أقلام

حين لا يكون الظاهر نهاية الرؤية

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة هي الثالثة ضمن سلسلة تأملات في كتاب حكمة العبادات للعلامة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، امتدادًا للمقالتين السابقتين:

“حين تفضحك العبادة ويتساقط وهم الاستحقاق”، و”حين تتحول العبادة إلى طريقٍ لا يخرجك من نفسك”.

مقدمة:

ليست المشكلة أن الإنسان لا يغيب عنه معنى الحقيقة، بل أن أول ما يراه منها يمنحه وهم الاكتفاء بها.

ليست العبادة فعلًا يُمارس داخل الحياة، بل طريقة يعاد بها تشكيل الحياة من داخلها قبل أن تظهر في الخارج.

فالإنسان لا يتغير بما يفعل فقط، بل بالطريقة التي تتغير بها رؤيته لما يفعل وهو في قلب الفعل نفسه.

وقد يبدو التكرار في العبادة حركة مألوفة، لكنه في العمق انتقال غير مرئي في طبقات الإدراك؛ حيث لا يبقى العالم على حاله الأولى، بل يتحول إلى مراتب من الانكشاف، كلما ظن الإنسان أنه انتهى من الفهم اكتشف أنه بدأ للتو.

ومن هنا لا يعود السؤال: كيف نؤدي العبادة؟

بل: كيف تغيّر العبادة طبيعة الرؤية نفسها؟

الرؤية التي تُحجب داخل ما يبدو واضحًا

الرؤية ليست نقلًا محايدًا للواقع، بل بنية تحدد ما يظهر وما يُحجب قبل أن يبدأ النظر نفسه.

فالإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له بنيته الداخلية أن يراه.

وقد يظن أنه أدرك الحقيقة، بينما هو في الواقع لم يغادر بعد حدود الطريقة التي اعتاد أن يرى بها الأشياء.

وهنا تظهر المفارقة: أن الوضوح الظاهري قد يُخفي خلفه بقاء الإنسان داخل نفس الإطار دون أن ينتبه.

اكتمالٌ قد يحدث عند أول انكشاف

من أكثر ما يعيق السير الحقيقي في الفهم هو الاكتفاء المبكر بأول انكشاف.

فما يبدو بداية للفهم قد يتحول إلى نهاية وهمية، ليس لأنه نهاية الطريق، بل لأن الداخل توقف عند أول درجة وظن أن ما بعدها تكرار لا جديد فيه.

ولكن في الحقيقة، ما بعد البداية ليس تكرارًا، بل عمق لم يُدخل إليه بعد.

ولهذا لا يُغلق الطريق من الخارج، بل يُغلق من الداخل حين يطمئن الإنسان إلى ما ظهر له لأول مرة.

الوجود ليس ظاهرًا يُرى فقط

﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: 185).

هذه الدعوة ليست إلى نظر سطحي للأشياء، بل إلى محاولة الدخول في طبقات أعمق من الوجود.

فالوجود لا يُعطى دفعة واحدة، بل يُكشف تدريجيًا بحسب عمق الرؤية نفسها.

ولذلك ليست القضية في كم نرى، بل في كيف نرى، لأن الطريقة الداخلية للرؤية هي التي تحدد مقدار ما ينكشف لنا من العالم.

العالم بوصفه خزائن تتفتح بحسب الداخل

﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (المنافقون: 7)

ليس العالم كتلة واحدة مكشوفة تُدرك مرة واحدة، بل بنية من الخزائن المتعددة، حيث لا تنكشف الحقيقة دفعة واحدة، بل تُفتح طبقة بعد طبقة بحسب مستوى الداخل الذي يقترب منها.

فالمعرفة هنا ليست امتلاكًا لشيء خارجي، بل علاقة بين عمق الإنسان وعمق الوجود نفسه.

ولهذا قد يقف اثنان أمام الشيء ذاته، لكن أحدهما يرى سطحًا جامدًا من المعنى، والآخر يرى امتدادًا مفتوحًا لا ينتهي.

وكأن الوجود لا يُعطي نفسه إلا بقدر ما يتغير من يطلبه؛ فكلما اتسع الداخل، اتسعت الخزائن المنفتحة، لا لأن الحقيقة تتكاثر، بل لأن القدرة على تلقيها تتعمق.

ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا في العالم؟

بل: بأي عمق ندخل إلى ما فيه؟

الحركة التي لا تصل لأنها بلا مركز

﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة: 45)

ليست المشكلة في كثرة الحركة، بل في غياب المركز الذي يمنحها اتجاهًا واضحًا.

فالحركة حين تفقد مركزها الداخلي لا تعود سيرًا، بل تصبح دورانًا في نفس النقطة بأشكال مختلفة.

وهنا لا يكون التردد مجرد حالة نفسية، بل نمط وجود يجعل الإنسان يتحرك دون أن يقترب من أي معنى محدد، وكأن الطريق يتبدل بينما الثابت هو فقدان الاتجاه.

النور الذي لا يُدرك رغم حضوره

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور: 35)

حتى النور لا يكفي وحده لحدوث الرؤية، لأن الرؤية ليست فعل الضوء فقط، بل استعداد من الداخل لاستقباله.

فقد يكون النور حاضرًا، لكن العين غير مهيأة للرؤية، فيبقى النور قائمًا بينما الإدراك غائب.

وهنا تتضح المفارقة: أن المشكلة ليست في غياب الحقيقة، بل في طريقة تلقيها.

ولهذا يتصل التردد بضعف الرؤية، لأن من لا مركز له لا يثبت على معنى، ومن لا يثبت لا يرى، ولو كان في قلب النور نفسه.

اليقين: حين تستقر الرؤية من الداخل

اليقين ليس لحظة امتلاء معرفي، ولا هو تراكم معلومات يصل فيها الإنسان إلى حدّ لا يحتاج بعده إلى مزيد من الفهم، بل هو في حقيقته تحول في بنية الداخل نفسه.

فالمشكلة في الإنسان ليست دائمًا في قلة ما يعرف، بل في تعدد الجهات التي يرى منها ما يعرفه.

تتوزع رؤيته بين احتمالات متعارضة، بين تصورين أو أكثر للحقيقة نفسها، فيبقى داخله في حالة شدّ خفي لا يسمح للرؤية أن تستقر على وجه واحد.

ولهذا لا يكون اليقين إضافة إلى المعرفة، بل إنهاء لحالة التمزق داخلها؛ حين لا تعود الحقيقة مجموعة زوايا متصارعة، بل تصبح حضورًا واحدًا لا يتشظى في الداخل.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “ما من شيء أعز من اليقين”، (ميزان الحكمة، الشيخ محمد الريشهري).

وليس ذلك لأنه أعلى درجات المعرفة فقط، بل لأنه أندر حالات وحدة الداخل مع ما يدركه، حيث لا يعود الإنسان يرى الحقيقة من خارجها، بل يستقر داخلها دون انقسام.

وهنا فقط تتغير طبيعة الرؤية: لا لأن الأشياء تغيّرت، بل لأن الداخل لم يعد منقسمًا أمامها.

في هذه اللحظة لا يعود الإنسان يبحث عن يقين كشيء يضاف إليه، بل يجد أن اليقين هو ما يحدث حين يتوقف البحث عن نفسه في أكثر من اتجاه في آن واحد.

الخلاصة:

حين يتحول ما ينكشف إلى بداية لا تنتهي.

ليست العبادة مجرد ممارسة داخل العالم، بل طريقة يُعاد بها تشكيل العالم في داخل الإنسان قبل أن يتشكل في نظره.

فما ينكشف للإنسان لا يكتسب قيمته من كثرته، بل من الطريقة التي يتعامل بها الداخل مع هذا الانكشاف؛ لأن الرؤية ليست لحظة وصول، بل بداية اختبار لا ينتهي لعمق من يرى.

ولهذا لا يكون الخطر في غياب الرؤية، بل في أن تتحول الرؤية الأولى إلى يقين زائف بالاكتفاء، حيث يتوقف البحث عند أول فتحة نور، ويُغلق ما بعدها دون وعي.

فالإنسان لا يُحجب عن الحقيقة لأنه بعيد عنها، بل لأنه اقترب منها ثم ظن أن الاقتراب هو الوصول.

ولا يتوقف عن السير لأنه لم يجد الطريق، بل لأنه ظن أن أول الطريق هو النهاية.

وهكذا لا تُغلق الحقيقة لأنها انتهت، بل لأن الإنسان ظن أنه وصل إليها وهو ما يزال على عتبتها الأولى.

وفي المقالة القادمة، لن يكون السؤال عن ما الذي تُبصره الرؤية، بل عن ما الذي يحدث للإنسان حين تتحول الرؤية نفسها إلى امتحان لوجوده لا لمعرفته.

حينها لن يعود الأمر متعلقًا بأن ترى أكثر، بل بأن ترى بشكل لا يسمح لك أن تبقى كما كنت بعد أن رأيت.

اللهم لا تجعل ما ينكشف لنا نهاية بصيرتنا، ولا أول فهم سقفًا لوعينا، واجعلنا في عبورٍ إليك لا يتوقف عند ما نرى، ولا يطمئن إلى ما نعلم، ولا يغفل عن ما وراء كل بداية.

المصادر:

القرآن الكريم: الأعراف (185)، المنافقون (7)، التوبة (45)، النور (35)

كتاب: حكمة العبادات – الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

ميزان الحكمة – الشيخ محمد الريشهري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى