
هاني الحجي
مجموعة ( إسبريسو الموت) للقاص محمد الدندن الصادرة عن منشورات (جدل) تضمنت ثلاث عشرة قصة قصيرة.
تناولت المجموعة الموت بمذاقات مختلفة في قصص متنوعة فيها الغموض والمباشرة.
عند قراءة عنوان المجموعة طرحت تساؤلًا عن العلاقة بين (الإسبريسو) والموت ويتضح أن الكاتب وظف ( الإسبريسو) في الموت لمرارة مذاقه وقوة تأثيره على المزاج، ولذا أسقطه على الموت لأن محتسيه يتجرع لحظات الاحتضار كما يتجرع مرارة مشروب (الإسبريسو)، وربما في إشارة إلى تأثير كثرة تناول هذا المشروب على صحة الإنسان وآثاره السلبية عند تناوله بإفراط.
الموت غدرًا بمذاق القهوة المرة
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، كانت القهوة رمزًا للغدر والخيانة على خلاف توظيفها في سياقاتها الاعتيادية كالهدوء وتحسين المزاج وكرم الضيافة خصوصًا في القهوة العربية، ولكن الدندن في قصته وظفها كأداة استخدمها القاتل ليغدر بصاحبه ويقتله بتسميم القهوة وهو في ضيافته!
ووظف الكاتب القهوة على أنها مؤامرة وأصبحت طقوسها خنجرًا سامًا للغدر بين الأصدقاء عندما يقدم الغادر لصاحبه كوب (إسبريسو ) ظاهره المحبة وباطنه الكره. وربما هذا من الأسباب التي جعلت البعض يطلق عليها مشروب الشيطان.
تناولت القصة القهوة أيضًا كأداة درامية للتسميم حيث يخفي لونها الأسود ومرارة طعمها السم وتأثيره، وتتحول إلى وسيلة للغدر في ثوب الكرم!
حينما أحضر الغادر القهوة في جلسة يفترض أنها حميمة لصديقه الذي يثق به، ولكنه قدمها بغطاء الغدر والخيانة وقتله.
مرارة فقد الأم
في قصة (رائحة المشموم) جاء الموت بكل عذاباته عند فقدان الأم وما يلهبه من جرح عاطفي حيث صور الكاتب في قصته أشجان فراق الأم لدرجة غيرت نظرة الابن للحياة، وأوجد الفراق حالة من اليتم الداخلي والمجتمعي لبطل القصة وأفاض عليه الحنين والذكرى المستمرة بداخله كلما رأى غرفتها وسريرها ألهب مشاعره مكانها، لأن الأم هي حضن الأمان للإنسان مهما بلغ من العمر وسنده في مواجهة قسوة الحياة.
مواجهة الموت بالطمأنينة
تمثل قصة (لاعب النرد) البحث عن الأمل في اللحظات الأخيرة للإنسان قبل الموت حيث يظل يبحث عن معنى للحياة والتحرر من كل القيود الأسرية والمجتمعية التي قيدته بروتنيتها المفروضة بمن حوله.
حاول بطل القصة بعد أن أخبره الطبيب بأن مرضه قاتل التمرد على وضعه في أيامه الأخيرة وإيجاد السعادة الواعية والاستمتاع بالرقص تحت زخات المطر في رسالة للموت أن الحياة تستحق أن تعاش رغم قسوتها، وتبين القصة أن مواجهة الموت ليس بمأساويته بل بالطمأنينة والسلام النفسي قبل الرحيل والنهوض من الانكسارات.
فلسفة الموت
في قصة (حياتان لنصف رجل) يفلسف الدندن الموت بصراع بطل القصة مع نفسه التي يرمز لها بذئب يصادفه في طريق رحلته بالسيارة إلى جنوب المملكة ويقصد بها مشوار البطل في حياته، واختار الجنوب لطبيعته الخلابة وطرقه الوعرة في رمزية مسيرته للبحث عن ذاته في الدروب الوعرة للوصول إلى جبال الروح الخضراء وطبيعة النفس الغناء، إلا أنه يعترضه كلب يحاول افتراسه وهو الجانب المظلم في داخله تجسد في شكل كلب مفترس ويحاول تدمير شخصيته ويقتلها.
آثار الموت بسبب الحروب
تناولت قصة (صرخة في العراء) الموت والخراب في الحروب.
وتجاوزت القصة سردية الموت ووصلت لآثاره النفسية والاجتماعية وآثاره البيئية والتدمير النفسي الذي يحدثه حيث ركزت على (ديستوبيا) الحروب. أما في قصة عشق يتحول الموت عند بطلها (أدهم) إلى ملجأ وملاذ عندما يقتل زوجته قبل أن تقع فريسة بيد العصابة التي كان شريكًا معهم واختلف معهم وهددوه بالانتقام منه من خلال زوجته، ولكنه بادر بقتلها لينقذها منهم كما قال لها وهو يخاطب جثتها المخضبة بالدماء في مشهد درامي ومأساوي.
الوحدة والصراع طريق للموت
يعيش بطل قصة (ذوبان في العدم) الصراع والوحدة وذكريات أليمة مزقته في الماضي وجعلته يعيش بمرارة الحياة ويفكر في الانتحار، إلا أنه يتردد خوفًا من فشل العملية الانتحارية، وقد تتسبب له بإعاقة جسدية تجعله يعيش في عذاباتها.
تناولت القصة فلسفة الانتحار من خلال محاولات بطلها، ولكن لم يتبين للقارئ سوى الصورة المأساوية الخارجية التي يعيشها البطل والوحدة ولم تغوص القصة في صراعه النفسي، أو الدوافع الحقيقية التي أوصلته للعزلة والوحدة وفقد جميع من حوله.
ففي القصة تناول الكاتب الانتحار بكل نظرياته من أرسطو الذي اعتبره فعًلا غير أخلاقي إلى فلسفة (سينيكا) الذي يراه حقًا شخصيًا ورؤية (إيميبل دور كايم) الذي درس الانتحار واعتبره نتيجة حتمية لتكالب الظروف الاجتماعية والاقتصادية على الإنسان.
أناقة الاحتضار
حضر الموت في قصه (الأناقة قي حضرة الموت) بكامل رومانسيته حيث يوفر بطل القصة الحياة الهانئة لزوجته المريضة التي تصاب بانهيار نفسي من خلال تقديم الرعاية الجسدية والنفسية وتقليل غصة الموت عليها.
في القصة يستعيد الزوجان الذكريات وتفاصيل الحياة والأماكن الجميلة التي جمعتهما بزيارة الأماكن الشعبية التي تحبها وظل الزوج الوفي الذي كان سندَا لزوجته، ومنعها من الانتحار.
وصف الكاتب الأثر النفسي لمرض زوجته وتعامله مع الحزن الذي اكتساها بسبب المرض ولتأثيره على هوية الزوج وتفكيره وتمسكه بالذكريات الجميلة معها.
ختامًا
المجموعة تعد الأولى للكاتب، ولكنه أبدع في وحدة موضوعها وفي أسلوبها وأفكارها المتجددة.





