أقلام

الغنى وعزة النفس عند الإمام علي (ع)

فؤاد الحمود

المتأمل في كلمات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يجد نفسه أمام مدرسة متكاملة في الحكمة والمعرفة، تتجاوز حدود الوعظ المباشر إلى الإثارات العميقة التي تدفع الإنسان إلى إعادة النظر في مفاهيمه ورؤيته عن الحياة.

فقد امتاز الإمام (ع) ببلاغة تختصر المعاني الواسعة في عبارات موجزة، وتكشف عن رؤية نافذة وارتباط سماوي.

ومن روائع هذه الحكم ما نُقل عنه في الإجابة عن سؤال: ما بال العقلاء فقراء؟، فجاء جوابه حاسماً وعميق الدلالة: إنّ عقل الرجل محسوب عليه من رزقه.

إن هذا التوجيه العلوي يقلب الموازين التقليدية التي تحصر “الرزق” في المال والأمور المادية؛ فالإمام (ع) اوضح أن الله سبحانه وتعالى قسّم الأرزاق بين العباد بحكمة بالغة.

فجعل العقل والوعي جزءاً جوهرياً وعظيماً من نصيب الإنسان، بل هو أسمى أشكال الرزق لأنه يتعلق بجوهر المرء لا بعوارضه الفانية.

ويرتبط هذا الرزق الفكري ارتباطاً وثيقاً بمنظومة كمالية أرساها الإمام علي (ع)، والتي تتجلى في بعدين:

الأول: العقل بوابة الولاية: إن أعظم نعمة يمنّ الله بها على الإنسان بعد الخلق هي نعمة “الولاية” والسير في خط القيادة الربانية المعصومة.

هذه النعمة الكبرى لا تُدرك أبعادها ولا تُصان إلا بالعقل والبصيرة؛ فإدراك العاقل هو الذي يميز الحق والباطل، ويجعله يرى في الولاية حصناً من الانحراف، بينما الجهل يعمي صاحبه عن رؤية هذا المقام العظيم.

الثاني: القناعة وعزة النفس: يرى الإمام عليه السلام أن العقل يورث القناعة، وهي الثراء الحقيقي الذي لا ينفد، وكما يقول (ع): “لا غنى كالقناعة”. كما أن العقل يمنح صاحبه حساً عالياً بالكرامة.

فالفقر المادي مع وجود العقل لا يكسر الإنسان، بل يدفعه للترفع عن الدنايا ومواطن الذل، لأن العاقل يرى صون كرامته أغلى من كل كسب مادي.

لذا فإن أمير المؤمنين (ع) يؤصل لفكرة أن الثراء الحقيقي هو ثراء المضمون الإنساني الممتد من نور العقل والولاية.

وإذا كان قد أُمسك عن العاقل بعض حطام الدنيا، فقد عوضه بما هو أبقى وأنقى، فجعل العقل والحكمة هما الغنى الأكبر، والرزق الأوفى اللذين يحفظا للإنسان دينه وكرامته في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds