أقلام

الديوانيات الرقمية: بين الطاقات المجمدة والتحفيز لحسن التوظيف

أمير الصالح

قبل عقد من الزمن ودون سابق ترتيب، أُدرجت (بضم الألف) أرقام جوالات عدة- من ضمنها رقم جوالي- في ديوانية رقمية بقروب تواصل اجتماعي (واتس آب) تحت مسمى معين. في البداية انطلاق تطبيقات التواصل الاجتماعي كنت متفاعلًا و شغوفًا ومندفعًا للانخراط في القروبات، ولكن بعد مضي عدة سنوات اكتشفت أن غالبيتها تهدر الوقت، واعتمدت حينذاك خاصية التنقيح وإلغاء عضويتي إلا من القروبات المفيدة والنوعية المميزة. وبالفعل بعد حين أُعيد إدراج رقم جوالي في قروب قديم؛ وقبل أن إلغي إدراجي، قمت بمهمة التمحيص في أسماء أصحاب أرقام الجوالات المُدرجة، فوجدت أن بعض الأعضاء هم أصحاب طاقة علمية أو معرفية أو اقتصادية أو تجارية او قانونية أو حملة شهادات أكاديمية اختصاصية نافعة ومهنية متميزة، في حقول التقييم العقاري/ الصناعي/ التجاري أو معارف طبية أو أصحاب خبرة في أعمال حرة أو مؤسسي مكاتب هندسية أو أصحاب خبرة في العلوم النفسية أو العلوم التربوية أو التقنية أو تقييمية لمصانع أو معرفة مصرفية أو تجارة رقمية أو علاقات عامة اجتماعية مميزة بأهل السلطة والمعارف والعلوم، أو من أصحاب خبرة إدارة السفر والسياحة؛ وعلى مدة زمنية لامست شهرًا ، لاحظت أن المشاركات التفاعلية في القروب الرقمي الذي ضُممت إليه مجددًا أكثرها تتراوح بين قصاصات أنباء متناثرة وغير مترابطة، أو حالات تندر عارضة، أو استرسال لنقد لاذع يلامس بعض مظاهر الواقع الاجتماعي دون إطلاق أية مبادرات لححلة المعضلات. وآخرون يطربون في الإغراق في تكرار أسطوانة التحسر على أيام الطيبين من الماضيين. تألمت لأنه بعد انقطاع دام عدة سنوات عن القروب ذاته لأسباب عدة ومنها صحية، إلا أن معدل التطوير في الطرح لم يصل للمستوى المأمول. حينذاك وشخصيًّا أخذت زمام المبادرة في إدراج مواضيع هادفة وبناءة، وطرحت ( كما أطرح هنا بين أيديكم في هذا المقال) لكل قروب هادف نداء إعادة تقييم مشاركات أصحاب الطاقات العلمية والفكرية والمهنية المجمدة واحتضانهم عبر تبني فكرة إلقاء دروس ومحاضرات وندوات ترفع مستوى الوعي، وطرق أبواب الحلول كل شخص في اختصاصه عبر قنوات رقمية أو ندوات حضورية.

جرد الحساب وخبرة الأعضاء

في علوم الهندسة القيمية يعقد في بداية أية مهمة عمل (مشروع) حصر لخبرة الأعضاء المشاركين بالدراسة قبل البدء في تقييم المشروع، والبدائل المطروحة للمشروع لضمان استحصال أفضل خيار وأكثره كفاءة اقتصادية. في الوقت المعاصر، التقييم الهندسي value engineering أضحى جزءًا رئيسًا لكل المشاريع قبل مرحلة التنفيذ لإكمال حلقة كاملة في إمعان النظر في كل البدائل المتاحة بأقل التكاليف وأسرع الطرق للإنجاز.

أعتقد أنه حان جرد حساب الكفاءات داخل كل قروب رقمي واستنبات طرق الاستفادة منها في تعميق الطرح والنقاش والحلول.

ديوانية افتراضية وخبرات مهملة

قبل عدة أعوام كانت الإمكانات المتاحة في التطبيقات للتواصل الاجتماعي محدودة بأقصى عدد للأعضاء، فبدأ بعدد أعضاء القروب الرقمي لا يتجاوز ٥٠ شخصًا، ثم حُسِّن لاحقًا ليضم ١٠٠ شخص، وحاليًّا قد يتجاوز ٣٠٠ أو أكثر.

حاليَّا وبعد التمعن في مؤهلات الأعضاء لأحد القروبات التي تم إدراجي بها مجددًا ، وجدت التالي:

عضوًا من الأعضاء يحمل خبرة أربعين سنة في التدريس بالجامعات، وعضوًا آخر يحمل خبرة ثلاثين سنة في إدارة المشاريع،

وعضوًاثالثًا يحمل خبرة ٣٤ سنة في الهندسة الصناعية، وعضوًا رابعًا يحمل خبرة ٣٥ سنة في المصارف والبنوك، وعضوًا خامسًا يحمل خبرة في فنون البحوث العلمية والترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وعضوًا سادسًا يحمل خبرة خدمة في صناعة هياكل المنشأت الحديدية المسبقة الصنع تناهز ٣٠ سنة، وعضوًا سابعًا يحمل خبرة في إدارة السفر والسياحة تناهز ٣٥ سنة،

وعضوًا ثامنًا يحمل خبرة يعتد بها في التجارة وإدارة الأصول العقارية تناهز ٢٥سنة، وعضوًا تاسعًا يحمل كفاءات مختلفة في مجال التقنيات والحواسيب والأمن السيبراني.

ما المحصلة المتوقعة مع وجود هكذا كوادر؟!

ناديت وناشدت كما نادى أكثر من شخص في أكثر من منصة وقروب وأكثر من مرة بضرورة توظيف هكذا خبرات متقاعدة أو متحفزة عبر عقد استضافات في المجال الاقتصادي والتجاري والعلمي والطبي والتقني والإداري والعلمي والأدبي والصناعي والزراعي والذكاء الصناعي والشأن التربوي. شاءت إرادة البعض من النشطين في الإرسال بالقروبات على تمضية الوقت في حوارات هامشية على الغالب الأعم محصلتها بالواقع تلامس الصفر أو أدنى من ذلك. السؤال ما السبل المرجوة لتقويم الأمور؟!

طرح ومعالجة مواضيع ذات قيمة فعلية

إذن بمعدل ٤-٦ مواضيع ذات طابع اقتصادي/ معرفي/ تربوي/ أخلاقي خلال السنة يتم طرحها من قبل كل عضو في الديوانية الرقمية، وستكون المحصلة لكل عضو مشاركة مميزة ورائعة وتغطي المشاركات كامل أيام السنة. في تصوري، هذا التفعيل الأنموذجي إذا نجح يجعل الكل مشارك والكل تحول إلى صانع محتوى وصاحب وعي وفي جعبته حلول كثيرة.

وهنا، أكرر نداءي بضرورة إطلاق أكبر قدر من الحوارات الهادفة مع ضبط الإيقاع وحسن استثمار أهل الخبرة في المجالات الحيوية، ولا سيما الاقنصاد والمال والأعمال والصحة والأمن والتربية والوعي وتحصين النفس والسلوك الراقي.

قروبات رقمية بعناصر مختلطة

تساءل أحد الأصدقاء: هل الجندر يميع جدية التفاعل في بعض القروبات الافتراضية؟!

من تجربة شخصية في عدة قروبات ومنها ما يضم الجنس اللطيف والجنس الخشن وجدت وسجلت عدة ملاحظات. البعض من القروبات يحدث تميز فيها، والبعض الآخر يختفي الجد وتحل المياعة أو التميلح. من تلكم الملاحظات ظاهرة الانحياز في بعض القروبات في التفاعل من بعض الرجال لبعض النساء والعكس صحيح، ولعل ظاهرة التميلح المفرط عنصر قتل ويقتل أو يشتت النقاش المثري إلى نقاش تافه ويسخف أمورًا جادة ويمحق الإنتاج وينشر المجاملة ويفسد هدف القروب الأصلي. وأتذكر قبل حين من الدهر كنا مجموعة في قروب تضم قراء مجدين حتى تم إدراج عناصر مختلفة ومنها عناصر نرجسية نسائية مما أدى إلى حدوث تصدع وتفتت صرح ثقافي هادف شمل شباب من أنحاء الخليج. انحياز مؤسس وإداري القروب للتعاطف مع البعض في التساهل بطرح مواضيع تافهة وإدراج مقاطع فيديو غير هادفة أدى لتسرب تدريجي لكوادر علمية رصينة.

ضبط البوصلة

شخصيًّا أؤمن أن هناك مزيج من التوازن في إدراج المحتوى الرقمي والنقاش وطرح المواضيع الهادفة والبحث عن حلول لمعضلات، فإنه سيؤدي لولادة بيئات رصينة مليئة بالود والاحترام والمعرفة والفكاهة العفيفة. وهذا ما قد يُساهم في استنبات روح المشاركة الهادفة والمثمرة وحسن توظيف الطاقات العلمية في القروبات والديوانيات الافتراضية والواقعية.

اِبدأ Just Strike It

أتمنى أن تكون الفكرة أعلاه وصلت إلى أذهان جميع القراء ولا سيما ممن يرتادون الديوانيات الافتراضية؛ وأن يباشروا التطبيق للفكرة، لكي يحولون (نحول)جميعًا الديوانيات الرقمية إلى فضاء مثمر ونافع ومصدر نقل خبرات والسعي الدؤوب لتحويل حال المرء إلى أفضل حال بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى