أقلام

الوسواس القهري لدى الأطفال وكيفية علاجه

د. حجي الزويد

يُعدّ الوسواس القهري لدى الأطفال من الاضطرابات النفسية التي قد تؤثر بصورة واضحة في حياة الطفل اليومية، في راحته النفسية وعلاقاته الأسرية والاجتماعية. وكثيرًا ما يظن الأهل أن ما يقوم به الطفل مجرد تصرفات عابرة أو عادات طفولية مؤقتة، بينما يكون الطفل في الحقيقة يعاني من أفكار مزعجة ومتكررة تدفعه إلى القيام بسلوكيات قهرية لا يستطيع السيطرة عليها بسهولة.

والوسواس القهري ليس ضعفًا في الشخصية، ولا دليلًا على سوء التربية أو ضعف الإيمان، بل هو اضطراب نفسي معروف يمكن علاجه والتحسن منه بدرجة كبيرة بإذن الله عند اكتشافه مبكرًا والتعامل معه بطريقة صحيحة.

معنى الوسواس القهري

الوسواس القهري هو اضطراب نفسي يتكون من أفكار متكررة ومزعجة تُسمّى “الوساوس”، تدفع الطفل إلى القيام بسلوكيات أو أفعال متكررة تُعرف بـ “الأفعال القهرية” بهدف تخفيف القلق أو الخوف الناتج عن تلك الأفكار.

وقد يكون الطفل مدركًا أحيانًا أن هذه التصرفات غير منطقية، ولكنه يشعر بتوتر شديد إذا حاول التوقف عنها، لذلك يجد نفسه مضطرًا إلى تكرارها باستمرار.

كيف يظهر الوسواس القهري عند الأطفال؟

تختلف أعراض الوسواس القهري من طفل إلى آخر، وقد تظهر بصورة تدريجية أو مفاجئة، كما أن بعض الأطفال لا يستطيعون التعبير عما يدور في داخلهم، فيظهر الأمر على هيئة تصرفات متكررة أو قلق دائم يلاحظه الأهل.

من الصور الشائعة الخوف المبالغ فيه من الجراثيم أو الاتساخ، فتجد الطفل يغسل يديه مرات كثيرة جدًا، أو يرفض لمس مقابض الأبواب والطاولات، أو ينزعج إذا لمس أحد ألعابه، وقد يطلب تبديل ملابسه باستمرار أو الاستحمام بشكل متكرر رغم عدم وجود حاجة حقيقية لذلك.

وبعض الأطفال يكثر لديهم الشك وإعادة التأكد، فيعيد التأكد من إغلاق الباب أو الحقيبة أو إطفاء الأنوار مرات متكررة، وقد يعود عدة خطوات ليتحقق من شيء يعرف أصلًا أنه فعله، لكنه لا يشعر بالاطمئنان الداخلي.

وقد يظهر الوسواس على هيئة ترتيب وتنظيم مبالغ فيه، فيصر الطفل أن تكون ألعابه أو كتبه أو ملابسه مرتبة بطريقة محددة جدًا، وينزعج أو يغضب بشدة إذا تغير مكان شيء بسيط، وأحيانًا يرفض النوم أو الدراسة حتى يعود كل شيء كما يريد تمامًا.

وهناك أطفال يكررون أفعالًا معينة بصورة قهرية، مثل لمس الأشياء عددًا معينًا من المرات، أو فتح الباب وإغلاقه بشكل متكرر، أو الجلوس والقيام بطريقة معينة، أو تكرار كلمات وجمل بصوت منخفض، أو العد المستمر للأرقام والخطوات والأشياء المحيطة بهم.

ومن الأمثلة أيضًا أن يخاف الطفل من حدوث مكروه لوالديه أو لإخوته إذا لم يقم بطقس معين، كأن يكرر دعاء أو حركة أو كلمة مرات كثيرة، ويشعر بقلق شديد إذا حاول التوقف عنها، رغم إدراكه أحيانًا أن الأمر غير منطقي.

وقد يكثر الطفل من السؤال نفسه بصورة متكررة، ليس لأنه لم يفهم الإجابة، بل لأنه يبحث عن الطمأنينة، فيسأل مثلًا:

هل أنت متأكد؟ هل لن يحدث شيء؟هل أنا لم أخطئ؟

ثم يعيد السؤال مرات عديدة رغم سماعه الجواب نفسه.

وفي بعض الحالات يظهر الوسواس في الدراسة، فيعيد الطفل كتابة الواجب عدة مرات لأنه يشعر أن الخط غير مناسب، أو يمحو الكلمة ويكتبها باستمرار، أو يتأخر كثيرًا في إنهاء الاختبارات بسبب المراجعة القهرية والخوف من الخطأ.

كما قد يظهر في الجانب الديني عند بعض الأطفال، فيبالغ في الوضوء أو يعيد الصلاة أو التكبير أو قراءة الفاتحة مرات كثيرة بسبب الشك والخوف من بطلان العبادة، وقد يشعر بتوتر شديد وإرهاق بسبب ذلك.

وأحيانًا تكون الوساوس على شكل أفكار مزعجة ومتكررة لا يحبها الطفل نفسه، مثل الخوف من إيذاء أحد، أو التلفظ بكلمات سيئة، أو التفكير بأمور مخيفة أو محرجة، فيشعر بالذنب ويحاول طرد هذه الأفكار دون أن يستطيع بسهولة.

وقد ينعكس الوسواس القهري على حياة الطفل اليومية، فيتأخر في ارتداء الملابس أو الذهاب للمدرسة أو النوم، أو يصبح سريع الانفعال والتوتر، أو ينسحب من اللعب والأنشطة بسبب القلق المستمر والتفكير المتكرر.

ومن المهم الانتباه إلى أن بعض الأطفال يخفون أعراضهم لفترة طويلة خجلًا أو خوفًا، لذلك قد يظن الأهل أن الطفل فقط “دقيق” أو “حساس” أو “كثير التفكير”، بينما يكون في الحقيقة يعاني من قلق داخلي ووساوس متعبة تحتاج إلى تفهم واحتواء وتقييم مختص إذا بدأت تؤثر على حياته اليومية أو دراسته أو راحته النفسية.

أسباب الوسواس القهري عند الأطفال

لا يوجد سبب واحد مباشر للوسواس القهري، وإنما تتداخل عدة عوامل في ظهوره. فقد يكون للعامل الوراثي دور مهم، خاصة إذا وُجدت حالات مشابهة في العائلة. كما أن اضطراب بعض المواد الكيميائية في الدماغ قد يسهم في ظهور الوساوس والسلوكيات القهرية.

وتلعب الضغوط النفسية دورًا واضحًا في بعض الحالات، مثل المشكلات الأسرية أو التعرض للتنمر أو الخوف أو التغيرات المفاجئة في حياة الطفل. كذلك فإن الأطفال ذوي الشخصيات الحساسة أو القلقة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب.

الفرق بين الوسواس القهري والسلوك الطبيعي

من الطبيعي أن يمر الطفل ببعض العادات أو السلوكيات المتكررة خلال مراحل النمو المختلفة، لكن الوسواس القهري يختلف عن ذلك عندما تصبح التصرفات متكررة بصورة مبالغ فيها، أو تستغرق وقتًا طويلًا يوميًا، أو تسبب للطفل قلقًا شديدًا، أو تؤثر في دراسته ونومه وحياته الاجتماعية.

فالطفل المصاب بالوسواس القهري غالبًا لا يستطيع التوقف عن هذه السلوكيات بسهولة، حتى لو حاول ذلك.

علاج الوسواس القهري

يُعد العلاج السلوكي المعرفي من أهم وأنجح طرق علاج الوسواس القهري لدى الأطفال، حيث يساعد الطفل على فهم أفكاره الوسواسية والتعامل معها بطريقة صحيحة، مع تدريبه تدريجيًا على مقاومة السلوكيات القهرية والتخفيف منها دون ضغط أو تعنيف.

ويُعد دور الأسرة عنصرًا رئيسًا في نجاح العلاج، فالطفل يحتاج إلى بيئة هادئة ومتفهمة تشعره بالأمان والدعم النفسي. ومن المهم تجنب السخرية من الطفل أو توبيخه أو التقليل من معاناته، لأن ذلك قد يزيد من القلق ويُفاقم المشكلة.

وفي بعض الحالات المتوسطة أو الشديدة قد يحتاج الطفل إلى أدوية يصفها الطبيب المختص للمساعدة في تقليل الوساوس والقلق، وغالبًا ما تكون فعالة وآمنة عند استخدامها تحت إشراف طبي مناسب.

أخطاء شائعة في التعامل مع الطفل:

هناك بعض التصرفات التي قد تزيد من حدة الوسواس القهري عند الطفل، مثل إجباره بعنف على التوقف عن السلوكيات القهرية، أو السخرية منه أمام الآخرين، أو تكرار طمأنته بصورة مبالغ فيها لكل فكرة وسواسية.

كما أن الاستجابة الدائمة لطقوس الطفل القهرية قد تُرسّخ المشكلة بدلًا من علاجها، لذلك ينبغي التعامل مع الحالة بهدوء وتوازن مع الاستعانة بالمختصين عند الحاجة.

متى يجب مراجعة المختص؟

ينبغي مراجعة الطبيب النفسي للأطفال أو المختص النفسي إذا استمرت الأعراض لفترة طويلة، أو أثرت في دراسة الطفل ونومه وحياته اليومية، أو إذا أصبح الطفل يعاني من القلق الشديد أو العزلة أو نوبات الغضب المتكررة بسبب الوسواس.

كما أن التدخل المبكر يساعد بشكل كبير على تحسين الحالة وتقليل تأثيرها على حياة الطفل ومستقبله.

الرسالة الذهبية:

الوسواس القهري لدى الأطفال حالة تحتاج إلى الفهم والصبر والاحتواء، وليس إلى اللوم أو القسوة. فالطفل المصاب يعاني من صراع داخلي حقيقي يجعله بحاجة إلى الدعم النفسي والشعور بالأمان.

وكلما تم اكتشاف المشكلة مبكرًا وبدأ العلاج بطريقة صحيحة، كانت فرص التحسن أفضل بإذن الله، وعاد الطفل تدريجيًا إلى ممارسة حياته بصورة طبيعية وأكثر راحة وطمأنينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى