أقلام

خرابيش مريض68… قطرة العمى2

عبد الكريم سعيد النمر

ومع الأيام، لم يعد بيت أمي في الواحة كما كان. صار الظلام يثقل خطواتها، وأصبحت الطرق التي حفظتها منذ طفولتها تشبه متاهةً لا تُرى.

وفي كل زيارة كانت تتمسّك بيدي وتقول بصوتٍ خافت:

أخاف أن أسقط هنا… أخاف أن أبقى وحدي.

عندها فقط أدركنا أن واحة الأحساء الجميلة التي كانت جنتها، لم تعد قادرة على احتوائها كما كانت تفعل دائمًا.

وفي تلك الليلة وقفنا جميعًا أمام سؤال لم نجرؤ يومًا على طرحه:

هل نبقيها حيث تحب، أم نأخذها إلى حيث تأمن؟

المدينة التي كانت تخشاها وتهرّب حتى من زيارتها أصبحت خيارًا مطروحًا.

ثقيلًا… ومخيفًا… لكنه ربما كان الأرحم.

لم تكن أمي تعلم أن هذه الخطوة، إن حدثت، قد لا تكون نهاية ما أحبّت، بل بداية حبٍّ آخر لم تتخيله يومًا.

ولم نكن نحن نعلم أن العمى الذي أخذ من عينيها النور، كان يهيّئ لها طريقًا ترى فيه بقلبها أكثر مما رأت ببصرها.

لم نخبرها مباشرة.

جلسنا طويلًا نتبادل النظرات، وكأن كل واحدٍ منا ينتظر أن يبدأ الآخر.

كانت أمّي تجلس على طرف الكنبة وتصغي إلينا أكثر مما ترى، فالسمع صار دليلها الوحيد على الوجوه.

قالت بهدوءٍ يشبه الاستسلام:

ليش ساكتين؟

اقتربتُ منها، وأمسكتُ يدها.

تردّدتُ لحظة…

ثم قلت:

يمّه… نفكّر تنتقلين معنا فترة. بس فترة مؤقتة حتى يعود لكِ بصركِ وتعودين لبيتك هذا.

لم تردّ فورًا.

شدّت على يدي قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خافت:

لمدينة الدمام؟

أومأتُ، رغم أنها لا تراني، ولكني لم أعرف ما أجيب.

قالت بعد صمتٍ قصير:

كنت أعرف… الواحة ما عادت لي.

لم تبكِ.

هذا ما كسرنا.

قالت وكأنها تحدّث نفسها ولكننا نسمع ما تقول:

هنا أعرف الأرض بس ما أشوفها…

وهناك ما أعرف المكان، ولا أشوفه.

ثم رفعت رأسها قليلًا، وسألت:

بتكونون حولي؟

قلنا جميعًا: نعم.

سكتت مرة أخرى.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها صادقة، وقالت:

إذا كان الله كتب لي أعيش بدون نظر…

يمكن كتب لي أيضًا أعيش بدون خوف.

في تلك اللحظة، عرفنا أن القرار اتُّخذ،

لا بالقوة، ولا بالإقناع. بل حين تعبت الروح من التمسّك بما لم يعد يحميها.

خرجنا من الغرفة واحدًا تلو الآخر،

وتركناها وحدها قليلًا.

لم نكن نعلم أن المدينة التي خافت منها طويلًا كانت تخبّئ لها أصواتًا خافتة، وأيادٍ بريئة ستقودها… حين تعبت عيناها.

انطلقنا مع الفجر. لم يكن في السيارة ما يُقال، الصمت كان أصدق من أي حديث.

جلست أمّي في المقعد الخلفي، تُمسك بحقيبة صغيرة وضعتها في حضنها، لم نكن نعرف ماذا تحمل فيها، لكننا كنّا نعلم أنها جمعت فيها ما تبقّى من عالمها.

الطريق كان طويلًا، مئة وستون كيلومترًا

تفصل بين واحة تعرف أسماء نخيلها وطعم تمرها وعذوبة مياهها، ومدينة لا تعرف عنها إلا أن أبناءها وأحفادها يعيشون فيها.

كانت تسأل أحيانًا:

عدّينا النخل؟

فنجيبها:

نعم.

تسكت، ثم تسأل بعد مسافة:

باقي كثير؟

فنقول:

شوي.

لم تكن تسأل عن الطريق، كانت تسأل عن نفسها، عن المسافة بين ما كانت عليه وما ستصبحه بعد قليل.

وحين بدأ تعب الطريق الذي لم تعتده يرهقها، قالت بهدوء:

دخلنا الدمام… صح؟

قلنا:

نعم.

تنفّست بعمق، لم تبتسم، ولكنها أيضًا لم تبكِ.

قالت فقط:

الحمد لله… على كل حال.

وفي تلك اللحظة، عرفنا أن الرحلة لم تكن من الواحة إلى المدينة، بل من حياة كانت تُرى بالعين إلى حياة ستُعاش بالقلب والإحساس فقط.

عندما وصلنا البيت قادتها زوجتي إلى الغرفة التي أعددناها لها.

لم تسأل عن لون الجدران، ولا عن شكل السرير، أول ما سألت عنه كان اتجاه القبلة.

كيف سأعرف اتجاه القبلة إذا كنتُ لوحدي في الغرفة؟

أماه… أماه…، قلتها والدموع بدأت تنهمر من عيني عند سماعي ذلك،

لن ندعكِ لوحدكِ أبدًا… لا في الليل ولا في النهار.

ثم سألت عن موقع الباب والنافذة، وحين عرفتهما، أومأت برأسها كمن ارتاح.

أخذت تمشي في الغرفة واضعةً يدها على كل جزء منها، كأنها تُعلّم المكان نفسها.

قالت بصوت خافت:

راح أضيع هنا؟

قالت زوجتي بسرعة:

لا… أنا جنبكِ.

ابتسمت أمّي. لم تقل شيئًا، لكن الابتسامة كانت كافية.

حين جاء وقت العشاء،

لم تأكل كثيرًا.

قالت إن الطريق أتعبها، وأنها تريد أن تنام مبكرًا كعادتها.

ساعدناها على السير ووضعتُ يدها على الجدار، وقلت لها:

هذا حدّ الغرفة، ثم وضعت يدها الأخرى على طرف السرير، وهذا طريقكِ.

هزّت رأسها، وكأنها حفظت المكان بطريقتها.

قبل أن نخرج، قالت فجأة:

لا تطفون النور.

تردّدنا لحظة، ثم فهمنا.

قلنا:

النور شغّال يا أمي.

قالت بهدوءٍ لا يخلو من حكمة:

أدري… بس وجوده يطمني، حتى لو ما أشوفه.

أغلقنا الباب بهدوء.

في الصالة، جلست زوجتي بصمت،

تنظر إلى الباب المغلق.

قالت بعد حين:

أول مرة أحس أن للبيت قلبًا وروحًا.

البيت لا يُبنى بالحجارة والأسمنت… ياحبيبتي… بل بمن يسكنه.

وفي تلك الليلة، لم تنم أمّي سريعًا،

ولم نبقَ نحن مستيقظين كثيرًا كما اعتدنا.

صباح اليوم التالي –

استيقظت أمي مع صوت خفيف، الأحفاد.

خطوات صغيرة تركض في الممرات، وضحكات لا تشبه صمت الواحة الذي اعتادته طويلًا.

أغمضت عينيها أكثر… وكأنها تحاول أن ترى هذا العالم من جديد بقلبها.

ولم تكن تعلم أن تلك الأصوات الصغيرة، المزعجة الآن، ستُعيد إليها شيئًا ظنّت أن العمى أخذه منها إلى الأبد.

لنكمل الحكاية في “قطرة العمى3”

الأسبوع المقبل.

همسة مريض:

أحيانًا نفقد شيئًا كبيرًا فنحزن ونبكي ونشتكي، وربما نسيء الظن بالله… لنكتشف لاحقًا أن قلوب من حولنا هي أكبر مما أُخذ منّا بكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى