
زكي الجوهر
في قلب واحة النخيل، حيث لا تزال الأبواب مفتوحة والقلوب عامرة بالترحاب، تبرز “المجالس الأحسائية” ليس كأماكن لالتقاء العائلات فقط، بل ككيانات اجتماعية وتعليمية صاغت وجدان إنسان هذه الأرض عبر العقود. وفي حديث يفيض بالذكريات والشجن، *استذكر الحاج عبد العظيم السروج* في لقاء حديث (ضمن سلسلة “سوالف زمان الأول”)، الدور الجوهري الذي لعبته هذه المجالس في بناء الشخصية الأحسائية، واصفًا إياها بأنها “المدارس الأولى” التي علمتهم أبجديات الحياة قبل الكتب والمناهج.
مدرسة الأخلاق والذكاء الاجتماعي
يرى السروج أن المجلس في الأحساء كان ولا يزال بمثابة “جامعة مفتوحة”، حيث لا يقتصر الحضور على شرب القهوة وتبادل الأحاديث العابرة، بل هو ميدان لاكتساب “الذكاء الاجتماعي”. ويؤكد أن الشاب الذي يواظب على حضور هذه المجالس يتعلم كيفية التعامل مع الأعيان، والعلماء، والمسؤولين، ويستقي من كبار السن خلاصة تجاربهم التي لا تقدر بثمن.
يقول السروج: “كنا نجلس لنستمع أكثر مما نتكلم، ففي الإنصات لكبار السن عطاء لا ينضب، ومنهم تعلمنا الأدب قبل العلم، والوفاء قبل العمل”.
خارطة التواصل الإنساني
خلال حديثه، رسم السروج خارطة وجدانية للمجالس التي تركت أثرًا في حياته، متنقلًا بين مجالس أسر عريقة مثل آل عبدالقادر، وبن داود، والملا، والبقشي، والوهيب، والعفالق، وغيرها. هذا التنوع في الأسماء والمواقع يعكس شبكة اجتماعية معقدة وقوية، كانت وما تزال صمام أمان للنسيج المجتمعي في المنطقة.
ولم يكن المجلس يومًا حكرًا على عائلة بعينها، بل كان فضاءً يتسع للجميع، حيث أشار السروج بكثير من الفخر إلى روح التلاحم والوحدة الوطنية التي تتجسد في هذه اللقاءات، حيث يجتمع أبناء الوطن من مختلف الأطياف في أجواء يسودها الاحترام المتبادل والمواطنة الصالحة، تحت ظل قيادة حكيمة عززت قيم الأمن والأمان.
رسالة إلى جيل “الشاشات”
وفي ظل التسارع التقني الذي نعيشه، وجه السروج نداءً حارًا إلى جيل الشباب، داعيًا إياهم لعدم الانكفاء على الأجهزة والوسائط الرقمية على حساب التواصل الإنساني المباشر. واعتبر أن الحفاظ على “عادة المجالس” هو استثمار في الذات، حيث يرتقي الشاب في تعامله وأخلاقه، ويكتسب مهابة وحكمة لا تمنحها الشاشات الصامتة.
ختامًا.. إرث يستحق الصون
إن شهادة الحاج عبد العظيم السروج ليست مجرد سرد لذكريات عابرة، بل هي وثيقة اجتماعية تؤكد أن سر تميز الأحساء يكمن في “تواصلها”. فالمجلس الأحسائي يظل الركيزة الرئيسة التي حفظت التراث، وعمقت الروابط الإنسانية، وأثبتت للعالم أن القهوة في الأحساء ليست مجرد مشروب، بل هي دعوة للتعايش، ومنبر للحكمة، ومدرسة للأجيال.
“المجلس ليس جدرانًا وسجادًا، بل هو أرواح تتلاقى لتصنع مستقبلًا يرتكز على قيم الماضي العظيمة.”




