
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
بقلم آمي لونغمان، استاذ مشارك في علم النفس، جامعك مالببورن الأسترالية
ربما سمعتَ البعض يتحدثون عن “إرهاق” أو “اختلال” جهازهم العصبي عند تعرضهم لفترات من التوتر الشديد. فهؤلاء عادةً ما يقصدون أن الجسم والدماغ يعلقان في حالة استجابة طويلة إلى الضغط النفسي، ويواجهان صعوبة في التعافي والعودة إلى حالة الهدوء والتوازن. قد تحدث هذه الحالة بعد الإجهاد المُزمن، أو القلق، أو الصدمات النفسية، أو الإرهاق، أو قلة النوم، أو الضغط النفسي، مما يُسبب أعراضًا مثل الشعور بالتوتر الدائم، أو بردود فعل انفعالية مفرطة، أو بإرهاق، أو بعدم القدرة على الاسترخاء، يفوق القدرة على التحمّل بشكل مُريح، أو يتكيف الجهاز العصبي معها بسلاسة كما هو مُعتاد.
ربما قد عُرضت عليك طرق “علاج” أو منتجات أو تجارب تدّعي “شفاء” أو “إعادة ضبط” الجهاز العصبي وتخفيف التوتر والقلق والإرهاق أو الضغط النفسي الشديد سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أم في برامج الاستجمام والمنتجعات الصحية الباهضة التكاليف. قد تشمل هذه الطرق تمارين التأمل والتنفس، أو الاستحمام في الماء البارد، أو تمارين اليوغا، أو التدليك، أو أنظمة غذائية خاصة، أو مكملات غذائية معينة، لكن كيف يعمل الجهاز العصبي في الواقع؟ وهل يمكن إرهاقه وإعادة ضبطه؟
ما وظيفة الجهاز العصبي؟
يؤثر الجهاز العصبي اللاإرادي في وظائف الجسم التي تعمل خارج تحكمنا الواعي (أي التي تعمل تلقائيّا في اللاوعي)، مثل عمل أجهزة الجسم العضوية، وتنظيم درجة حرارته، والانفعالات. وينقسم إلى جاهازين رئيسيين: الجهاز العصبي الودي والجهاز العصبي اللاودي.
الجهاز العصبي الودي يساعدنا على التعامل مع الحالات المسببة للتوتر للتعامل معه أو الاستجابة لحالات الخطر، وذلك بتحفيز استجابات البقاء، مثل الكر أو الفر أو التجمّد والاستسلام أو محاولة إرضاء الآخرين (التملق).
أما الجهاز العصبي اللاودي، فيؤدي دورًا عكسيََا، إذ يُعيد استجاباتنا التلقائية إلى وضعها الطبيعي بعد إثارتها نتيجةً للضغط النفسي، ما من شأنه أن يساعد الجسم على الاسترخاء والتعافي وهضم الطعام والعودة إلى حالة التوازن الطبيعية.
رغم قدرتنا على الاستجابة بفعالية للتهديدات المباشرة وحالات الطوارئ القصيرة بحكم الفطرة (1)، إلا أن نظامنا العصبي المسؤول عن الاستجابة للضغط النفسي قاصرٌ عن مساعدتنا في التعامل مع مسببات ضغوطات الحياة العصرية المزمنة: مثل أعباء العمل الثقيلة، والضغوط المالية، أو الضغوطات طويلة الأمد المتمثلة في التوفيق بين مسؤوليات الآسرة وانشغالات الحياة الكثيرة.
مصطلح “إرهاق الجهاز العصبي” غير مُعرَّف بدقة وليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، ولكنه شائع الاستخدام لوصف تبعات الضغط النفسي المزمن إلى الحد الذي يشعر فيه الشخص بعدم القدرة على التأقلم بسبب تراكم الحالات المسببة للضغط والتوتر دون وجود وقت للراحة بينها. ولكنه يُشير عادةً إلى الآثار البدنية للضغط النفسي عندما نشعر بأننا عاجزون عن التأقلم. قد يحدث هذا عندما نواجه تهديدات كثيرة خارجة عن سيطرتنا، أو عندما لا تتاح لنا فرصة التخلص من التوتر الناتج عن أمرٍ ما والاستراحة قبل أن نتعرض إلى مسبب ضغط آخر.
هل هذا هو “الانهيار العصبي” لعصرنا الحاضر؟
مصطلح “الانهيار العصبي” مصطلح شعبي شائع، وإن كان قديمًا، ويفتقر إلى تعريف طبي واضح، ويُستخدم لوصف أزمة صحية نفسية حادة، وكان يُنظر إليه على أنه نوع من الانهيار في القدرة على أداء الأدوار الاجتماعية المعتادة، حيث يصبح الشخص غير قادر على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي بسبب تعرضه لنوبة نفسية مفاجئة (2)، أي توقف تمامََا عن الحركة، وكأنه سيارة متعطلة على جانب الطريق.
أما مصطلح “إرهاق الجهاز العصبي” فيُوصَف بمصطلحات معاكسة تقريبًا. قد يظل الشخص فادرََا على ممارسة حياته اليومية، لكنه يظل يشعر بمزيد من التوتر والحساسية، وتضعف لديه القدرة على التعامل مع تحديات ومشكلات الحياة المعتادة.
لماذا أصبح الجهاز العصبي حديث الساعة؟
لطالما اعتُبر خلل الجهاز العصبي جزءً من الخلل البيولوجي الذي يحدث جراء اضطراب الكرب التالي للصدمة (3).
لكن يبدو أن الجهاز العصبي – وما يُسببه من إرهاق – قد أصبح مصطلحًا شائعًا ومتداولًا بين عامة الناس والمؤثرين، والمعالجين، ومجتمعات الصحة النفسية في نقاشات المساعدة الذاتية، والصحة، والعلاج النفسي على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد تزايد الحديث عن التوتر، والصدمات النفسية، والإرهاق، والقلق، وتنظيم المشاعر من منظور الجهاز العصبي، خاصةً بعد أن زادت جائحة كورونا من الوعي العام بالصحة النفسية. هذا لا يعني هذا أن الجهاز العصبي نفسه قد تغير، بل يعني أن المفهوم أصبح رائجًا وبارزًا ثقافيًا لتفسير التوتر النفسي والإرهاق البدني.
قد يكون أحد الأسباب هو ازدياد الوعي بالأسس البيولوجية للانفعالات (4). فهناك تغيرات فسيولوجية يُترجمها الدماغ، ما يؤدي إلى الاحساس بالانفعالات.
كما ازدادت شعبية نظرية العصب المبهم (5)، حيث تفترض هذه النظرية تفسيرات تطورية وعصبية فسيولوجية لدور العصب المبهم في الجهاز العصبي اللاإرادي، وكثيرًا ما يُستشهد بها في الأوراق العلمية في سياق الصدمات النفسية لتفسير حالات التوتر والانفعالات المختلفة (6).
مع أن الدراسات حول العلاجات المُستمدة من نظرية العصب المبهم قليلة، ولذلك لا يعتمد عليها لمعرفة مدى فعاليتها، إلا أن بيانًا توافقيًا صدر مؤخرًا عن 39 خبيرًا في المجالات ذات العلاقة قد دحض الفرضية الأساس لهذه النظرية (5)، حيث تفتقر إلى أدلة علمية كافية، بالرغم من أنها لا تزال مؤثرة في مجالات الصحة النفسية والعلاجية.
بشكل أوسع، قد يكون افتتاننا بالجهاز العصبي توجهاً نحو اعتبار الضائقة النفسية مشكلة دماغية أو بيولوجية، وليست تجربة شخصية متأتية من أحداث الحياة، مثل مشكلات تتعلق بضغط العمل أو مشكلات عائلية. قد يبدو استخدام مصطلحات طبية مثل “إرهاق الجهاز العصبي” أسهل من قول “أشعر بالإرهاق الشديد.”
استخدام تفسيرات بيولوجية للتوتر أو الاضطرابات النفسية قد يحد من الشعور بالوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية والشعور بالخجل (7). مع ذلك، لا ينبغي التفكير في التوتر من منظور طبي أو بيولوجي فقط، إذ قد يُشعر الناس بالعجز، وكأن مشكلاتهم هذه مزمنة أو خارجة عن السيطرة.
كما يوجد احتمال لـ “توسع المفهوم،” حيث قد يوسع الناس نطاق المصطلحات الطبية أو النفسية المعقدة لوصف تجارب حياتية خفيفة نسبياً. وهذا قد يحول المشكلات اليومية إلى مشكلات طبية أو اضطرابات نفسية (8).
عبارات مثل “إعادة ضبط الجهاز العصبي” قد تجعل التوتر الطبيعي، أو الحزن، أو القلق، أو المشكلات الانفعالية تبدو وكأنها مرض بدني خطير يحتاج إلى علاج، بينما في الواقع، التقلبات الانفعالية لا تعدو عن كونها جانبََا طبيعيًا من حياة الإنسان. هذا النوع من المفاهيم قد يُبالغ أحيانًا في تصوير التجارب الحياتية العادية وكأنها مشكلات طبية، مع أن الشعور بالتوتر أو الإرهاق في بعض الأحيان لا يعني بالضرورة وجود خلل جوهري في الجسم أو الجهاز العصبي.
“إعادة ضبط الجهاز العصبي” مصطلح شائع في مجال الصحة النفسية، ويعني عادةً محاولة تهدئة الجسم والدماغ بعد التعرض للإجهاد، أو القلق، أو الإرهاق، أو الضغط النفسي الشديد، لكي يشعر الشخص بمزيد من التوازن والاسترخاء. يستخدم اعادة الضبط لوصف أنشطة تتعلق بأسلوب الحياة (9)، مثل النوم والراحة والرياضة وتمارين التنفس (لخفض مستوى هرمون التوتر (الكوريتزول) والعلاج النفسي وقضاء بعض الوقت في الطبيعة (لخفض التوتر وضغط الدم المرتفع) (10) والغذاء الصحي لمساعدة الجسم على التعافي من الإجهاد المزمن والعودة إلى حالة من الهدوء الطبيعي. كما أن ممارسة الفن أو المشاركة في الأنشطة الفنية – مثل الرسم، يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر والتعامل بشكل أفضل مع الحالات النفسية (11). وقد تُريح هذه الأنشطة الذهن، وتحسن المزاج، وتضفي شعوراً بالمتعة، مما يُساعد على إدارة التوتر، بل ويمنعه من أن يصبح تدريجيََا مُرهقاً.
الهوامش
1- https://www.health.harvard.edu/healthy-aging-and-longevity/understanding-the-stress-response
2- https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/22780-nervous-breakdown
3- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32854795/
4- https://academic.oup.com/scan/article/12/1/1/2823712
5- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/41768017/
6- https://www.nicabm.com/topic/polyvagal-theory-explained/
7- https://theconversation.com/diagnostic-labels-may-increase-our-empathy-for-people-in-distress-but-there-are-downsides-too-237553
8- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/1047840X.2016.1082418
9- https://www.mdpi.com/2227-9032/12/22/2263
10- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1618866720307494
11- https://www.mdpi.com/2076-328X/8/2/28
المصدر الرئيس
https://findanexpert.unimelb.edu.au/news/151896-what-do-people-mean-when-they-say-their-nervous-system-is-overloaded-or-needs-a-reset?




