أقلام

سعادة حقيقية

السيد فاضل آل درويش

لقد كان المسعى نحو تحصيل أسباب السعادة والتجلبب بها هو الغاية القصوى لدى الإنسان في مسعاه المتنوع في ميادين الحياة، ولقد كان الشغل الشاغل للفكر البشري هو تحديد مفهوم السعادة وتطبيقاته على أرض الواقع، فيبذل جهده وطاقته ويستند إلى إرادته في مواجهة التحديات الصعبة بغية الوصول إلى ما يصبو إليه، كيف والإنسان مجبول بحسب فطرته السليمة على حب الكمال والوصول إلى أعلى درجات الطمأنينة والهدوء والراحة النفسية، فيعمل بكل ما أُوتي من قواه على تحصيل أسباب السعادة في مختلف ميادين الحياة المعرفية والاجتماعية والمهنية الظروف الحياتية الملائمة والكريمة وغيرها.

غير أن تحديد مفهوم السعادة لا يُختصر ولا يُحدّد في جانب أو جهة معينة، بل نجد التعدد في الرؤى الفكرية المعرّفة بمفهوم السعادة وقيمته الحقيقية، فالبعض يراه بالمنظور المالي البحت ومبدأ الرفاه المحقق لمستلزمات الحياة الكريمة، بغض النظر عن العين القيمية والأخلاقية بالترفع عن المعاملات المالية المحرمة وطرق الكسب غير المشروعة، فما هو نصب عينيه هو تحصيل المال من أي طريق كان والتخلص من حالة الحرمان والفقر المادي، إذ في المقابل يرى في محدودية تحصيل المال أو الفقر التعاسة والخيبة مهما كانت الظروف والعوامل المؤدية به إلى ذلك الحال الضعيف.

وقد يرى البعض أسباب السعادة في الوصول إلى أعلى الدرجات في مسيرته الدراسية أو المهنية، بعد أن بذل قُصارى جهده واغتنم أوقاته في طريق العمل المثابر والإنجاز بعيدًا عن الهدر والتضييع، وقد يراها البعض في تسليط الأضواء عليه والإشارة له بالبنان كشخصية معروفة ومشهورة في أحد التخصصات، وآخر يراها في النجاح الاجتماعي والقدرة على تكوين شبكة كبيرة من العلاقات والتواصل مع مختلف شرائح المجتمع، بينما يرى آخرون أن تلك الجوانب المتعددة من النجاح على المستوى المعرفي أو المهاري لا يمكن أن يكون سببًا للسعادة الحقيقية ، إذ يشعر البعض بالتعاسة والبؤس والمعاناة من المشاكل والأزمات المختلفة، مع امتلاكه رصيدًا كبيرًا من سجل الإنجازات إلا أنه لا يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي، مما يجعل حالة الصفاء النفسي هو السعادة الحقيقية التي ينبغي العمل للوصول إليها؛ لينعم بأسباب الراحة واستشعار جمال الأوقات والعلاقات ومختلف الإنجازات في حياته.

القرآن الكريم يقدّم رؤية متكاملة مبنية على واقعية الارتباط بين الحياة الدنيا و عالم الآخرة، فيربط مبدأ الحياة الطيبة وأسباب السعادة بالطمأنينة النفسية، وذلك من خلال السير على طريق الهداية الإلهية واستقامة الإنسان وترفعه عن اتباع الأهواء والشهوات المتفلتة ، قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً … ﴾{ النحل الآية ٩٧ }.

فكلما اقترب الإنسان من الله تعالى والتزم بالطاعات وتجنب محارم الله تعالى استشعر الرضا والهدوء النفسي، بل واستطاع أن يقابل مختلف الأزمات والظروف الصعبة بطمأنينة بعيدًا عن العصف والانهيار النفسي، فكله ثقة بتدبير الله تعالى وتقسيم الأرزاق وحلول البلاء، فالقرب من الله تعالى لا يعني الجاني العبادي بمفهومه الضيق المشير إلى الفرائض والواجبات، بل هو روح محركة للإنسان نحو الخير والصلاح في جميع جوانب حياته، فهو همة عالية في تحقيق الذات والوصول إلى أعلى الدرجات العلمية والمهنية، كما أنه موجه نحو التعامل مع الآخرين والمحيط الأسري والمجتمعي معاملة حسنة، والقرب من الله تعالى مدعاة نحو التحلي بالفضيلة، والتخلّص من رذائل النفس كالأنانية والتكبر والانفتاح على آلام الآخرين وهمومهم والسعي نحو التخفيف عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى