أقلام

ضِرار

أمير الصالح

تمهيد

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى‏ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) سورة التوبة، آية 10. هذه الاية الكريمة هي نسف كامل لكل من يتخذ ستارات متلونة وبراقة لتمرير أعماله التي تمزق كلمة المؤمنين والصالحين في الأرض، وكل من يدس ألوان سمومه في العسل تحت شعارات المثاقفة والفكر الحر، وسبب نزول الآية الكريمة يستحق التدبر.

مقدمة

مسجد ضِرار أو ديوانية ضِرار أو تجمع ضِرار أو صالون ضِرار هي مؤسسات مغلفة بصور و شعارات وردية جميلة، ولكن اهدافها ومحتواها بكل أسف مخادعة أو منحرفة حيث يتجمع فيها أشخاص متفاوتو الأعمار والخبرات من ذوي الطاقات بنية إسقاط منظومة سماوية متكاملة وإثارة تشكيكات ودفع أتباعها للمجهول أو الانحلال أو التفريط أو التشدد أو التفتيت الداخلي؛ وقد تخدم تلكم الصالونات والديوانيات والأندية أعداء المجتمع أو أعداء الأوطان أو أعداء الدين أو أعداء الاستقرار الاجتماعي أو أعداء النسيج الاجتماعي الناجح، وتكون محل صناعة إثارة البلبلة والهرج والمرج والأفكار الضالة بقصد جر المجتمع للانحراف، أو لفت الأنظار أو ضبابية التوجهات بإدراك أو عدم إدراك من أصحاب الديوانية/ الصالون / المسجد / النادي.

في البداية تتشكل الديوانيات والأندية والصالونات والجمعيات لسد حاجة أو صنع بديل مشروع لغرض أو مجموعة أغراض، ومنها النقد والتطوير والمراجعة والتدارس والنمو؛ وتنطلق بعد ذلك من أجل تعميق وتجذير وترسيخ وتأصيل روح الفريق الواحد أو آليات وأعراف وممارسات وأخلاقيات وقيم فكرية وسلوكية ومهنية وأعراف أصول محترمة محددة.

المؤسف أننا نلاحظ أن هناك عدد ليس بالقليل من لِجان وجمعيات وأندية وصالونات أضرمت نار الفتن والجدال العقيم والمناكفات المستمرة والتنابز والتلاسن الطويل داخل أسوار مجتمعاتها تحت شعارات ويافطات متنوعة مثل النقد والمراجعة والتجديد والتفكير الحر والمثاقفة … و.. و … إلخ. فأضحى عدد ليس بالقليل من الناس في العالم الثالث يُقدم نفسه على أنه مفكر وعلامة ونابغة ومحلل فذ ومثقف مميز و … إلخ. فتأثر بهم نفر من الشباب والفتيات وأضحى المشهد من سيء إلى الأسوء، وأضحت سفينة المجتمع الكبيرة في وجود هكذا صالونات وديوانيات وتيارات متنازعة بشكل غير شريف، مخروقة وممزقة ومهلهلة وقابلة للغرق، بل قابلة حتى للبيع من قبل أطراف عدة في بعض المجتمعات!! فهل عقد كل فريق مراجعة داخلية للحصاد النافع لما كان يسعى إليه طوال السنين الماضية أم أنها مجرد صراعات أفرزت ضحايا وتفتت ونفور!!

خيط رفيع

بين الشجاعة والتهور خيط فاصل رفيع، وببن التحذير والغيبة من شخص ما خيط فاصل رفيع،

وبين الاقتصاد والشح في البذل خيط فاصل رفيع، وبين الكرم والإسراف خيط فاصل رفيع،

وبين الدلال والإفراط خيط فاصل رفيع، وبين الوعي والعبء خيط فاصل رفيع.

إذن ما الخيط الفاصل لاستدراك الوعي الصادق والوعي الكاذب لتمييز الغث من السمين.

شخصيًّا بذلت لفترة من الزمن جهود مضنية في قراءة المشهد الاجتماعي وخرائط العلاقات الفردية في بعض بقع الأرض، وصرفت وقت وأنا أحلل كل فعل وردة فعل داخل أطراف مؤثرة من أبناء المجتمع الواحد، وأبحث عن الجذر وراء هذا الفعل أو ذاك. فتارة أسند الفعل على أساس تحليل نفسي كشعور داخلي تشكل من الطفولة لدى الفاعل الفلاني بسبب إهمال، صدمة أو حتى عدم توجيه؛ وتارة أفسر ذاك السلوك للطرف الثاني بأنه ردة فعل أو انتقام أو انشقاق أو فجور في الخصومة أو تعارض مصالح أو نرجسية أو أنانية أو مصلحة، وتارة أفسر بروز صِدام ما أنها مناكفة وازدراء نشأ بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم!!! وتارة أفسر الأمور على أنها ركوب موجة ترندات واتباع تيارات عابرة للقارات!!

الوعي نعمة أم نقمة

أظن (وبعض الظن إثم) أنه يوجد خط رفيع يفصل بين تحول الوعي من نعمة إلى نقمة.

فعندما يتحول الوعي إلى شعور دائم بالعبء، فمعنى ذاك أن حامل الوعي هو من خلق التيارات العدمية والعبثية والضبابية وتقمص أمور ما كان يجب أن يتقمصها وخاض تجارب فكان لديه سجل نتائج إحباطية متكررة جعلته في حالة قنوط.

ولذا المؤمن بالله حقًّا يعلم أن الذى يفصل بين الأمور هو اليقين العملي بأن هناك قوة عُليا مدبرة، عادلة ورحيمة، ترى كل شيء وتعمل لحكمة أعلى من مستوى إدراكنا البشري المحدود. هنا أنت / أنا / نحن/ أنتم كإنسان بذل جهده في استطلاع واستكشاف معالم الحقيقة والحق، مهما كان ما تراه أمامك من أمور سودواية، تُسَلِم الأمر إلى هذه القوة، فترتاح وتطمئن.

تربية النفس

قد يعز عليك/ علينا/ على المجتمع سماع خبر ولوج أحد أبناء مجتمعه إلى صفوف فريق أهل الإلحاد أو التحاقه بالشياطين أو خيانته لمجتمعه أو عقوقه لوالديه أو مجادلته بغير الحق لأهل دينه أو كفره المبطن بآيات الله الواضحات أو سعية لإثارة اللغط بآيات الله البينات أو إشهار فسقه وفجوره أو خداعه وسرقة أموال الناس أو تبجحه بالاعتداء على كرامة الناس وحرماتها أو لباسه لقناع الدين، الثقافة لتضليل الناس. وما يزيد جرح الفرد السوي ألمًا أن ذلك الشخص المناكف هو صاحب طاقة عقلية كبيرة وجسدية وتقنية ومالية أو أكاديمية مرموقة. وقد يكون فعله إعلان تمرد أو نكاية أو تشفٍّ أو انتقام، إلا أن العاقل لا يصل إلى حد الفجور في الخصومة إلى عدم الاتزان، وإنما يضع الأمور في نصابها الحقيقي. وهنا أقدم رسالة لكل من غرته الحياة الدنيا وفلاشات الكاميرات وحب الحضوة بأن يٌراجع ويحكم ضميره بشكل موضوعي في كل مشهد ورأي ومحفل وتجمع ومقطع فيديو قبل إصداره ونشره ومشاركته.

أما العقلاء فإننا نقول لهم أوصل رسالتك ولا تكن شقيًّا وتجنب التشنج وخاطب الناس بأدب بعيدًا عن لغة الإسقاط والشتم والبذاءة والتخوين. وترفق بتربية نفسك لما يحب الله ويرضى وتذكر الآيات القرآنية التالية:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة المائدة، آية 105.

الآية الكريمة واضحة المعالم وعلى الإنسان الباحث عن الحقيقة والحق أن يسعى لتزكية نفسه أولًا، لا أن يناكف ويزعج خلق الله بأفكار ملوثة زرعها بعض المستشرقون ودس السم بالعسل. وتذكر أيضًا الآيات الكريمة التالية:

(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) سورة يونس، آية 108

( مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًاً) سورة الإسراء، آية 15،

( إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) سورة الزمر، آية 41.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى