أقلام

هيرمونطيقيات أدبية

إبراهيم بوخمسين

التصدر قبل التأهل

ورد في معلقة امرئ القيس:

” وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحْرِ أَرخى سُدولَهُ… عليَّ بأنواع ِالهمومِ ليبتلي ”

والكلمات هي: (كـَ) حرف جر، و(مَوجِ) اسم مجرور، وتعني أن الليل يشبه موج البحر، وقد تقدم رجل إلى الإمام الإشبيلي ليسأله سؤالًا لا يُسأل عنه إلا من ينم عن غير معرفة، عن معنى “الكموج” (ظنّاً أنها كلمة واحدة)، فأجابه الإشبيلي ساخرًا: “الكموج دابّة تقرأ ولا تفهم.

المعنى المقصود: يُضرب هذا القول مثالًا على من يقرأ النصوص دون أن يفقه معناها، أو من يتصدر للحديث دون علم.

ومن هذا الباب: رب كلمة قالت لصاحبها دعني، وأيضًا: ” لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها”.

بائك تجر وبائي لا تجر

طرفة نحوية شهيرة تستخدم حاليًّا للكِناية عن الكيلِ بمكيالين، أو الازدواجية في المعايير، أو المحاباة. وأن العدالة تقتضي ألا يكون هنالك باء أفضل من أخرى، إذا كانت وظيفتهما اللغوية واحدة. قد يكون هذا الاعتراض وجيهًا لو طرحه شخصٌ يُدركُ ما يقول ولم يُخالفْ اعتراضه قواعد اللغة.

تعود جذور هذه القصة الطريفة بين نحوي ورجل عامي، حيث استنكر الأخير تطبيق قواعد النحو على كلامه دون غيره، لتصبح مثلًا يُضرب عند غيابِ العدالة والمساواة.

وأصل القصة:

سأل نحويٌ رجلًا عن حمارِ أبيه، فقال: “ما فعل أبوك بــحمارِهِ؟” بجر كلمة حمار

أجاب الرجل: “باعِهِ ” بكسر العين والهاء

قال النحوي: قل “باعَهُ” بفتح العين

قال الرجل: فلمَ قلتَ ” بحمارِه” بالجر

قال لأن الباء تجر، والباء في كلمتك من أصل الكلمة.

رد الرجل: ” فمن جعل باءك تجر وبائي لا تجر؟

موعظة مجنون ليلى

القصة الشهيرة التي تذكر مرور شخص على أناسٍ يصلون دون أن يشاهدَهم وهي قصة منسوبة للشاعر العذري قيس بن الملوح ” مجنون ليلى”.

وتفاصيل القصة: يروى أن قيس بن الملوح كان يتبع كلب ليلى العامرية أملًا في أن يدله على مكانها، وفي طريقه مر على جماعة من الناس كانوا يصلون، فلم يلحظهم ولم يقف معهم لشدة شغفه وذهوله بليلى.

وجرى هذا الحوا بينه وبينهم:

المصلون: عندما عاد قيس في الطريق، نادوه وقالوا: ” أتمر علينا ونحن نصلي ولا تصلي معنا؟!” .

قيس بن الملوح: ” والله ما رأيتكم! ووالله لو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى لما رأيتموني!”.

الهدف من القصة:

تُروى هذه القصة كنوع من الموعظة لبيان حقيقة الخشوع، حيث قارن قيس بين شدة تركيزه (حبه لليلى) الذي أنساه كل شيء، وبين خشوع المصلين الذي يفترض أن يكون أشد، حيث قال: ” كنتم بين يدي الله ورأيتموني، وأنا بين يدي كلبها ولم أراكم”.

الواعظ قدوة

قال عليٌ عليه السلام: من نصّب نفسه للناس إمامًا فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه.

وقيل: مؤدب نفسه ومعلمها أحق بالإجلال من مؤدب الناس ومعلمهم. وفيها تأكيد على القدوة: يُـشَـدِدْ هذا القول على أن زلة العالم أو القائد عظيمة، وأن العمل بغير علم، يُفْسدُ أكثر مما يُصلحْ.

كما تدعو هذه الحكمة إلى ضرورة إصلاح القائد أو الواعظ لنفسه أولًا، وأن يكون قدوة بأفعاله وسيرته قبل أن يوجه وينصح بلسانه.

وأنشدوا، وقيل هي لأبي الأسود الدؤلي وقيل هي للمتوكل بن عبدالله الليثي:

يا أيّــهـا الـــرّجـــل الـــمعــلّم غــيـره هلّا لــنفـسك كان ذا الــتـعـلــيـم. تصف الدواء لذي السقام وذي الضّنى كيــما يـــصحّ بـه وأنـت سـقيـم. ونــراك تــصلح بالــرشاد عـقــولـــنـا. أبدًا وأنــت من الــرشاد عـدــيم. فابــدأ بــنــفــسك فــانهــها عـن غيـّها فإذا انتــهت عــنه فأنــت حكيـم

فـــهناك يــقـــبل ما تــقــول ويـهتـدى بالقــول منــك ويــنــفع التّـعليـم لا تــنــه عــن خـــلق وتــأتي مــثــله عـــار علـــيك إذا فعـلت عظـيم

ونختم بهذه الحكاية الظريفة لذات العلاقة:

نظر رجل إلى امرأته وهي صاعدة في السلم، فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وطالق إن نزلت، وطالق إن وقفت، فرمت نفسها إلى الأرض، فقال لها: فداك أبي وأمي إن مات الإمام مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم.

المخبر لا المظهر

قصة الأصمعي والأعرابي مثالًا لذلك:

يقول الأصمعي أنه ذات يوم توجّه إلى مأدبةٍ مليئة بأصناف كثيرة من الأطعمة، وإذ بأعرابيٍ آتٍ من بعيد، كي يجلس على هذه المائدة من غير دعوة، وأثناء تفحّصه للطعام، مدّ يده لالتقاط ” السمن “، وأثناء رفعه له، سال السمن من بين أصابعه وامتزج مع الغبار الذي كان يملأ يديه أيضًا، فانتبه الأصمعي لما حصل، وأراد إضحاك القوم الجالسين عليه فقال:

كأنك أثلة في أرض هشِ أتاها وابلٌ من بعد رشِ

فالتفت الأعرابي إليه وعيناه موقدةً بالاحمِرار، فردّ قائلًا:

كأنك بعرة في إست كبش مدلاة وذاك الكبش يمشي

فتعالت ضحكات الجالسين على الأصمعي حتى انحرج، فردّ على الإعرابي متسائلًا: “كأنك تجيد الشعر؟”، فردّ عليه الأعرابيّ قائلًا: “كيف لا أجيده وأنا أبوه وأمه”، فردّ الأصمعي: “عندي قافية تريد عطاءً فَغُصْتُ في بحار العربية فما وجدت أصعب من قافية من الواو الساكنة “، ثم بدأ الأصمعي بسردِ البيت الآتي:

قــومٌ بنـجدٍ عهدناهــم ســقاهم الله مِــن الــنو

ثم سأل الأعرابي: ” أتدري ما النو يا أعرابي؟ “، فردّ الأعرابي قائلًا:

نوٌ تلألأ في دجى ليـلةٍ حـــالــكةٍ مــظــلمةٌ لو

فعلّق الأصمعي: ” لو ماذا؟ “، فجاوب الأعرابي:

لو سار فيها راكب لانثني على بساط الأرض منطو

فعلّق الأصمعي: ” منطو ماذا؟ “، فجاوب الأعرابي:

منطوِ الكشح هضيم الحشا كالـباز ينقـض من الجو

فحاول الأصمعي تصعيب الأمر بأسئلته فعاود الأعرابي الجواب:

جو السما والريح تعلو به اشتم ريح الأرض فاعلو

عاود الأصمعي السؤال: أعلو ماذا؟ “، فردّ قائلًا:

فاعلوا لما عيل من صبره فـصار نحو القوم ينعو

فعاودَ الأصمعي السؤال، وقال ” ينعو ” ماذا، فقال الأعرابي:

ينعو رجالًا للقنا شرعت كــفــيت بما لاقوا ويلقوا

فقال الأصمعي ” يلقوا ” ماذا، فقالا الأعرابي:

إن كنت لا تفهم ما قلته فأنــت عندي رجــل بــو

فقال الأصمعي ” بو ” ماذا، قال الأعرابي:

البو سلخ قد حشي جلده بأظــلف قــرنين تقيم أو

فقال الأصمعي ” أو” ماذا، قال الأعرابي:

أو أضرب الرأس بصوانة تقول في ضربتها قو

ثم صمت الأصمعي خوفًا من أن يسأل ” قو ” ماذا؟، فيضربه الأعرابي بالصحن. وفي روايةٍ أخرى يقال إنه سأل الأعرابي ” قو ماذا؟ “، فردّ الأعرابي قائلًا:

القو في الرأس له نفخة يبين من أثارها الـضو

لذا سكت الأصمعي؛ كي لا يضربه الأعرابي، ولكن الأصمعي انتبه لبلاغة الأعرابي في الشعر، فدعاه إلى منزله وكانت زوجة الأصمعي قد ذبحت دجاجة، وكانت العادة وقتها أن يُقدّم الطعام للضيف كي يقسّمه بين الجميع. باشر الأعرابي بالتقسيم فقال: “الرأس للرأس، فأعطاه إلى الأصمعي، والرقبة للعتبة، فأعطاها للزوجة، والفخذين للولدين، والجناحين للبنتين، أما الباقي للضيف، وهنا شعر الأصمعي بالحرج، فطلب من زوجته ذبح خمس دجاجات في اليوم التالي، ثم طلب من الأعرابي التقسيم مرة أخرى. فخيّر الأصمعي وسأله: “تريد شفعًا أم وترًا “، فردّ الأصمعي أنه يريد الوتر، فردّ الأعرابي: ” أنت وزوجتك لكم دجاجة، وابنتيك دجاجة، وولديك دجاجة، فردّ الأصمعي قائلًا “أريد شفعًا أقيلك، واقبل بعد الإقالة”. قبِلَ الأعرابي، فردّ قائلًا “أنت وابنيك ودجاجة أربع وزوجتك وبنتيها ودجاجة وأنا وثلاث دجاجات، ولله لا أقبل إلا هذه القسمة” ثم أخذ الثلاث دجاجات وذهب.

وقال الشاعر كثير عزة وقيل للعباس بن مرداس في هذا المعنى:

ترى الـرَجُلَ النحيفَ فتزدَريه وفي أثوابِه أسدٌ هـصورُ

ويُعجِبُك الطَريرُ إذا تَراه فيُخلف ظَنَّكَ الرَجُلُ الطريرُ

وما أجمل أن ديننا الحنيف حيث دعا إلى الجمع بين حسن المظهر وحسن المخبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى