أقلام

مَن يُفاوض الرطوبة

عماد آل عبيدان

في القطيف لا تحتاج كثيرًا كي تشعر بالرطوبة.

هي هناك منذ أول خطوة خارج الباب.

تلتصق بالثياب وتجلس فوق الزجاج وتدخل البيوت قبل أهلها، حتى أصبح الناس يتعاملون معها كما يتعاملون مع قريب ثقيل الظل يعرفون أنه لن يغادر.

سنوات طويلة ونحن نسمع التعليقات ذاتها.

حرارة.

رطوبة.

تأفف موسمي.

أجهزة تكييف تعمل كأنها تخوض حربًا يومية مع الهواء.

ثم يظهر شخص ينظر إلى كل هذا بطريقة مختلفة تمامًا.

لا يلعن الطقس ولا يكتفي بالشكوى.

لا يكتب تذمرًا سريعًا ثم يذهب للنوم.

يجلس مع الفكرة كما يجلس فلاح قديم أمام أرض عطشى ويحاول أن يفهم

“هل يمكن لهذه الرطوبة نفسها أن تتحول إلى شيء نافع؟”

هنا تبدأ الحكاية الجميلة.

المدن لا تتطور فقط بالمشاريع العملاقة.

أحيانًا تتغير بسبب سؤال صغير طرحه شخص لم يتعامل مع الواقع كقدر مغلق.

هذه المنطقة التي تعبت طويلًا من المناخ القاسي أنجبت عقولًا لديها قدرة غريبة على تحويل المألوف إلى مادة للتفكير.

وهذا أجمل ما في أبناء القطيف تحديدًا فتلك العلاقة القديمة بين الإنسان وبين محاولة ابتكار حل حتى لو كانت الإمكانات محدودة.

الآباء قديمًا فاوضوا البحر.

والنخلة.

وشح الماء.

ومواسم القحط.

والجيل الحالي يفاوض الحرارة والرطوبة والتقنية والبيئة وأسئلة المستقبل.

الفكرة واحدة والأدوات فقط تغيرت.

هناك من يظن أن الإبداع ابن الرفاهية الكاملة.

والحقيقة أن كثيرًا من الأفكار الكبيرة خرجت من أماكن متعبة أصلًا.

الإنسان حين يتصالح مع أرضه يبدأ بالتفكير لأجلها لا بالهرب منها.

ولهذا تبدو بعض المبادرات العلمية القادمة من القطيف مختلفة النكهة.

فيها شيء من روح المكان نفسه.

ليست أفكارًا باردة خارجة من مكاتب معزولة وإنما اجتهادات تشبه البيئة التي خرجت منها إذ فيها رطوبة الساحل وملوحة البحر ولهجة الناس وصبر المزارعين وذكاء البيوت القديمة التي كانت تعرف كيف تتعامل مع الحر قبل الكهرباء.

حتى الطموح هنا له طابع مختلف.

لا يبحث دائمًا عن التصفيق والإطراء.

كثير من المبدعين في هذه المنطقة يعملون بهدوء مدهش وكأنهم يربّون الفكرة كما تُربّى شجرة في فناء بيت.

ببطء وعناية.

وبعين تخاف عليها من الانكسار قبل أن تكبر.

وفي الحقيقة إن أجمل ما في أي مشروع ليس الفكرة وحدها فالأجمل هو العقل الذي رفض الاستسلام لما اعتاده الناس.

أن تنظر إلى الرطوبة وتفكر بالمطر فهذا ليس تفكير مهندس فقط.

هذه طريقة إنسان يرى الاحتمالات داخل الأشياء التي اعتدنا التذمر منها.

كم من النعم تمر فوق رؤوسنا ونحن مشغولون بالتبرم منها فقط؟

وكم من فكرة عظيمة كانت مختبئة داخل تفصيل يومي صغير لم ينتبه له أحد؟

المدن الذكية ليست المدن التي تملك أبراجًا أعلى فقط.

المدينة الذكية هي التي تحسن الإصغاء لعقول أبنائها.

وحين يشعر المبدع أن فكرته تجد مساحة من الاهتمام فإنه يعطي أكثر.

أما التجاهل الطويل فيحول كثيرًا من الطاقات إلى مجرد أحاديث مجالس تنطفئ مع آخر فنجان قهوة.

لهذا نحن لا نحتاج الاحتفاء بالأشخاص بقدر حاجتنا إلى ثقافة تحترم المحاولة نفسها.

فالفكرة التي تبدو مستحيلة اليوم قد تصبح بعد أعوام شيئًا عاديًا جدًا حتى ينسى الناس أنها بدأت يومًا من ذهن شخص جلس في ليلة رطبة يفكر بطريقة مختلفة.

وربما لهذا السبب تحديدًا

تستحق القطيف أن تُقرأ بعقول أبنائها لا فقط بشوارعها وبساتينها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى