أقلام

إسفنجة

أمير الصالح

يُقال بأن عقل الطفل إسفنجة، لأنه يستقبل كل شيء ويتشرب به ويحاكيه سلوكًا سواء بالكلام أو الحركة أو الفعل. وأقول إن هناك عقول لأشخاص كبار في السن ( رجل / أمرإة) تعمل عمل الإسفنجة لانها تاخذ ما تراه في تطبيقات السوشل ميديا ولا تفرز الغث من الثمين، ويعمل به، وإن أعطى فإنه يعطي السيئ عبر محاكاة وتقليد كلمات بذيئة shxxt / Fxxk/ damn it / your axx !!! أو لبس فاضح أو تسريحات شعر مبتذلة أو تقليد إيحاءات منزوعة من الاحترام. شيئًا فشيئًا تنطمس أرواح أولئك من الرحمة والغيرة والعزة والنخوة والشهامة وحب الشرف وتنتكس لتستأنس بالمجون والخلاعة ومشاهدة المبتذل من الرجال والنساء وسماع ساقط الكلام وهز جذع الجسد على بعض الأنغام وكره سماع كلام الحق!!

ميديا للمرة المليون

في الواقع أضحت السوشل ميديا، بعد أن كان التلفاز والصحف والقصص المصدر الأكبر لصنع قناعات عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال والمراهقين في مجتمعات عديدة حول العالم. فالعالم الرقمي العالمي اليوم وفي ظل العولمة التجارية، الذي اخترق حجب الرقابات الرسمية ومزق الرقابة الأهلية، قرب البعيد المحضور سابقًا، وفي أحيان كثيرة، أبعد أقرب الناس للإنسان كإخوته وزوجته ووالديه ونفره من جميل القيم ورزين الأقوال وحكيم الأفعال !! وعلى سبيل المثال لا الحصر، في عالم اليوم أصبح كثير من الأزواج والزوجات يتعرضون يوميًا لسيل عارم من مقاطع الفيديو والمنشورات والأفلام الكرتونية التحريضية ضد الحياة الزوجية (الزوج/ الزوجة) وتُصور الطرف الآخر على أنه سبب شقائه وتعاسته وهمومه واستنزاف أمواله وتدهور صحته واحتراق طموحه وضياع فرص الحياة من يده، بل وكل المشاكل التي حلت به. وتُغذي قنوات سوشل ميديا متعددة، الشك وتُسمن فكرة الخيانة الزوجية من طرف ضد الطرف الآخر، وتنشر سوء الظن بأي تصرف، بل وتسعى إلى التحريض عبر دس الكراهية وخلق النفور، حتى يظن الإنسان المتلقي والمشاهد لتلكم المنشورات والمقاطع أن كل العلاقات الزوجية فاشلة أو مصيرها الفشل وإن طال الزمن بها !! واقناع الفتيات والفتيان أن العلاقات الجسدية العابرة وقضاء الحاجات الشهوانية الجاهزة هي الأنجع لهم حسب مرئيات تلكم المنصات، حيث انها تروج أفكار تمر دون هموم بيت ومصاريف زواج باهضة واستنزاف عاطفي حارق وحوكمة مستمرة ونقد دائم وطلبات يومية دون أي تقدير أو هوادة. حتى أن بعض الشباب المستهتر أو اللعوب او منعدم الوعي اقتبس شعار المضاربين بسوق تداول الأسهم ويصرح به دون أية مواربة والشعار هو ” كل فطير وطير”!!!

والحقيقة أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي مع تطور منظومة الذكاء الصناعي وتحليل اهتمامات المستخدم للحاسوب( الجوال) أو إغواءه أثناء البحث في منصات ومواقع بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي تُظهر غالبًا المحتوى الذي يثير الانفعال ويحرك الشهوات ويستنزف الوقت، لأن ذلك يصب في مصلحة الشركات المالكة للمحركات الرقمية ( أطول وقت تصفح، أكثر مبيعات وبذلك أكثر ربحية)؛ وهناك اقتصاد جديد برز على الساحة يحمل عنوان اقتصاد شد الانتباه attention economy. ويمكن للمهتم البحث عن هذا المصطلح وتشعبات تطبيقاته. والدافع لكل ذاك في عالم الرأسمالية الجشع والمتمدد هو الربح وزيادة المبيعات دون أي قيود أو احترازات، كما أنه لا يهتم بالدين ولا المجتمع ولا العفة ولا الاستقرار النفسي للإنسان ولا المودة بين أفراد الأسرة. بل إن هم أولئك هو إحداث أكبر قدر من التفاعل والمتابعة في العالم الرقمي لكسب أكبر مبلغ مالي. وحتمًا هناك طمس لمعالم أي وعي وإدراك للرجال والنساء البالغين فضلًا عن المراهقين والفتيات ضحلي التجارب وقليلي الوعي إلا الندرة.

نعم هناك نفر صالحون يسعون جاهدين لبناء الوعي وتحصين الإنسان من الانزلاق في دروب الزلق، إلا أن عالم الاستنزاف الرقمي للمجتمع مع إمكاناته، اكتسحت جهود أولئك النفر ذوي الإمكانات المحدودة جدًّا. ونجح الراسماليون الليبراليون في تصدير أنماط استهلاك معينة تخدم اجندات معينة. وإن جل إمكانات أولئك النفر الصالحون متواضعة جدًّا لإحداث التغيير الأنجع في كسر سيطرة منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي العالمية والشهيرة والمؤثرة.

ومع تماطر رسائل الشحن السلبي من جانب ورسائل الإغواء والإغراء الرقمية الاحترافية سواء في تحريض الزوج ضد زوجته، أو تحريض الأبناء ضد آبائهم، أو إغواء الرجال نحو الإغراءات المبتذلة، ومع مرور الوقت وزيادة الجرعات المستهلكة للعالم الرقمي من قبل البعض قد تغيرت نظرة الكثير منهم/ منهن نحو شريك حياته دون أن يشعر بذلك وانهارت بيوت كانت سعيدة ومستقرة!! قد تبدأ الامور بالمقارنة في الإمكانات المادية بين الزوج وأقرانه من الرجال، وتمر بمرحلة العتاب المستمر ثم التذمر الدائم من الحال الذي يعيشونه، ثم تمر بمرحلة تفسير المواقف بطريقة سلبية، ثم تمر بمرحلة الشك في السلوك، ثم تمر بمرحلة طلب الانفصال، ثم قد تمر بمرحلة ولوج عالم البحث عن بدائل أو الارتماء في أحضان شلل الضياع والعربدة!! وقد تكون تلكم الشلل سيئة أو حتى عفنة ومنبوذة.

حملات وعي واحتواء

في الواقع، البيت القنوع والعصامي مجملًا يكون مليئًا بالمودة والرحمة والحب والإيثار والاستئناس والحوارات المفتوحة والأنشطة المتعددة، ويزرع الزوج كونه القائد وربان المركب قصارى جهده لجعل البيت حضنًا دافئًا للجميع. والزوجة الوفية تكون هي نعم العون في تلكم المهمة، وعليه يكون إيقاف استنزاف العالم الرقمي الافتراضي لوقته ووقت أفراد أسرته أمر مهم جدًّا وتوجيههم لما هو هادف وبناء وجميل من الأنشطة والفعاليات والمهرجانات والمسابقات والمحافل واللقاءات، إلا أن غفلة الأبوين كلاهما أو أحدهما وشراهة استهلاك مواقع التواصل الاجتماعي بأساليبها الجذابة والمخادعة والمنمقة سواء لسهولة الولوج بها في الهاتف الخلوي ( الجوال) أو عبر توافر شبكات الواي فاي في أماكن عدة خارج البيت أو الاعتزال وانطواء كل فرد من الأسرة عن الآخر، مما جعل البعض يدخل في دوائر مظلمة قد تبدأ:

١- بمقارنة ما لدى الآخرين من أملاك وسيارات وعقارات بما يملكه هو

٢- بمقارنة بما وصل إليه زملاؤه من مناصب وثروات وسفرات ووجاهة اجتماعية

٣- بمقارنة جمال الآخرين/ الأخريات بشريك حياته بالمظهر والجسد والأملاك والسعة بالمنازل بما يملكه شريك حياته.

حتمًا مع الوقت وفي ظل غياب الوعي، تتسلل التعاسة إلى قلب ذلك الضحية (الرجل / المرأة/ المراهق) شيئًا فشيئًا ويتشرب عقله وروحه وتفكيره كالإسفنجة بما يراه يوميًّا حسب برمجة الخوارزميات الإلكترونية المتطورة. وتنتكس حياة ذلك الإنسان من إنسان يسعى للحكمة والنجاح و الاستقرار وصنع المثل الأعلى لأولاده، إلى شخص مهوس بالعبثية والتفاهة أو مسلسلات الغرام وقصص الجنس ومشاهدة الصورة الساقطة أو المراهقة المتأخرة أو إذلال النفس باتباع الشهوات لإشباع فرجه وبطنه دون قيود أو وازع من ضمير.

الإنسان يعبد ما ينصت إليه فكيف بما يراه

سواء كان الإنسان (رجل/ امرأة) شعر بهذا أو لم يشعر بذلك، فإن الأنسان تُصاغ أفكاره ومعتقداته وبالتالي سلوكه بناء على ما يكرر سماعه ومشاهدته ويغذي به حديثه مع نفسه ويسمن به عقله الباطني. فكيف بإنسان ينزف وقته في المشاهدات المتكررة لفكرة معينة أو إحساس معين أو مشاهد معينة!!!

الإنسان أولًا

نحكم على أي إنسان بناء على سلوكه و طريقة تعامله لنقرأ صفحات أخلاقه، ومواقفه، وحواراته، فإن ذلك كله انعكاس لقناعاته وأفكاره. وعليه نطلق لأنفسنا أولًا وللآخرين نداءً بطلب حماية البيوت من مخالب الفتن الرقمية الشيطانية التي تديرها شركات عابرة للقارات مدججة بعلماء نفس وعلماء إعلام ومطورين وباحثين كثر، فكل ما قد نغذي به أبصارنا وأسماعنا، حتمًا سيكبر في الأذهان ويستقر في القلوب وينعكس في التصرفات. وعي الإنسان بما يحيط به وانتقائه للأفضل في كل وسيلة متاحة له والابتعاد عن الأسوأ سواء بالعالم الواقعي أو الرقمي يجعله مع الوقت وعبر تنشيط عضلة تهذيب النفس المستمر، أيقونة ومنارة هدى له ولأبنائه ولمن هم حوله وللأجيال القادمة؛ بينما انخراطه مع كل ناعق وميله مع كل ريح بمسمى (الترند) قد يجعل منه أمعه وأضحوكة ومثار سخرية ووصمة عار على جبينه عبر الأجيال. وقد يصل ببعضهم الحال أن يهدم بيته بيده دون شعور منه/ منها.

نقطة ضوء

يقال إن الزوجين الصادقين الوفيين يتبادلان بشكل مستمر كلمات ورسائل التقدير والحب لما يبذله كل منهم للآخر وللعائلة. والواقع يقول إن هكذا فعل هو أمر جيد وجالب لاستمرار المحبة وكسر حبال الوسواس الخناس واستمرار إبحار السفينة العائلية نحو أعالي القيم والسعادة والرضا والنجاح. فليتفنن كل شخص في إطلاق مبادراته العائلية داخل بيته لضمان استمرار وجود السعادة داخل المنزل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds