آلاف الكتب التي تشاركه النوع نفسه. والإنسان الواحد له جسد وأعضاء وصفات، مع وجود بشر آخرين يشتركون معه في الإنسانية. فوحدة الشيء لا تعني بالضرورة أنه غير مركّب، ولا تمنع وجود أمثال له.

إننا نعرف الوحدة عادةً من خلال التمييز بين شيء وشيء: هذا كتاب، وذاك كتاب آخر؛ هذا إنسان، وذاك إنسان آخر. وحين ننقل طريقة التفكير نفسها إلى الله، قد نتصوره فردًا أعظم داخل مجموعة من الأفراد، أو كائنًا يشارك غيره في حقيقة عامة ثم يتميز عنه بصفة أو خصوصية.

وهنا ينبغي أن نتوقف. فليس كل ما يصح في الأشياء يصح في الخالق بالطريقة نفسها.

حين نقول إن الله موجود، لا نعني أنه موجود بالطريقة التي يوجد بها الكتاب أو الإنسان؛ فالاشتراك في كلمة «الوجود» لا يجعل كيفية وجود الأشياء متماثلة. وكذلك حين نقول إن الله واحد، لا يلزم أن تكون وحدانيته مماثلة لوحدانية الأشياء من جميع الجهات.

ليس المقصود أن كلمة «واحد» تفقد معناها حين نتحدث عن الله، بل أن نفهمها في ضوء ما انتهينا إليه بشأنه. فإذا كان الله واجب الوجود، الغني عن كل ما سواه، فلا يصح أن نتصوره مجرد فرد ضمن مجموعة من الحقائق المستقلة التي تشترك في الوجود ثم تتمايز فيما بينها.

لكن لماذا؟ وما العلاقة بين الغنى المطلق والوحدانية؟

واحدٌ لا يفتقر إلى ما به قوامه

لنتأمل بيتًا نعرفه جيدًا. فالبيت قائم من جدران وسقف وأرضية، تنتظم أجزاؤه في صورة معينة. وهو يعتمد على أجزائه وعلى اجتماعها وترابطها؛ فلا تكفي الأجزاء المتفرقة وحدها لتكون بيتًا ما لم تنتظم على نحو يحقق هذا البناء.

يكشف لنا المثال عن معنى مهم: ما كان مركّبًا يتوقف، من جهة تركيبه، على أجزائه وعلى ما يجعلها مؤتلفة في حقيقة واحدة. وليس المقصود أن كل تركيب يشبه تركيب البيت، أو أن كل ما يتألف من أجزاء مادية فحسب هو موضع البحث؛ فالتركيب في الفلسفة أوسع من ذلك، وقد يكون افتقارًا إلى عناصر أو جهات تتوقف عليها حقيقة الشيء.

وحين نعود إلى واجب الوجود، يصبح السؤال أعمق. فنحن لا نتحدث عن موجود استمر طويلًا أو لم نعرف له بداية، بل عن موجود لا يستمد أصل وجوده من غيره. فإذا كانت ذاته، في أصل حقيقتها، متوقفة على أجزاء أو على ما يضمّ هذه الأجزاء ويمنحها وحدتها، فكيف تكون غنية عن كل ما سواها؟

من هنا تظهر الصلة بين وجوب الوجود والبساطة الإلهية. فبساطة الله لا تعني قلة المعنى أو خلو الذات من الكمالات، بل تعني، في هذا البحث الفلسفي، أن ذاته ليست مركّبة على نحو يجعلها مفتقرة إلى أجزاء أو إلى ما يكمّل حقيقتها. فالغنى المطلق لا ينسجم مع افتقار الذات إلى ما تتقوّم به.

وهذا مدخل إلى فهم البساطة الإلهية، وليس تفصيلًا لجميع براهينها، كما أن البحث في بساطة الذات وعلاقة الصفات الإلهية بها يحتاج إلى معالجة مستقلة.

لكن الفكرة التي نحتاج إليها هنا هي أن مفهوم الغنى المطلق يدعونا إلى استبعاد كل ما يجعل حقيقة واجب الوجود متوقفة على غيرها.

ومع ذلك، لم نصل بعد إلى الوحدانية. فقد يسأل سائل: لِمَ لا يكون هناك واجبا وجود، كلٌّ منهما بسيط ومستقل عن الآخر؟ ألا يمكن أن يكون كلاهما غنيًّا عن غيره، من دون أن يحتاج أحدهما إلى الثاني؟

هنا نصل إلى قلب المسألة.

هل يمكن أن يتعدد واجب الوجود؟

لنفترض، من أجل البحث، وجود حقيقتين، كلٌّ منهما واجب الوجود بذاته، لا يستمد أيّ منهما وجوده من الآخر.

لا يكفي عندئذ أن نطلق عليهما اسمين مختلفين لنثبت أنهما حقيقتان متمايزتان؛ فالاختلاف في الأسماء لا يصنع اختلافًا في الواقع. لا بد أن نسأل: ما الذي يجعل الأول غير الثاني؟

إذا كانا متمايزين حقًا، وجب أن يكون هناك ما يفسّر تمايزهما. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: هل يمكن أن تكون هناك حقيقتان مستقلتان استقلالًا مطلقًا، مع وجود ما يميّز كلًّا منهما عن الأخرى، من دون أن يستلزم هذا التمايز حدًّا أو تركيبًا أو افتقارًا يناقض وجوب الوجود؟

لنفترض أن لكل منهما حقيقة لا توجد في الآخر، أو خصوصية تميّزه عنه. عندها نحتاج إلى فهم طبيعة هذه الخصوصية: هل هي جزء من حقيقة كل منهما، أم صفة عارضة عليها، أم أمر آخر لا يستلزم تركيبًا ولا افتقارًا؟

فمجرد وجود التمايز لا يكفي وحده لإثبات النقص، وإنما ينبغي أن نبيّن ما إذا كانت كيفية هذا التمايز تنسجم مع الاستقلال المطلق الذي نفترضه في واجب الوجود.

في أحد المسالك الفلسفية لإثبات الوحدانية، يُبحث الأمر من هذه الجهة: إذا استلزم تعدد واجب الوجود تمايزًا لا يمكن تفسيره إلا بما يناقض بساطته أو غناه المطلق، امتنع التعدد؛ لأن ما يقتضي الافتقار لا ينسجم مع ما لا يفتقر إلى غيره.

لكن هذه النتيجة تتوقف على إثبات أن التمايز بين واجبين مفترضين يستلزم فعلًا ذلك النوع من الافتقار، وهذه هي النقطة التي تحتاج إلى البرهان، لا إلى مجرد التأكيد.

إن أهمية هذا السؤال أنه ينقلنا من الحديث عن عدد الآلهة إلى البحث في حقيقة الاستقلال نفسه. فليس المطلوب أن نتخيل إلهين ثم نقرر أن الصورة غير مألوفة، بل أن نفحص إمكان وجود حقيقتين، كلٌّ منهما واجب بذاته، ونرى هل يمكن تفسير تعددهما من دون أن يتعارض مع معنى وجوب الوجود.

وهكذا نبدأ في إدراك أن وحدانية الله ليست مجرد مسألة حسابية؛ إنها متصلة بفهمنا للوجود الذي لا يستمد حقيقته من غيره، وللغنى الذي لا يترك في أصل الذات موضعًا للافتقار.

من البرهان العقلي إلى أفق القرآن

حين ننتقل إلى القرآن الكريم، نجد أن التوحيد لا يُطرح باعتباره إجابة عددية عن سؤال: كم إلهًا يوجد؟ بل يتصل بالتعرّف إلى الله الأحد الصمد، الذي لا مثيل له ولا يفتقر إلى غيره.

يقول تعالى في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

إن وصف الله بأنه «أحد» يضعنا أمام وحدانيته، أما «الصمد» فيحمل في التفسير الإسلامي معاني الغنى والكمال والافتقار إليه، إلى جانب دلالاته التفسيرية الأخرى.

وهنا نلمح صلة بين التأمل الفلسفي في واجب الوجود والمعنى القرآني: الله ليس موجودًا يستمد وجوده من سواه، ولا كائنًا يقف ضمن مجموعة من الكائنات المتشابهة.

ويقول تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].

تدعونا الآية إلى التأمل في وحدة تدبير السماوات والأرض. فإذا افترضنا آلهة متعددة، لكل منها السيادة النهائية في الإرادة والتدبير، برز سؤال عن إمكان تعارض إراداتها: ماذا لو أراد أحدها أمرًا وأراد الآخر نقيضه؟ وكيف يستقيم التدبير إذا تعددت الإرادات المستقلة التي لكل منها الحكم النهائي؟

يساعدنا هذا التأمل على فهم جانب من الحجة المتعلقة بوحدة التدبير، لكنه لا يطابق تمامًا البحث الفلسفي في استحالة تعدد واجب الوجود؛ فلكل منهما طريقته في الاستدلال، وإن التقيا في موضوع التوحيد.

وهكذا يتجاوز التوحيد مجرد نفي الشريك بالعدد، ليكون بحثًا في وحدانية الله، وغناه عن كل ما سواه، ووحدة تدبيره. فالإيمان بوحدانيته لا ينفصل عن محاولة فهم ما نعنيه حين نقول إنه الخالق الذي لا يفتقر إلى غيره، ولا يشبه شيئًا من خلقه.

ماذا تعني هذه الحقيقة لنا؟

قد يسأل أحدنا: ما الذي يتغير في حياتي إذا فهمت أن الله واحد لا كالأعداد؟ أليس التوحيد أمرًا نؤمن به ونردده في صلاتنا، فلماذا نحتاج إلى كل هذا البحث؟

إن التفكير في هذه المسائل لا يهدف إلى تحويل الإيمان إلى مصطلحات فلسفية، ولا إلى جعل الإنسان يشعر بأنه مطالب بحل كل المسائل العميقة حتى يعرف ربّه. لكنه يساعدنا على مراجعة تصوراتنا، حتى لا نتعامل مع الله في أذهاننا كما لو كان فردًا أعظم داخل العالم، أو كائنًا يملك بعض الكمالات التي نعرفها ولكن بدرجة أعلى.

حين نفهم أن الله غني عن كل ما سواه، وأن افتقارنا إليه ليس افتقارًا عابرًا، بل افتقار في أصل وجودنا واستمرارنا، تتغير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم.

فنحن لا نمنح أنفسنا الوجود، ولا نملك أن نجعل وجودنا مستقلًا عمّن أوجدنا وأبقى حياتنا. ومع ذلك، لا يعني افتقارنا أن وجودنا بلا قيمة؛ فلنا إرادة ومسؤولية، وأفعالنا لها آثارها، لكننا لسنا أصل وجودنا ولا مصدر كل ما نملك.

وهنا يعود التمييز الذي أكدناه في المقالة الثالثة: افتقار المخلوق إلى الله لا يعني أنه جزء من ذاته، ولا أن العالم هو الله في صورة متعددة. فالمخلوقات تعتمد عليه في وجودها، لكن اعتمادها عليه لا يجعلها عين ذاته.

الخالق واحد، والعالم مخلوق، وافتقار العالم إلى خالقه لا يلغي التمييز بينهما.

ولعل إحدى ثمار التأمل في التوحيد أن نرى العالم بكل ما فيه من جمال واختلاف، من دون أن نخلط بينه وبين خالقه؛ وأن ندرك افتقارنا إلى الله من دون أن نتوهم أننا مستقلون عنه، أو أننا أجزاء من ذاته.

فوحدة المصدر لا تعني تطابق الموجودات، وكثرتها لا تعني استقلالها عن مصدر وجودها.

وهنا ينفتح أمامنا سؤال جديد. فنحن لا نرى عالمًا واحدًا متشابهًا في جميع أجزائه، بل عالمًا تتنوع فيه الموجودات: بشرًا ونجومًا وأرضًا وبحارًا، وأشياء تتفاوت في صفاتها وقدراتها وأحوالها.

وإذا كان الخالق واحدًا، وكانت هذه الموجودات جميعًا مفتقرة إليه، فكيف نفهم كثرتها؟ وكيف تكون مختلفة بعضها عن بعض، مع أنها لا تستقل عنه في أصل وجودها؟

إن وحدانية الخالق لا تعني أن المخلوقات يجب أن تكون متطابقة، كما أن كثرتها لا تعني أنها مستقلة عنه. فالوحدة هنا وحدة المصدر، لا تماثل الآثار؛ والكثرة في العالم لا تنقض وحدانية خالقه، بل تفتح أمامنا سؤالًا عن كيفية صدور هذا العالم المتنوع عن الخالق الواحد، مع بقاء كل مخلوق متميزًا عنه ومفتقرًا إليه.

وهنا تبدأ الخطوة التالية في رحلتنا: إذا كان الخالق واحدًا، والعالم كثيرًا، فكيف نفهم هذه الكثرة من دون أن نجعلها مستقلة عن مصدرها، أو نخلط بينها وبين خالقها؟

يتبع في المقالة الخامسة: «الكثرة التي تفتقر إلى الواحد».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى