
د. حجي الزويد
لا تقتصر أهمية حليب الأم على كونه مصدرًا مثاليًا للتغذية والنمو الجسدي للطفل، بل تتجاوز ذلك إلى بناء منظومة مناعية متكاملة تبدأ منذ اللحظات الأولى للحياة. فالرضاعة الطبيعية ليست مجرد وسيلة لإشباع الجوع، وإنما هي عملية بيولوجية معقدة تنقل إلى الطفل عناصر غذائية ومناعية دقيقة تسهم في حمايته من الأمراض وتدعم نموه الصحي على المدى القريب والبعيد.
ومن أبرز المجالات التي يتجلّى فيها هذا الدور الحيوي لحليب الأم، تأثيره المباشر في ميكروبيوم الأمعاء، وهو المجتمع الضخم من الكائنات الدقيقة والبكتيريا النافعة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي. وقد أصبح هذا الميكروبيوم اليوم محورًا مهمًا في الأبحاث الطبية، لأنه يرتبط بصحة الجهاز الهضمي، ونضج الجهاز المناعي، وحتى بالصحة العصبية والنفسية مستقبلًا.
ترتبط صحة الرضيع بشكل وثيق بتكوّن هذا الميكروبيوم بعد الولادة، إلا أن فهم المبادئ التي تحكم بناء المجتمعات الميكروبية ما يزال محدودًا، رغم الاهتمام العلمي الكبير بهذا المجال. ويعود ذلك إلى صعوبة تحديد التفاعلات الحقيقية بين الميكروبات نفسها، وكذلك بين الميكروبات والجسم المضيف، في البيئات الطبيعية، حيث تتداخل عوامل ثابتة مثل نوع الغذاء والموقع الجغرافي، مع عدد لا يُحصى من العوامل العشوائية الأخرى.
وتبدأ أمعاء الطفل عند الولادة في مرحلة التكوين الميكروبي الأولى، حيث تبدأ رحلة الاستعمار البكتيري منذ الساعات الأولى بعد الولادة. وتتأثر هذه العملية بطريقة الولادة، والبيئة المحيطة، ونوع التغذية، إلا أن الرضاعة الطبيعية تبقى العامل الأهم في تشكيل هذا التوازن الميكروبي الصحي.
يمثل حليب الأم المصدر الأساسي للتغذية في المراحل المبكرة من الحياة، وأكثر الكربوهيدرات وفرة فيه هو اللاكتوز، الذي يوفر الغذاء المباشر للرضيع، كما يمكن أن تستفيد منه أنواع متعددة من البكتيريا المرتبطة بالأمعاء. لكن الأمر لا يتوقف عند اللاكتوز فقط، بل يحتوي حليب الأم أيضًا على تراكيب كربوهيدراتية أكبر وأكثر تعقيدًا تُعرف باسم السكريات قليلة التعدد في حليب الأم أو Human Milk Oligosaccharides (HMOs).
هذه السكريات تُعد من المكونات الفريدة لحليب الأم، وهي لا تُهضم مباشرة بواسطة الطفل، ولا يتم امتصاصها في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي، بل تبقى متاحة للسلالات البكتيرية القادرة إنزيميًا على تكسيرها والاستفادة منها. ومن هنا تنشأ قيود بيئية مهمة تحكم استعمار أمعاء الرضيع، أولها القدرة على التقاط وتكسير هذه السكريات المعقدة، وثانيها التنافس على السكريات البسيطة مثل السكريات الأحادية والثنائية.
وقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications عن دور جديد ومهم لحليب الأم في الحفاظ على التوازن بين نوعين من البكتيريا داخل أمعاء الرضع، هما بكتيريا البيفيدوباكتيريوم (Bifidobacterium) المعروفة بفوائدها الصحية الكبيرة، وبكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) التي غالبًا ما يُساء فهمها باعتبارها بكتيريا ضارة فقط. (١)
قاد هذه الدراسة فريق أوروبي بقيادة البروفيسورة ليندسي هول من جامعة برمنغهام، حيث استخدم الباحثون تقنية التسلسل العميق للحمض النووي لتحليل عينات البراز لـ 41 طفلًا سليمًا وأمهاتهم في هولندا. وكان الهدف من الدراسة معرفة أنواع الميكروبات الموجودة داخل أمعاء الرضع، وفهم كيفية تفاعلها مع بعضها البعض، وكيف تستفيد من مكونات حليب الأم في بناء هذا النظام الدقيق.
غالبًا ما تهيمن بكتيريا البيفيدوباكتيريوم على ميكروبيوم أمعاء الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا، وقد ارتبط وجودها بعدة فوائد صحية مهمة، منها تعزيز التحمل المناعي، وتكوين مقاومة ضد استعمار الميكروبات الممرضة، وتحسين الاستجابة للقاحات خلال السنة الأولى من العمر، والمحافظة على سلامة الحاجز المعوي. ويُعزى هذا التفوق المبكر إلى امتلاكها مجموعة غنية من الإنزيمات القادرة على تكسير سكريات حليب الأم بكفاءة، إضافة إلى انتقالها المباشر من الأم إلى الطفل.
وتحديدًا، تقوم بكتيريا البيفيدوباكتيريوم بتكسير هذه السكريات المعقدة وتحويلها إلى سكريات بسيطة يمكن الاستفادة منها. وهنا تظهر العلاقة التكافلية المدهشة، إذ إن بكتيريا الإشريكية القولونية لا تستطيع تكسير هذه السكريات بنفسها، لكنها تستفيد من المنتجات البسيطة الناتجة عن عمل البيفيدوباكتيريوم، فتتغذى عليها وتحافظ على وجودها داخل الأمعاء.
وفي المقابل، لا تقف العلاقة عند هذا الحد، بل تنتج بكتيريا E. coli مادة مهمة تُسمى السيستين (Cysteine)، وهي عنصر غذائي ضروري لنمو بكتيريا البيفيدوباكتيريوم واستمرارها. وبذلك ينشأ نوع من “التغذي المتبادل” أو العلاقة التكافلية، حيث يدعم كل نوع من البكتيريا الآخر، ويضمن استمرار بيئة ميكروبية مستقرة ومتوازنة.
وفي الوقت نفسه، تُكتشف بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) بشكل شائع أيضًا لدى الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا، وعادة تكون بكميات منخفضة نسبيًا ولكن بنسبة انتشار عالية بين الأطفال.
ورغم أن بكتيريا E. coli لا تمتلك القدرة على تكسير سكريات حليب الأم المعقدة (HMOs)، إلا أن استراتيجيتها الأيضية العامة وسرعتها في استهلاك السكريات البسيطة يُعتقد أنهما يساعدانها على الاستقرار داخل البيئة المعوية. كما أن اللاكتوز الذائب في حليب الأم لا يُمتص بالكامل في الأمعاء الدقيقة، مما قد يساهم في استمرار وجود هذه البكتيريا.
بالإضافة إلى ذلك، قد تحصل بكتيريا E. coli على السكريات البسيطة من خلال ما يُعرف بالتغذي المتبادل مع البكتيريا الأخرى القادرة على تكسير سكريات حليب الأم، وهاتان الآليتان قد تعملان معًا. وقد تم توثيق هذا النوع من التغذي المتبادل سابقًا، لكن الدراسة الجديدة أوضحت بصورة أعمق أن بكتيريا البيفيدوباكتيريوم نفسها تستطيع دعم بقاء E. coli ضمن حدود صحية ومتوازنة.
هذا التوازن لا يعني فقط وجود البكتيريا، بل يعني الحفاظ على نسبها الصحيحة، بحيث تبقى بكتيريا E. coli بمستويات منخفضة ومستقرة، وفي الوقت نفسه تستمر بيئة غنية ببكتيريا البيفيدوباكتيريوم، التي تُعد من أهم ركائز صحة الأمعاء في الطفولة المبكرة.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعيد النظر في الصورة الذهنية الشائعة حول بكتيريا E. coli، التي غالبًا ما ترتبط في أذهان الناس بالإسهال أو التسمم الغذائي أو التهابات المسالك البولية. والحقيقة أن هذا الاسم يشمل أنواعًا متعددة، بعضها ضار فعلًا، لكن بعضها الآخر طبيعي ونافع ويعيش داخل أمعاء الإنسان منذ الولادة.
فالأنواع النافعة أو الطبيعية من هذه البكتيريا تُعرف باسم Commensal E. coli، وهي تعيش بشكل طبيعي في القولون دون أن تسبب مرضًا، بل تؤدي وظائف حيوية مهمة. فهي تساعد في تصنيع بعض الفيتامينات مثل فيتامين K، وتساهم في دعم توازن البكتيريا النافعة، وتمنع تكاثر بعض الميكروبات الضارة، كما تلعب دورًا مهمًا في تدريب الجهاز المناعي، خصوصًا عند الرضع، حيث تساعد الجسم على التمييز بين الميكروبات المفيدة والضارة وتنظيم الاستجابة المناعية بطريقة صحية ومتوازنة.
وهذا هو النوع الذي أشارت إليه الدراسة، حيث أوضحت أن وجوده بمستويات منخفضة ومتوازنة داخل أمعاء الطفل ليس أمرًا مقلقًا، بل قد يكون جزءًا أساسيًا من النمو الصحي للمناعة والهضم، بل وربما من الوقاية المستقبلية من بعض الأمراض المناعية والالتهابية.
كما بحثت الدراسة في كيفية انتقال هذه البكتيريا إلى الطفل، فوجد الباحثون أن عدة سلالات من بكتيريا البيفيدوباكتيريوم كانت مشتركة بين الأمهات وأطفالهن، مما يدل على أن الأم تُعد المصدر الأول لهذه البكتيريا النافعة، سواء أثناء الولادة أو من خلال الرضاعة الطبيعية. وهذا يوضح كيف أن الرضاعة لا تنقل الغذاء فقط، بل تنقل أيضًا الأساس الميكروبي الذي يُبنى عليه جهاز المناعة.
أما سلالات بكتيريا E. coli، فقد وُجد أنها غالبًا تأتي من مصادر خارج الأسرة، لكنها تستقر داخل أمعاء الطفل مع مرور الوقت، مما يعني أن البيئة المحيطة أيضًا تؤثر في تكوين الميكروبيوم، ولكن ضمن إطار من التوازن الذي يساعد حليب الأم على تنظيمه.
وتفتح هذه النتائج آفاقًا علمية مهمة أمام الباحثين لتطوير وسائل علاجية أو غذائية جديدة، مثل دعم الأطفال الخدّج أو الأطفال الذين لا يحصلون على رضاعة طبيعية منتظمة بمكملات تحتوي على البكتيريا النافعة أو المواد التي تساعد على نموها، بما يضمن بناء ميكروبيوم صحي مشابه لما توفره الرضاعة الطبيعية.
كما قد تسهم هذه النتائج مستقبلًا في تقليل بعض المشكلات الصحية المرتبطة باضطراب الميكروبيوم، مثل الحساسية، والأكزيما، واضطرابات الجهاز الهضمي، وبعض أمراض المناعة، من خلال التدخل المبكر في الأشهر الأولى من الحياة.
إن حليب الأم ليس مجرد غذاء يُشبع الطفل، بل هو منظومة حماية متكاملة، وصيدلية طبيعية، ورسالة بيولوجية دقيقة تهيئ الجسم للنمو السليم. فهو يمد الطفل بالمناعة، ويغذي البكتيريا النافعة، وينظم العلاقة بينها وبين باقي الكائنات الدقيقة داخل الأمعاء، ليمنحه بداية صحية أكثر قوة وتوازنًا.
ولهذا تبقى الرضاعة الطبيعية، كلما أمكن ذلك، واحدة من أعظم الهدايا الصحية التي يمكن أن تقدمها الأم لطفلها، ليس فقط في أيامه الأولى، بل في مستقبله الصحي كله.
هوامش:
(١) David Seki et al, Human milk oligosaccharide mediates mutualism between Escherichia coli and Bifidobacterium bifidum, Nature Communications (2026). DOI: 10.1038/s41467-026-71764-7
Journal information: Nature Communications
Provided by University of Birmingham




