أقلام

الإمام الجواد: حين يُربك النورُ حسابَ العمر

أحمد الطويل

مقدمة:

تعود ذكرى استشهاد الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، الذي ارتحل شهيدًا في آخر ذي القعدة سنة 220 هـ، بعد عمرٍ قصيرٍ في حساب الناس، عظيمٍ في حساب السماء.

ولكن، هل يُقاس الإنسان بعدد السنوات فعلًا؟

أم بما يتركه من أثرٍ يهزّ الزمن كلّه؟

نحن اعتدنا أن نربط الهيبة بالعمر، والتجربة بالسنين، والقيادة بطول الطريق.

ولكن الإمام الجواد عليه السلام جاء ليكسر هذا التصور من جذوره.

فقد جلس في موقع الإمامة وهو في سنٍ صغيرة، في وقتٍ كان الناس فيه يظنون أن العمر شرطٌ للفهم، وأن السنوات هي التي تصنع الهيبة.

وهنا بدأ الامتحان الحقيقي.

ليس امتحان الإمام، بل امتحان الناس: هل يستطيعون أن يروا الحقّ حين يأتيهم بصورةٍ لا تشبه ما اعتادوه؟

حين وقف العمر مرتبكًا أمام العلم

بعد استشهاد الإمام الرضا عليه السلام، اتجهت الأنظار إلى ابنه الجواد عليه السلام، ولكن كثيرين وقفوا متحيّرين أمام صغر سنّه.

كيف يمكن لطفلٍ في هذا العمر أن يحمل علم الإمامة وقيادة الأمة؟

ولكن ما حدث بعد ذلك، لم يكن جوابًا عاديًا، بل صدمةً قلبت الموازين.

ففي مجلس المأمون، اجتمع العلماء والفقهاء، وتقدّم يحيى بن أكثم بأسئلته المعقّدة، ظنًّا منه أن الأمر سينتهي بإحراج الإمام.

غير أن الإمام الجواد عليه السلام لم يُجب فقط، بل فكّك السؤال إلى احتمالاتٍ متعددة أذهلت الحاضرين، حتى تحوّل المشهد من اختبارٍ للإمام إلى انكشافٍ لعجز الآخرين. (الإرشاد – الشيخ المفيد).

وهنا سقط الوهم الكبير: أن الحقيقة تحتاج عمرًا طويلًا كي تثبت نفسها.

﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، فالله لا يقيس أولياءه بمقاييس الناس، بل بما أودعه فيهم من نورٍ وحكمة.

الهيبة التي لا تصنعها السلطة

المأمون العباسي حاول أن يُحيط الإمام الجواد عليه السلام بمشهد السلطة، وأن يجعله قريبًا من البلاط، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا.

فكلما اقترب الإمام من المشهد، ازداد الفرق وضوحًا بين نور الإمامة ولمعان الدنيا.

لم يكن الإمام يبحث عن حضورٍ سياسي، ولا عن صورةٍ جماهيرية، بل كان حضوره يفرض نفسه بهدوءٍ عجيب.

هيبةٌ لا تصنعها المناصب، بل يصنعها الصدق.

لم يكن حضوره مستمدًّا من قربه من القصر، بل من ذلك النور الذي كان يجعل القلوب تشعر أنها أمام إنسانٍ لا يُشبه أحدًا.

سكينةٌ في الكلام، وعمقٌ في الجواب، ونقاءٌ يجعل القلوب تشعر أنها أمام إنسانٍ متصلٍ بالله.

وقد رُوي عنه عليه السلام: “الثقةُ بالله ثمنٌ لكلّ غالٍ، وسُلَّمٌ إلى كلّ عالٍ” (بحار الأنوار، ج78).

وكأن الإمام كان يُعيد توجيه الإنسان من الاتكال على العالم، إلى الاتكال على الله.

الاستشهاد: حين لا يحتمل الباطل وضوح الحقيقة

كلما ازداد حضور الإمام الجواد عليه السلام في القلوب، ازداد خوف السلطة منه.

فالسلطة تخاف السيف أحيانًا، ولكنها تخاف الوعي أكثر.

الإمام لم يكن يقود جيشًا، ولم يرفع راية حرب، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليُربك الحسابات، لأن الناس حين ترى أنموذجًا نقيًّا، تبدأ بمقارنة الواقع به، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي على الظالمين.

ولهذا، انتهت حياة الإمام شهيدًا مسمومًا، لكن المفارقة أن الجسد رحل مبكرًا، بينما بقي أثره يتمدّد عبر القرون.

وهنا يظهر السرّ العجيب:

بعض الناس يعيش طويلًا ثم يختفي، وبعضهم يرحل مبكرًا، ولكنه يبقى حاضرًا أكثر من الجميع.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، لأن النور لا يُقاس ببقاء الجسد، بل ببقاء الأثر.

الخلاصة:

الإمام الجواد عليه السلام لم يكن تحدّيًا للعمر فقط، بل لطريقة تفكيرنا كلّها.

فنحن كثيرًا ما نبحث عن الحقيقة في الصور التي اعتدناها، فإذا جاءت مختلفةً تردّدنا في رؤيتها.

لكن ماذا لو كان الامتحان الحقيقي في حياتنا، ليس أن يغيب الحقّ، بل أن يكون حاضرًا أمامنا بصورةٍ لم نتوقعها؟

كم من نورٍ مرّ بنا ولم نلتفت إليه لأننا كنّا ننتظر شكلًا آخر له؟

وكم من حقيقةٍ كانت قريبة، لكن مقاييسنا البشرية حجبتنا عنها؟

الإمام الجواد عليه السلام علّمنا أن الله لا يعمل وفق حساباتنا الضيقة، وأن النور لا يحتاج عمرًا طويلًا كي يُثبت نفسه، بل يحتاج قلبًا يعرف كيف يراه.

فهل نحن فعلًا نبحث عن الحقّ؟

أم نبحث فقط عمّا يُشبه تصوراتنا عنه؟

اللهم ارزقنا بصيرةً لا تُخدع بالمظاهر، وقلبًا يعرف أولياءك، وثبّت أرواحنا على طريق محمدٍ وآل محمد، ولا تجعلنا ممن يمرّ بالنور ثم يمضي دون أن يراه.

المصادر:

القرآن الكريم

الإرشاد – الشيخ المفيد

بحار الأنوار – العلامة المجلسي

مناقب آل أبي طالب – ابن شهرآشوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى