الرجل اللعوب ( كازانوفا) و إرشاد الضحايا

أمير الصالح
هل صحيح أن هناك رجالًا لعوبين لم يعرفوا من دين الله إلا جملة من آية قرآنية: «مثنى وثلاث ورباع»، وأما باقي منظومة الدين وإرشادات القرآن الكريم، فإنهم يتخذونها مطايا لبلوغ مرامهم من إشباع غرائزهم، وتضليل ضحاياهم، وسرقة ونهب ودجل وكذب ونفاق ورياء؟! حتى اختلط الحابل بالنابل بين الصادق والمدعي الكاذب تحت مسميات مزخرفة لرجل متقدم للزواج أو معدد للزوجات.
وهل صحيح أن هناك نساء مرهقات لأزواجهن، ولم يعرفن من دين الله «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»؟
تشخيص الداء
أغلب الرجال في المجتمعات المهذبة، بحمد الله، همتهم عالية في صناعة أمجاد لأنفسهم ولعائلاتهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، ومشغولون بين إقامة شركات أو تشييد صناعات أو إحراز أمان مالي رصين أو إحداث علاقات دولية عابرة للقارات أو تأليف كتب علمية نافعة أو إنشاء أسرة مليئة بالدفء والحنان والتربية النظيفة.
العجب أن هناك حفنة من الرجال في ذات تلكم المجتمعات، جل أوقاتهم مشاهدة مفاتن أجساد النساء، وإنشاء الشعر فيهن، وتصفح الإنترنت، ومتابعة صور أرداف الغانيات ومقاطع أفلام الممثلات الإباحيات وفضائح أهل الرذيلة!! وتراهم يضحكون ببلاهة وهم يصفون الآخرين من الرجال والنساء بالأوصاف المقززة، وكأنها إنجاز أو مفخرة… هل يعرف أولئك أن ذلك دليل على عدم تمكنهم من أنفسهم، ومن السيطرة على نوازع أهوائهم، وانعدام تقديرهم لذواتهم؟!
هناك استغلال مفرط من قبل بعض الرجال للآية الكريمة (مثنى وثلاث ورباع)، حتى أصبح بعض أولئك الأزواج المعددين، دون مبرر منطقي، واللعوبين باسم الزواج، عبئًا على سمعة مجتمعات عدة، لا سيما على المجتمعات المتدينة والمحافظة، لما ألحق أولئك بمجتمعاتهم وأوطانهم من وصمات تشويه طافت العالم كله. حتى أصبحت هوليوود وبوليوود تستخدم تلكم الأمور كمادة لإطلاق أفلام كوميدية ساخرة على المجتمعات المحافظة.
الترخيص بالتعدد في الزوجات تم تشريعه لكبح جماح الانفلات، وصيانة العلاقات، وتكوين أسر يسودها الحب والوئام، وضمان نظافة المجتمع من الرذائل، وكحل أخير لبعض المعضلات الأسرية دون تفريط بالحب أو الزواج الأول، وفي أضيق الحدود. إلا أن البعض، ومع شديد الأسف، وبسبب سوء استغلالهم للآية الكريمة، هدموا بيوتًا وجندوا، من دون علم منهم، عددًا كبيرًا من النساء للالتحاق بالحركات المتربصة بالدين والمجتمع والرجال تحت عدة عناوين ناعمة.
والسمعة والاستغلال الوحشي والسيئ من قبل الرجل الشرقي للمرأة أضحت مادة إعلامية متواترة في الصحافة العالمية ومنابر اجتماعية مختلفة حول العالم. وللحق، أضحى موضوع الزواج المتعدد بدون مسوغ مادة منفرة لدخول الكثير من نساء المجتمعات الأخرى في الإسلام، لكون الانطباع الذي تولد لديهن عن أن الرجل الشرقي لا يبالي بمشاعر المرأة، فيتخطف الانتقال بين أحضان النساء.
بعد أن ينجح المجتمع في تشخيص الداء والعلة في أي شخص داخل جسد المجتمع، عليه أن يبادر بإعلان ابتلاء ذاك الفرد بالعلة التي قد تهدم المجتمع، وهو التعدد من دون مبرر منطقي، وينصحه باستمرار بضرورة تهذيب رغباته.
ما هو الحل؟
قالت إحدى النساء، ناصحة زميلاتها من النساء الصالحات المتعففات، وأنقل المقطع التالي للمشاركة بالحوار النافع، وليس تبنيًا مني للأفكار الواردة:
كيف تتصرف المرأة الراشدة إذا ابتليت بزوج لعوب أو معدد للزوجات دون مبرر منطقي؟
أكبر عقاب للرجل الذي قرر أن يعدد دون مبرر منطقي (مرض زوجته / إفراط طاقته / عدم الإنجاب للذرية من زوجته الأولى… إلخ)، ليس أن زوجته الأولى تحرق دمها بالصراخ والبكاء والانعزال والانكسار، بل عليها أن تضبط مشاعرها وتحسسه أنه صار «خيارًا ثانيًا» في حياتها بعد هواياتها ورعاية أبنائها، كما جعلها خياره الثاني أو الثالث أو الرابع في حياته، بعدما كان هو المحور في حياتها.
الصدمة الحقيقية للرجل اللعوب أو المعدد دون مبرر منطقي هي اكتشافه أن وجوده وغيابه صارا سيان عند زوجته الوفية المتأنقة الودود الولود!
من المعلوم بأن أكبر لذة للرجل اللعوب بالتعدد تارة، وبالأعمال الصبيانية تارة أخرى (كازانوفا)، هو أن يرى النساء من حوله يتقاتلن عليه لإطفاء لهيب رغباته وشهواته، كما لو كان من أيام العصور الوسطى. عندما تخرج الزوجة الجميلة الوفية نفسها من «حلبة المصارعة»، فإنها بذلك تكسر غرور كازانوفا وتلغي أهميته من حياتها.
ولعل التطبيق الصارم للمشاعر بأن تخضع الزوجة تواصلها بشكل «بروتوكولي» مع زوجها المعدد المتساهل في مشاعرها. وعليها أن تغذي نفسها بأنها نضجت وعرفت أن طاقتها أغلى من إهدارها في مراقبة شخص لا يعتني بمشاعرها وأبنائها. وأن تجعل حياتها مليئة بالأنشطة والفعاليات والتدريب المهني والهوايات النافعة بدل اجترار الألم والبكاء على الحليب المسكوب.
وعند الحديث مع الزوج المناكف، يمكن للزوجة الراشدة أن تقول ذلك أمام زوجها اللعوب أو المناكف أو المعدد، فإن مثل تلكم الجمل تجعله يعرف طبيعة حجمه، وقد تشككه في اضمحلال قدراته في المراوغة أو الاستفزاز أو المناكفة.
قبل تفعيل تشريعات الخلع وبروز موجة الخلع للرجال من قبل بعض النساء، كان بعض الرجال يعددون لأنهم يعتقدون أن زوجاتهم، لا سيما الأولى، «مضمونة» في جيوبهم، وليس لهن من مفر، لكونهن ليس لهن مصدر مالي مستقل أو وظيفة تحميهن من تقلب الدهر. والآن أضحى انتقام بعضهن أنها تبني «عالمها الخاص» بحيث إن الرجل المعدد ليس له مفتاح فيه. فضلًا عن أن عددًا من النساء أخذن إجراءات احترازية لضمان حقوقهن من الزوج اللعوب أو المستهتر أو المناكف.
للزوجات مقترحات: ابدئي مشروعك التجاري، ادخلي دورات تدريبية تؤهلك لبناء مشروعك، احضري مجالس تربوية وأخلاقية وعلمية، التحقي بأعمال التطوع، انخرطي في أعمال التوعية الصحية وبرامج شهر رمضان العبادية… إلخ. تلكم الأنشطة قد تفتح عينيك على فوائد جمة لراحتك النفسية. كذلك الاستماع إلى بودكاستات متخصصة والانخراط في كل تلك الأنشطة نافع للزوجة، واجعلي ذلك الرجل المناكف يدخل البيت يلقاكِ مشغولة بـ«أمر آخر» غيره.
هنا يحس، إذا كان ما زال لديه إحساس، أنه أضحى ينتظر دوره في طابور حياتك، ولستِ أنتِ من ينتظر دوره في طابور حياته!
«الأنوثة الصادقة»
لا تقطعي الجمال والتأنق والتعطر والعناية بالنفس بسبب زواج زوجك، بالعكس! كوني بأجمل حالاتك، لكن اجعلي ذلك الجمال لكِ، وليس لمن فرط بكِ. فمن حقك الاعتناء بنفسك، فالبسي وتأنقي وتعطري بأفخم عطورك مع الاحتفاظ بالحشمة، وإذا صادف وجوده عندك في البيت ومدحك، فيمكنك التعليق بلطف: «والله، اليوم عندي لقاء ببعض صديقاتي، وقلت لازم أطل بما يليق بنفسي».
وهذه رسالة مغزاها أنكِ ذات ثقة بنفسك، وذات شوكة واعتزاز بذاتك، وما زلتِ تهتمين بذاتك، وأنكِ لم تتأنقي لأجله، وإنما «لأجل نفسك». حتمًا، هكذا ثقة سيصهر القهر قلبه إذا كان ما زال ذا قلب؛ لأنه شعر بفقدان سلطته على ثقتك بنفسك.
لا ننسى أن اعتماد الزوجة الودود الولود الخلوقة النظيفة الكريمة الحاشمة لنفسها المطيعة لزوجها والمنكوبة من زوجها المناكف يلزمها الالتصاق أكثر بالله العلي القدير، لأن المدد البشري من الأسرة والأقارب حتمًا يخفت يومًا بعد يوم. وقد يكون إرشادهم مخطئًا أو مصيبًا، ولكن مدد الله هو الأدوم والأُنقى.
الرجل المناكف، عندما يرى ضحيته «مستكفية بالله»، وجهها يزداد نورًا بسبب استرداد الثقة بالنفس، ونفسيتها مطمئنة بما عند الله رغم وجود «ضرة» أو أكثر من ضرة؛ وقد يؤنب الضمير ذاك الزوج المعدد إذا كان عنده بقية ضمير، أو قد ينهار كمدًا بسبب صلابة سلوك الزوجة الراشدة!
القاعدة:
بعض الأزواج المناكفين واللعوبين والمعددين من دون مبرر يريدون أن يروا زوجاتهم منكسرات من أجل إرضاء غرورهم وإرواء كبريائهم وإطفاء عقد النقص لديهم.
استلهام الزوجة الصالحة القوة من الله جل جلاله، وصمودها، وابتسامتها للحياة، والاعتناء بنفسها واحتواء أولادها والمضي إلى الأمام لصنع مستقبل أفضل، حتى مع عدم وجود الزوج معها، سيعرف يومًا ما أولئك الأزواج أنهم «خسروا» السيطرة على مشاعر زوجاتهم للأبد، وتكاثفت نظرة المجتمع نحوهم بأنهم أنانيون أو لا يصونون العشرة الطيبة… وهذا العمل مؤشر نجاح إدارة استنزاف العواطف.
انتهى النقل بتصرف
حتمًا هناك حلول وإرشادات متعددة لدى بعض القراء والكتاب، ويمكنهم طرحها. وحتمًا هناك جملة من الحلول الأخرى لن نسردها هنا، ولكن قد نوفق في إدراجها بمقال آخر يومًا ما.
وحتى لا يطول بنا المقام، فإن المجتمع مطالب بالمساهمة في إيجاد وصنع الحلول والمشاركة بها لحل أزمات أفراده، وليس البكاء والنحيب من جهة على ضحاياه، أو الاكتفاء بتناقل أخبار التمزق الدائرة داخله.




