أقلام

لم تكن النهاية…بل البداية

أحمد الطويل

مقدمة: ليس كل خروجٍ خسارة، وليس كل ابتعادٍ عن مكان ألفناه نهايةً لحكايتنا. فقد يجد الإنسان نفسه يومًا خارج المكان الذي اعتاد أن يكون فيه، مجردًا من كثير مما كان يملكه، محاطًا بالقلق والأسئلة، لا يعرف إلى أين تمضي به الأيام. وقد يظن أن ما حدث له انكسار لا جبر بعده، أو أن الأبواب التي أُغلقت في وجهه لن تفتح له أبوابًا أخرى.

لكن الحياة تعلمنا أن أحكامنا على الأحداث كثيرًا ما تكون متعجلة؛ فما نراه اليوم خسارة قد تتكشف لنا غدًا جوانب أخرى منه، وما نظنه نهاية قد يكون بداية طريق لم نكن نعرف أنه ينتظرنا.

وقد استوقفتني هذه الفكرة وأنا أتابع نقاشًا دار بين مجموعة من الزملاء المهندسين حول نبي الله موسى عليه السلام. بدأ النقاش بسؤال عن المهر الذي اتفق عليه موسى مع الرجل الصالح في مدين، مقابل أن يعمل لديه ثماني حجج، فإن أتم عشرًا فمن عنده. ودار الحديث حول قيمة هذا العمل لو حسبناه بمقاييس زماننا، وهل يمكن أن يكون مهرًا بملايين اليوم؟

لكن الحوار تجاوز حساب الأجر والسنوات، ليلتفت أحد الزملاء إلى جانب آخر من الحكاية، فقال عبارة قصيرة لخصت المشهد كله: “هو الرابح”.

كانت عبارة تستحق التأمل؛ فالرجل الذي خرج من مصر خائفًا يترقب، تاركًا وراءه حياة عرفها، وصل إلى مدين غريبًا لا يعرف فيها أحدًا، ثم وجد فيها مأوى وأهلًا وزوجة وعملًا وأمانًا.

ومن هنا برز السؤال في ذهني: هل نقيس الربح والخسارة بما نملكه في لحظة معينة، أم بما يمكن أن تؤول إليه رحلتنا بعد ذلك؟ وكم من إنسان ظن أنه فقد كل شيء، بينما كانت الحياة تفتح له بابًا جديدًا لم يكن يراه؟

من القصر إلى المجهول

تبدأ الحكاية في مصر، حين وقعت حادثة قتل القبطي على يد موسى عليه السلام، ثم بلغه تحذير أحد الرجال من تآمر الملأ عليه، ونصحه بالخروج. عندها غادر مصر خائفًا يترقب، متجهًا نحو مدين.

يصف القرآن الكريم تلك اللحظة بقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21].

تأملوا المشهد: موسى الذي نشأ في بيت فرعون، وعاش في محيط القصر، يجد نفسه فجأة في رحلة غربة لا يعرف نهايتها. لم يكن يعلم أين سيستقر، ولا كيف سيدبر شؤون حياته، ولا متى تنتهي تلك المحنة.

انتقل من حياة القصر إلى طريق المجهول، ومن محيط اعتاد فيه وجود من حوله إلى واقع يواجه فيه ظروفًا لم يخترها.

وهنا يبرز معنى يتكرر في حياة كثير من الناس: قد تتغير مواقعنا، وتتبدل ظروفنا، ونغادر أماكن كنا نظن أننا سنبقى فيها طويلًا. وقد نفقد منصبًا أو وظيفة أو مكانة اجتماعية ارتبطت بها صورتنا عن أنفسنا، فنشعر كأننا فقدنا قيمتنا معها.

لكن قيمة الإنسان لا تختصرها وظيفة، ولا يحددها منصب، ولا يصنعها المكان الذي يشغله. فهذه كلها أحوال تتغير، أما ما يحمله في داخله من إيمان وخلق وأمانة وقدرة على النهوض، فهو زاده الحقيقي في تقلبات الحياة.

حين لا تملك إلا التوجه إلى الله

وصل موسى عليه السلام إلى مدين بعد رحلة من التعب والغربة، ووجد عند مورد الماء أناسًا يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تمنعهما زحمة الرعاة من السقيا. فتقدم وسقى لهما، ثم تولى إلى الظل.

كان غريبًا محتاجًا إلى الراحة، ومع ذلك لم تمنعه حاجته من أن يبادر إلى مساعدة غيره. لم يكن يملك في ذلك الموقف جاهًا أو سلطة، لكنه كان يحمل من المروءة ما دفعه إلى فعل الخير دون انتظار مقابل.

ثم جاء الدعاء الذي تختصر فيه هذه اللحظة معاني الافتقار والرجاء: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].

ما أعمق هذا الدعاء! لم يحدد موسى نوع الخير الذي يريده، ولم يضع صورة لما ينبغي أن يأتيه، بل أعلن فقره إلى كل خير ينزله الله عليه.

وهنا معنى يستحق أن نتوقف عنده: قد يبلغ الإنسان مرحلة لا يعرف فيها ماذا يطلب تحديدًا، ولا كيف يعيد ترتيب حياته، ولا من أين يأتيه الفرج. لكنه يستطيع أن يظل صادقًا في توجهه إلى الله، معترفًا بحاجته إليه، غير مستسلم لليأس، ولا متوقف عن السعي.

فالافتقار إلى الله ليس استسلامًا للعجز، بل هو إدراك لحقيقة العبودية؛ أن نأخذ بالأسباب، ونعمل بما نستطيع، ثم نعلم أن تدبير الأمر كله بيد الله، وأن الخير قد يأتي من أبواب لم نكن نعرفها.

حين تتحول الغربة إلى استقرار

لم يمض وقت طويل حتى جاءت إحدى المرأتين تمشي على استحياء، لتبلغه دعوة أبيها، الذي أراد أن يجزيه أجر ما سقى لهما. وهناك قص عليه موسى خبره، فجاءه الجواب مطمئنًا: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 25].

تأملوا التحول في المشهد: قبل قليل كان غريبًا في أرض لا يعرف فيها أحدًا، ثم وجد من يستقبله، ويستمع إلى قصته، ويطمئنه، ويفتح أمامه بابًا للعمل والاستقرار.

ثم اقترحت إحدى ابنتي الرجل أن يستأجره، مستندة إلى ما رأته منه من القوة والأمانة، فقالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].

ثم عرض عليه أبوها أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يعمل لديه ثماني حجج، فإن أتم عشرًا فمن عنده. وهكذا وجد موسى عليه السلام أمامه طريقًا جديدًا: عملًا وزواجًا وأسرةً وأمانًا بعد خوف.

وهنا تعود عبارة زميلنا: “هو الرابح”.

فلو نظرنا إلى موسى في بداية خروجه من مصر، لربما رأينا رجلًا فقد الكثير واضطر إلى مغادرة المكان الذي نشأ فيه. أما إذا نظرنا إلى ما وجده في مدين، فسوف نرى أن حياته دخلت مرحلة جديدة، وأن الغربة التي بدأت بالخوف انتهت إلى الاستقرار.

لكن الربح هنا ليس مجرد حساب مادي؛ فهناك مكاسب لا تدخل في ميزان المال، كالأمان بعد الخوف، والانتماء بعد الغربة، والطمأنينة بعد الاضطراب، ووجود من يثق بك ويأتمنك على شؤونه.

ولعلنا نخطئ حين نحصر الربح في زيادة الرصيد، أو ارتفاع المنصب، أو امتلاك المزيد من الممتلكات. فقد يكون أعظم ما يربحه الإنسان راحة قلبه، وكرامة نفسه، واستقرار أسرته، وفرصة جديدة يكتشف من خلالها قدراته.

مرونة الإنسان لا تعني التنازل عن قيمته

ومن الجوانب التي لفتت انتباهي في النقاش وصف أحد الزملاء لموسى عليه السلام بالمرونة؛ فقد انتقل من حياة القصر إلى حياة الصحراء، ومن بيئة النشأة في القصر إلى العمل في رعي الغنم، دون أن يكون في ذلك انتقاص من قدره.

وهذا المعنى يستحق التأمل في واقعنا.

كم من إنسان يرفض فرصة عمل لأنها لا تتناسب مع الصورة التي رسمها لنفسه؟ وكم من شخص يرى أن انتقاله من منصب إلى آخر أقل مكانة هو تراجع في قيمته، أو أن قبوله بظروف مهنية جديدة يعني أنه خسر ما بناه في سنوات؟

إن الإنسان الواعي لا يربط كرامته بمسمى وظيفي، ولا يختزل مكانته في مكتبه أو منصبه أو مقدار ما يتقاضاه. فالعمل الشريف لا ينتقص من صاحبه، والتواضع أمام ظروف الحياة لا يعني ضعف الشخصية، والقدرة على البدء من جديد ليست هزيمة، بل قد تكون من علامات النضج والقوة.

لقد عمل موسى عليه السلام في مدين وأدى ما عليه، ولم يكن العمل في رعي الغنم انتقاصًا من مقامه، ولا عائقًا أمام ما شاء الله له من تكليف عظيم.

ونحن لا نقيس مقام النبوة على أحوال الناس، ولا نجعل قصة موسى وعدًا بأن كل إنسان سيصل إلى نهاية مماثلة، لكننا نستضيء منها بمعنى مهم: لا تستهن بمرحلة تعيشها لمجرد أنها لا تشبه الصورة التي تمنيتها لحياتك. فقد يكون في العمل الذي تؤديه اليوم خير، وفي المسؤولية التي تحملها إعداد، وفي التجربة التي تمر بها ما ينضج شخصيتك ويكشف لك جوانب من نفسك لم تكن تعرفها.

من مدين إلى الرسالة

بقي موسى عليه السلام في مدين المدة التي قضاها في الوفاء بما اتفق عليه، ثم عاد بأهله. وفي طريق عودته كان موعد آخر من أعظم مواعيد حياته؛ إذ ناداه الله تعالى واصطفاه للرسالة، وكلفه بالذهاب إلى فرعون.

وهنا تبلغ المفارقة مداها: الرجل الذي خرج من مصر خائفًا يترقب، يعود إليها رسولًا مكلفًا بمواجهة فرعون.

إنها رحلة لا يمكن فهمها بمجرد النظر إلى بدايتها. فقد مرت بها سنوات من الغربة والعمل والاستقرار، ثم جاء التكليف العظيم في الوقت الذي شاءه الله.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن اصطفاء موسى عليه السلام للنبوة والرسالة مقام إلهي خاص، لا نقيس عليه أحوال البشر، ولا نزعم أن كل محنة تنتهي بتمكين مماثل. لكننا نتعلم من سياق قصته ألا نحكم على مستقبلنا من خلال ضيق اللحظة، وألا نتصور أن ما نعيشه اليوم هو الصورة النهائية لحياتنا.

قد يخرج الإنسان من وظيفة فيجد في غيرها فرصة أنسب، وقد يغادر مكانًا اعتاد عليه فيكتشف في مكان جديد قدرات لم يكن يعرفها في نفسه، وقد يتأخر عنه أمر كان يريده، ثم يجد أن أبوابًا أخرى قد فُتحت له.

وقد لا تتغير الظروف بالسرعة التي نتمناها، وربما لا تأتي النتائج بالصورة التي رسمناها، لكن يبقى واجب الإنسان أن يحسن السعي، ويحفظ أمانته، ويصبر دون استسلام، ويظل قلبه متعلقًا بالله.

فليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل ما نتأخر عنه حرمانًا، وليس كل طريق لم نختره طريقًا بلا معنى.

ويبقى السؤال

لعل أجمل ما في قصة موسى عليه السلام أنها تدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نحكم بها على تجاربنا.

فكم من إنسان يظن أن خروجه من مكان ما نهاية لمستقبله، وأن فقدانه لوظيفة أو منصب أو فرصة يعني أن أبواب الحياة قد أُغلقت في وجهه؟ وكم من شخص يقضي أيامه متحسرًا على محطة غادرها، دون أن يلتفت إلى ما يمكن أن تمنحه له المحطة الجديدة؟

إن قصة موسى تعلمنا ألا نختزل الحياة في لحظة خوف، ولا نقيس المستقبل بظروف الحاضر. وتذكرنا بأن صدق التوجه إلى الله، مع الأخذ بالأسباب، وأداء الأمانة، وحسن التعامل مع التحولات، يجعل الإنسان أكثر استعدادًا لعبور المراحل التي لم يكن يتوقعها.

ولعلنا نحتاج أحيانًا إلى أن نهدأ قليلًا، ونتوقف عن وصف كل تغيير بأنه خسارة، وكل ابتعاد بأنه فشل، وكل تأخر بأنه حرمان.

فربما لم تكن المحطة التي غادرناها هي المكان الذي كُتب لنا أن نبقى فيه، وربما كان الطريق الذي أقلقنا في بدايته يحمل لنا أبوابًا لم نكن نراها.

فإذا وجدت نفسك يومًا خارج المكان الذي ألفته، وقد ضاقت بك الأسباب، فلا تتعجل الحكم على نهاية الحكاية؛ فليس كل خروج نهاية، وليس كل فقدان خسارة، فقد تكون، من حيث لا تدري، قد بدأت للتو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds