بشائر المجتمع

طرق التعامل مع التحديات لتنعم بحياة أكثر جودة، بنادي المعرفة

رباب حسين النمر : الأحساء

استضاف نادي المعرفة لجودة الحياة بالمنصورة يوم السبت الماضي مدربة التنمية البشرية العنود الحياء في محاضرة بعنوان:

(طرق التعامل مع تحديات الحياة، طريقك نحو تحقيق الإتزان الداخلي ورفع كفاءة الحياة اليومية لتنعم بحياة أكثر جودة)

أدارت المحاضرة الأخصائية النفسية الإكلينيكية الأستاذة عاتقة السالم، وارتكزت المحاضرة على عدة محاور تمثلت في:

فهم التحديات ومواجهتها

تحويل الضغوط إلى قوة وطاقة للنمو والتطور

أسرار بناء المرونة والقوة النفسية

⁠خطوات رفع جودة الحياة اليومية

⁠التفكير بوعي أكبر

⁠بناء حياة أكثر توازنًا.

مقدمة

بدأ الخطاب رئيس نادي المعرفة الدكتور عبد الله السلطان متحدثًا عن أهمية الموضوع المطروح، فقال:

“هذه الأمسية من الأمسيات المتميزة في نادي المعرفة منذ تأسيسها. وقد تم اختيار موضوع مواجهة التحديات في حياتنا اليومية، لأن التحديات التي لا تخلو منها حياة الإنسان، تؤثر على جودة الحياة، بل إن حياة الإنسان كلها تحديات، منذ استيقاظه من نومه إلى أن يخلد إلى النوم حيث يمر بسلسلة من التحديات، وهناك من يقول إن التحديات كامنة في القرارات التي نتخذها، وينطوي القرار على عنصر التحدي، هذا من منظور علم النفس”.

وأضاف:

“حسب جمعية علماء النفس الأمريكية يوجد أكثر من ١٥٠ مجالًا في علم النفس، وعلم النفس الإكلينكي لربما هو أوسع المجالات شيوعًا وانتشارًا وأكثرها طلبًا، ويهتم بالاضطرابات النفسية ويساهم في علاجها، فهو فرع من الفروع المهمة جدًّا في علم النفس، وحسب بعض الإحصاءات فالإنسان في حياته العادية قد يتخذ ما معدله ٣٥٠٠ قرار يوميًّا، قرارات بعضها بسيط وبعضها معقد وبعضها حرج. وهناك من يتخذ أكثر من هذا العدد، وإذا زاد العدد عن حد معين قد يشعر الإنسان بالضعف عن اتخاذ قرارات صائبة، وهنا نقطة تحدٍّ”، ثم علقت السالم: “جودة الحياة عنوان هام جدًا، ولا سيما في ظل الضغوطات والتغيرات التي يمر بها المجتمع. فكل شخص منا مر بلحظة شعر فيها بضغوط كبيرة، وأن المسؤوليات أكبر من طاقته، فكيف يستطيع الإنسان التعامل مع هذه الضغوطات؟ وكيف يستعيد توازنه؟ وكيف يتقبل وجود هذه الضغوطات ويتعايش معها. والحياة بطبيعتها متقلبة ومليئة بالتحديات الظروف المهنية، والأسرية، والشخصية. هذه التحديات كلها جزء طبيعي من الحياة، وهي لا تعني الضعف ولا الفشل، بل غالبًا ما تكون إشارة لمرحلة انتقالية، أو فرصة للتعلم والنضج، فالتغيرات والضغوطات والتحديات أمر طبيعي يجعل الإنسان أكثر وعيًا، والقوة النفسية لا تعني عدم التأثر بما يجري في المحيط فنحن لا ندعي المثالية ولا القوة، بل نحن بشر نؤثر ونتأثر بما يدور حولنا، فالقوة النفسية تعني القدرة على التقبل والتعافي والاستمرار رغم وجود الصعوبات، بعض البشر يضخم الأحداث الصغيرة ويمارس ما يسمى بالتفكير التضخمي لتحليل موقف عادي أو سلبي مما يسبب قلق مزمن أو توتر فيدخل في دوامة من الأمراض النفسية”.

وأضافت:

” في هذه الأمسية نتعلم أن نبني حياة أكثر وعيًا ورؤية متوازنة”.

المحاضرة

بدأت بسؤالين:

الأول هل المعاناة تولد النضج؟

والثاني: هل يمكن بناء شخصية قوية دون احتكاك وجودي في المجتمع؟ ودون التعاطي مع أفراد المجتمع والتعامل معهم؟ هل هذا التواجد في المجتمع يبني شخصية قوية؟

هل المعاناة في الحياة والإرهاصات النفسية والضغوطات العصبية والتجارب الصادمة والخيبات أدت إلى نضوج الشخصية؟

ثم عرفت الاحتكاك الوجودي فقالت “هو المرور بعلاقات اجتماعية وشبكة الأصدقاء، وعلاقات العمل” وأوضحت :”لو سطحت العلاقات تمامًا لأي سبب من الأسباب وأصبحت العزلة الاجتماعية هي السائدة لأي سبب من الأسباب، فكيف يقف الإنسان أمام المجتمع قويًّا وقادرًا وواعيًا وفاهمًا ؟” ثم تطرقت لمعنى جودة الحياة، فقالت: ” هي الحياة الصحية والرياضة المنتظمة، والابتعاد عن الضغوطات، وشرب الماء وتناول الطعام الصحي.” وطرحت سؤالًا شائكًا: لماذا نتحدث عن التحديات وما علاقتها بجودة الحياة؟ ووضحت: “التحديات جزء طبيعي من الحياة، ومن المستحيل أن تمر الحياة دون تحديات أو منغصات أو عقبات أو ثغرات أو فجوات، فالشخص الذي يفترض أن حياته متكاملة تمامًا وأنه يعرف كل شيء وأنه واعٍ لكل شيء ويستطيع إيجاد حلول لجميع المشاكل فهو يعيش أزمة عدم وعي للتحديات المحيطة به. التحديات تمثل أحيانًا نقاط توقف بسبب الثغرات أو الفجوات أو العقبات التي تعبرنا بسببها، ولكنها تعد جزءًا طبيعيًّا من الحياة. إن جودة الحياة التي لا تعني غياب الألم، ولا يعني غياب الألم نقصان جودة الحياة وبالتالي الشعور باليأس والإحباط، جودة الحياة تعني شرب الماء وتناول الطعام الصحي والنوم المبكر والاسترخاء، والتنفس الصحي، وطريقة الإنسان في التعاطي مع الأمور، وطريقة التفكير فيإدارة الحياة التي قد تقيد الإنسان عن جودة الحياة وتباعد بينه وبينها، فالبعض بمجرد أن يتألم يشعر بالعجز وبالتوتر في حياته وأنه غير قادر على التحرك، فيتراجع ويتقهقر إلى الوراء، أو يبقى حبيسًا داخل نقطة ثابتة، ولا يتحرك للبحث عن حل أو مخرج. المهارة تكمن في إدارة الاستجابة، وابتكار طرق للتعامل مع الألم والوجع والضغط والحزن والخيبات والخذلان، وأن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع التحديات. ويدرك أن التحديات تواجهه في يومه، فلو استيقظ صباحًا وهو يشعر بأنه يضع نصب عينه أن أي تحدٍّ سيحدث له اليوم هو جزء طبيعي من منظومة اليوم الذي يعيشه ويتعامل معه. فلما يتألم الساعة العاشرة صباحًا يجتهد أن لا يستمر معه هذا الألم إلى الساعة العاشرة ليلًا. وعندما يكون سعيدًا في الصباح يحمل السعادة ويتنفسها طوال النهار، هنا تكون لديه مهارات الاستجابة للتعامل مع كل أمر مهما كان مؤلمًا أو محبطًا أو كاسرًا، ومهما حاول أن يوقفنه، ومهما حدث في حياته، ومعنى ذلك أنه إنسان قادر على إدارة الاستجابة” وتطرقت الحياء لتعريف التحدي، فقالت: “هو حدث خارجي غير متوقع وطارئ مثل الفشل أو الرسوب أو الضغط أو الطلاق أو الخيانة أو الخذلان أو أي موقف خارجي مثل مشكلة مع شخص. والحدث خارجي ولكن تفسير الإنسان له يكون داخليًّا، وتبنى الفكرة على عدة معطيات، ولا تمثل الفكرة الحقيقة الواقعية، بل تعتمد على ما يعتقده الإنسان، وعلى بيئته، ومجتمعه وثقافته وعلمه ووعيه وإدراكه وعلى الفكرة التي يتعامل معها. وعندما يفسر الفكرة وكانت معها مشاعر معينة أيًّا كانت تلك المشاعر، ثم تحدث الاستجابة السلوكية. الغضب مثلًا يأتي نتيجة حدث خارجي، مثل الاستفزاز وسماع كلام مهين أو جارح، والاستجابة الداخلية أو التفسير الداخلي هو التحدي الحقيقي، ومدى الحصول على التوازن الداخلي: هل يقف على نقطة التوازن أم أنه بعيد عنها تمامًا، أو يحتاج إلى إعادة التعامل مع التحديات والضغوطات التي تواجهه، هنا تحدث استجابات للغضب، البعض يواجه الغضب بغضب، والبعض بغضب أكثر من الغضب، والبعض يواجهه بصمت وعدم رد، أو بالتجاهل، ولكن داخله يغلي لأنه لم يحرر الموقف في وقته. البعض يترك الشخص الغاضب حتى يهدأ ولا يرد عليه في الوقت نفسه، بل يتركه ويؤجل الرد لوقت آخر. وهذه استجابة. والسلوك الأفضل إما أنه يتجاهل الأمر لمدة يومين أو ثلاثة أيام، أو يرد في اليوم التالي برد هادئ ومتزن ويسأل الطرف الآخر عن السبب الذي أغضبه، ومن الممكن أن يلوم ويعاتب أو يصمت. وتختلف الاستجابات باختلاف الظروف والمعتقدات والقناعات بحيث أن الشخص الذي تكون تجربته في الحياة بسيطة عندما تحدث له مواقف من الممكن أن تسبب له صدمة قوية، أما الشخص الذي مر بعدة تجارب ومواقف واعتاد على الخيبات والإهمال والحزن والفقد المتكرر فيعبره الموقف دون صدمات أو توترات. الشخص عندما تصيبه مثلًا خيبة الخذلان للمرة الأولى يصبح منهارًا ويبكي، ولكن بعد مرور عدة تجارب من هذا النوع يصبح متماسكًا. وليس معنى ذلك أن هذا الشخص أصبح مجردًا من المشاعر والانفعالات أو مصابًا بالتبلد، أو ليست لديه القدرة على الرد أو البكاء والحزن، ولكن التجربة تعلم الشخص كيف يكون أقوى، وكيف يترجم أفعاله. فحتمًا أن العشريني يتعامل مع مواقف، وعندما يصبح في الأربعين أو الخمسين يدرك أن ذلك الموقف لم يكن يستحق ردود أفعال حادة ومتوترة، فالموقف في العام الماضي يختلف في التعامل عنه في هذا العام، ولذلك دائمًا نسأل أنفسنا ما هو التحدي الذي نواجهه؟ وهنا يكون التعامل معه أكثر سهولة لأنها أصبحت واضحة لدى الإنسان وجمعها ضمن إطار واحد، وهذا الحدث هل هو تحدٍّ بين الإنسان وبين نفسه أو هو حدث خارجي أسقط على الإنسان، هل له يد بالحدث الخارجي أو هو مفاجئ؟ إن تفسيره للحدث مهم جدًّا ويجب أن لا ينظر الإنسان للأمور من زاوية واحدة، بل من عدة زوايا مع تبادل الأدوار مع الآخرين، فلو آذانه أو جرحنه أو أساء له أو خذله شخص ما وكان هو مكانه فكيف سيتصرف؟ هل سيعذر هذا الشخص؟ عندما يضع نفسه مكان ذلك الشخص سوف تتغير زاوية تفكيره ٨٠%. وعندما يحلل الحدث مع الطرف الآخر فاستجابته السلوكية أيضًا ستختلف، وعندما يتبادل الأدوار مع أبنائهووزوجاته وعائلاته وزملائه ومدرائه تتغير أفكاره، فلو فرض عليه مديره مثلًا فرمانًا معينًا هل هو الذي قام بوضعه؟ أم أنها سياسة دولة وقانون؟ هل لو كان مكان المدير هل سيقبل بتسرب الموظفين أو بترهل المنظمة؟ أو بعدم الشعور بالمسؤولية؟ هل سيقبل بالتأخير والغياب والاستئذان المتكرر؟ فلماذا يقبلها وهو موظف ويرفضها وهو قائد؟ إذن عندما تغيرت الفكرة تغير السلوك.” . إن المعنى الذي يأتي من التجربة يحدد أثرها على الإنسان، هناك موقف حدث ومن خلاله نترجم المعنى. وليتضح ذلك نذكر قصة س وص. كانت س من الناس متواجدة في مناسبة معينة، فدخلت ص، فلم تعرها س أي اهتمام ولم تسلم عليها، وكانت منشغلة بالحديث مع المرأة التي بجوارها، فاستغربت ص من الموقف، والتفسير الداخلي في ذهن ص للحدث الخارجي تساؤل عن السبب الذي دعا س لتجاهلها، وهل سمعت عني كلامًا ما حتى تتجاهلها؟ ربما هي مغرورة ومتكبرة، لم أعهدها كذلك، فعل غيرتها سنوات الفراق؟ لماذا تعامنلي هذه المعاملة؟ وسيل من الأفكار يتدفق والعقل يساعده على ذلك ويعطي كثيرًا من التصورات السلبية، والمقارنات بين س وص وأن س ليست أفضل من ص نسبًا ولا علمًا ولا مكانة اجتماعية، ما هذا الأسلوب؟ لقد أحرجتني أمام الحاضرات، واستجابتها السلوكية لهذا الحدث الخارجي قد تكون بالتوتر والانفعال والعصبية. وقد تخرج من المكان، أو تشتكي من الموقف لدى إحدى الصديقات، فتخبرها هذه الصديقة أن س قد أجرت قبل شهر عملية ليزر في عينيها، وهي ترتدي العدسات ونحن أجبرناها على حضور الحفلة وسنمتنع عن إشعال البخور ورش العطور حتى لا يصيبها أذى، ولكن ص لم تكن تعلم بسبب انشغالها بدورة في العاصمة. الموقف الآن تغير تمامًا والمشاعر بعد أن كانت مشحونة ومتوترة ومليئة بالازدراء والاحتقان أصبحت مشاعر مليئة بالتعاطف والندم وجلد الذات، والسلوك الذي سوف تسلكه ص هو المبادرة لتحية س والاعتذار عن تقصيرها بانشغالها، ومن الممكن أن تقدم لها باقة ورد كطريقة للتخلص من مشاعر الندم. فالمعنى الذي ينتج عن التجربة هو الذي يحدد الأثر على الإنسان. وعندما تتضح أشياء خلف الكواليس لا نعلم بها تتغير الفكرة والمشاعر والتصرفات السلوكية. كيف نحصل على الكفاءة في حياتنا اليومية. يدور بخلد كل واحد منا هذا السؤال: لماذا كل الناجحين في الحياة وصلوا قممًا لم أستطع الوصول إليها؟ وما العلامة الفارقة التي يمتازون بها؟ (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) التكريم كان لجميع البشر دون استثناء، ووهبنا الله العقل، وقال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فلماذا يتقدم أناس إلى مراتب عليا وآخرون لا يتقدمون إلا ببطء شديد؟ فما الفوارق (وما ربك بظلام للعبيد) وكيف تحدث الكفاءة؟ للحصول على الكفاءة في الحياة اليومية علينا: أولًا: إدارة الانتباه البعض في الليلة الأولى من العام الجديد يضع قائمة من الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها خلال العام، ٢٠ هدفًا أو ٣٠ هدفًا، وينتهي العام ويفتح دفتر الأهداف ويجدد نفسه لم يحقق منها سوى هدف واحد وبالمصادفة، بينما البعض الآخر يضع ٣٠ هدفًا ويحقق ٣٥ هدفًا في نهاية العام، والسبب هو إدارة الانتباه والتركيز. فعندما أضع أهدافًا أعطيها الانتباه والتركيز والطاقة الإيجابية والثقة بالله وبالتوكل وحسن الظن وتفويض الأمور لله، ثم أبدأ البناء للهدف. ودون انتباه لا يستطيع الإنسان تحقيق أهدافه، ولذلك اسأل نفسك ما الذي أدرت تركيزك وانتباهك فيه؟ ووهبته وقتًا وجهدًا وطاقة ووهبته ثقتك بالله وسعيت حتى يتحقق. ما التحديات التي واجهتني فلم تتحقق الأهداف؟ ثانيًا: أن تكون الطاقة أهم من الوقت، لأن الوقت محدود وثابت ويسير بالوتيرة نفسها، بينما الطاقة متجددة ولذلك هي الأهم. كيف أقيس مقدار الطاقة والإمكانات والقدرات؟ ما الأدوات التي تحدد لي ذلك؟ لا أستطيع أن أدخل معركة دون أسلحة. ثالثًا: الموازنة بين المدخلات والعمليات والمخرجات حتى تكون لدي حسن إدارة للوقت، الطاقة المتجددة والمتدفقة ثمارها أهم من الوقت، لأن الطاقة المنطفئة والمتوقفة وغير قادرة على الأداء، وعندما يكون الإنسان عشوائيًّا دون أهداف ولا قيم ولا مبادئ، وتتساوى أيامه، ومحاط باليأس والإحباط، ويضع اللوم على الآخرين، وعلى الظروف المحيطة به وعلى الحياة، بينما لا يشير بإصبع واحد إلى نفسه. هذا الصنف لا يعرف كيف يتعامل مع الطاقة، وتركها تتدفق دون اهتمام أو اعتبار فأهدر الوقت. ربما يكون لدي وقت فراغ ولم أغتنمه بأي عمل فالطاقة هنا تكون طاقة متوقفة، فالعمر يمضي ولا ينتظر، ويحتاج إلى تجديد الطاقة والسير وتجاوز المواقف والتحديات، والتوافق مع الذات، لا أن تتوقف الطاقة بتوقف الحدث، وحدوث التحديات، وإدارة الطاقة لا تعني العمل بجهد بل بتكافؤ واتزان، والإنسان يحتاج إلى تقليل الاستنزاف الذهني وتقليل التشتت، ولذلك فإن آلاف مئات الأفكار التي تتدفق يوميًّا تحتاج إلى إعادة حلحلة، ونركز على الأهم ثم المهم. وربما يفكر البعض طوال اليوم، يفكر في الأمس وفي غد، ويفكر في المواقف التي حدثت ويفكر في أبنائه، وفي زوجته، وفي عائلته، فيصبح داخل طاحونة من التفكير، وهذا يسبب استنزافًا للذهن، وكل ما يؤثر على الصحة النفسية تنعكس آثاره على الجسد، حتى عندما يشعر بالمرض ويذهب للمستشفى وتكون تحاليله سليمة يشعر بأنه منهار ومصاب بالصداع والشقيقة وبألم في الكتفين، وألم في المعدة، وفي القولون، إن هذه جميعها أثار نفسية انعكست وتحولت إلى آلام جسدية، والسبب هو طاحونة التفكير، ولكل إنسان عقلان، العقل الواعي والعقل غير الواعي، والأخير يسمى الحارس الأمين، لأنه يعيد للإنسان كل ما يضعه فيه، وهو يقوم بتخزين التجارب من سن صغيرة في الطفولة، وفي العيادة حالة لفتاة في الرابعة والعشرين من عمرها متأثرة بتجربة حدثت لها في الروضة فقد كانت عندما تصعد على خشبة المسرح لتقدم كانت هناك معلمتان تضحكان منها، وهي خجلت وشعرت بالدوار، وتصبب العرق، ورجفة الجسم، ونسيت الكلام الذي كانت ستقدمه، بالرغم من أنها كانت مستعدة للإلقاء ومرتدية أجمل الملابس، ولكنها شعرت بانهيار تام بعدها أصيبت بالحالة المرضية، وهذا الحدث في زمن الطفولة امتد تأثيره عليها حتى وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، فهذا الحدث خارجي والتفسيرات أدت إلى هذا السلوك، وهو فقدان الثقة في النفس، وتقدير الذات، وصارت شخصيتها انعزالية تعاني التأتأة، وبعض حالات التأتأة تحدث بسبب سخرية الزميلات اللواتي كن يشعرن بالغيرة منها، وهي منطلقة مع المعلمة ودائمًا تجيب على الأسئلة، فبدأت الزميلات يضحكن منها ويسخرن منها فأصيبت بالتأتأة. إن هذه الأمور الجسدية منشأها من عارض نفسي، فالعقل غير الواعي يخزن التجارب والمواقف على مر الأيام كلمة جارحة،تجربة قاسية، بكاء وحزن، والعقل غير الواعي يبقى في حالة استنزاف لأفكار الإنسان، ويتضح ذلك عندما يحدث مثير فتحدث استجابة، فمثلًا عند مشاهدة التلفاز تحدث المشاركة الوجدانية مع حالة تشبه ما حدث لي، فأبكي لحالها، لا بد أن أبحث عن السبب. متى أعرف أن المواقف والضغوطات اليومية والخيبات التي حدثت والتجارب الصادمة التي عشتها لم تؤثر علي لا وعيًا ولا في المنطقة غير الواعية؟ عندما تمر التجربة الصادمة دون مشاعر، ولا تترك أثرًا تمامًا، ولا أشعر بحزن عندما أحكيها، الاستنزاف الذهني يؤدي إلى استنزاف المشاعر، الذي يؤدي إلى استنزاف السلوك، الذي يؤدي إلى استنزاف الجسد. وعندما أرغب في صحة جسدية ونفسية علي أن أبحث عن ما يقلل الاستنزاف الفكري وأتمتع بالمرونة النفسية والمعرفية والسلوكية، والشخص الذكي هو الذي يتكيف مع حياته. فلسفة جودة الحياة: التوازن بين الطموح والسكينة، فالطموح لا يعني المجازفة وإلقاء النفس في التهلكة، بل أكون هادئًا مسترخيًا حكيمًا مميزًا واعيًا، ولا خاب من استشار. وضوح المعنى: عندما يعرف الإنسان هدفه ويبحث عن معنى لحياته ووجوده. الاتساق الداخلي. أدوات عملية لحياة صحية – دفتر إعادة التفسير: من أروع الإستراتيجيات هو دفتر إعادة التفسير وهو ما تكتب فيه اليوميات العاطفية وكل التجارب التي تثير المشاعر من ألم وحزن وتعب وإحباط وانكسارات، ثم تقرأ من جديد مع البحث عن النقطة المشتركة التي أثارتها أيًا كانت ( الشعور بالرفض، الشعور بعدم الكفاية، الشعور بالحزن، الشعور بالوحدة، الشعور بالخذلان، عدم الشعور بالأمان). – الإجراءات والطقوس الصباحية: كوب قهوة الصباح، التنفس الصحي، الخروج للطبيعة، تناول طعام الإفطار مع صديق، هذا يجعل يومي سعيدًا. -مراجعة القيم الدورية: منظومة القيم متنوعة، فهناك قيم عليا، وقيم متوسطة، وقيم دنيا. فهل اختلت منظومة القيم أم لم تزال كما هي؟ ما سبب الخلل؟ هل هو تغير الأفكار؟ أو القناعات؟. – -قانون الطاقة ٢٠، ٨٠، أي أن ٨٠ من المدخلات تعطي ٢٠ من المخرجات، فسر الإنتاجية هي أن أتعب كثيرًا وأصرف طاقة، بينما المخرجات ضعيفة جدًا عندما تقاس بالطموح، ومقدار الجهد المبذول، ولذلك يجب أن نعمل بذكاء وليس بجهد. سؤال ختامي: لو أردنا تعيين مهارة واحدة للوصول إلى جودة الحياة هل نعلم القوة أم المعنى أم التفكير النقدي؟ الحقيقة أنه لا يمكن الفصل بينهم، فالقوة الداخلية تجعل الطاقة تتدفق بشكل سليم، وهذه بدورها تجعل الإنسان يستثمر وقته، ولاستثمار الوقت يجب معرفة المعنى، والأهداف تواجه التحديات.

مسك الختام

وفي نهاية المحاضرة قدم الدكتور عبدالله السلطان رئيس نادي المعرفة لجودة الحياة درعي تكريم للمحاضرة العنود الحياء، ومديرة الحوار عاتقة السالم. جدير بالذكر أن عاتقة السالم أخصائية نفسية إكلينيكية، حاصلة على بكالريوس علم النفس من جامعة الملك سعود بالرياض، وماجستير توجيه وإرشاد من جامعة الملك فيصل بالأحساء، وحاصلة على العديد من الدورات المختصة في المجال النفسي، تشغل حاليًّا منصب رئيس قسم الخدمة النفسية في مستشفى الصحة النفسية بالأحساء، وقائد مسار الخدمة النفسية في تجمع الأحساء الصحي. أما العنود الحياء فهي معلمة رياضيات حاصلة على عدة دورات في اللغة الإنجليزية، مدربة معتمدة في الجرافولجي، مدربة في مجالات الطاقة ومساراتها، ممارس متقدم في البرمجة اللغوية العصبية، ومدرب معتمد بتقنيات البرمجة، ومحترف أخصائي تدريب معتمد، حاصلة على درجة الماجستير من جامعة الملك فيصل، دبلوم من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ومدرب مهني معتمد، قدمت العديد من البرامج التدريبية في تنمية الذات البشرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى