أقلام

الذين اشتروا الغد قبل أن يصل

عماد آل عبيدان

في إحدى الصور القديمة التي لا يلتفت إليها كثير من الناس قد ترى رجلين يسيران في طريق طويل تحت شمس متعبة لا يحملان مشروعًا استثماريًا أو خطة تجارية كبرى ولا يلاحقهما مصور ولا ينتظران تكريمًا في نهاية الطريق.

كل ما كان معهما آنذاك قائمة كتب لتغذية العقول.

ولو مرّ بهما أحد في ذلك العصر لسأل باستغراب: أكل هذا العناء من أجل شراء كتب وفي نهار شهر رمضان؟

السؤال يبدو عاديًا اليوم حيث كان ذاك أمرًا معتادًا للحصول على سيارة أجرة فتقطع مسافات مشيًا على الأقدام للحصول على ذلك في العام ١٣٩٥هـ.

أما الجواب فقد احتاج عشرات السنين حتى يظهر.

ولأنّ المقالة أمانة قبل أن تكون كتابة فإن من الواجب الإشارة إلى أنّ الدافع إلى هذه السطور كان ما دوّنه سماحة الشيخ عبد العظيم الشيخ بارك الله جهوده ومساعيه في ذكرى الراحل العزيز أبي محمد وبعد أخذ إذنه بالنشر. فقد أعاد ذلك المقال إلى الذاكرة صورًا ومواقف ومعاني تستحق أن تُروى وأن تُحفظ، وأيقظ كثيرًا من الشواهد التي ربما طواها الزمن في زحمة الأيام. وما هذه الكلمات إلا محاولة لإضافة شهادة أخرى في حق رجل ترك أثرًا لا يُختصر في موقع أو عمل إذ يمتد إلى ما غرسه في الناس من خير ومعرفة ومواقف بقيت حاضرة في الوجدان تشهد له بالفضل وتُبقي ذكراه حية في النفوس.

ولكن كثيرًا من المجتمعات بدأ من رف صغير في مكتبة ومن رجل أقنع شابًا أن يقرأ ومن معلم جلس بعد يوم عمله ليشرح درسًا لطالب متعثر ومن شخص رأى في كتاب موضوع على رف مشروعًا لمستقبل لم يولد بعد.

لهذا توقفت طويلًا عند واحدة من الذكريات التي رواها سماحة الشيخ عبدالعظيم آل الشيخ عن المرحوم الحاج المهندس عبدالرسول العبيدان.

لم يتحدث عن منصب ولا عن مشروع ضخم.

تحدث عن رحلة إلى الدمام لشراء كتب لمكتبة نادي مضر بالقديح.

قد تبدو الحكاية صغيرة، ولكنها في الحقيقة أكبر مما تبدو.

لأن الأمم لا تتغير بالقرارات وحدها وإنما بأشخاص ينشغلون بما سيبقى بعدهم.

وحين نتأمل سيرة المرحوم عبدالرسول العبيدان نجد أن قصة الكتب لم تكن فقط رحلة إلى الدمام لشراء كتب، وإنما لمحة مبكرة من رجل كان يرى في المعرفة أثرًا يمتد أبعد من المسافات وأبقى من الأعمار.

فهو الذي درس في مدرسة القديح الابتدائية المعروفة اليوم بمدرسة سلمان الفارسي ثم تخرج في جامعة البترول والمعادن مهندسًا معماريًا وعمل في شركة أرامكو، ولم يكتفِ بنجاحه المهني فقد كان حاضرًا في نادي مضر كمشرف ثقافي، واهتم بالمكتبة وعمل في الجمعية والحسينية وخدمة المجتمع.

ولكن أكثر ما استوقفني في سيرته ليس عدد المواقع التي عمل فيها.

إنما نوع السؤال الذي كان يسكن ربما المرحوم أبا محمد.

بعض الناس يسألون..

ماذا سأكسب؟

وبعضهم يسألون..

ماذا سيبقى؟

والفرق بين السؤالين يصنع فرقًا هائلًا في حياة الناس.

فالرجل الذي يشتري كتابًا لمكتبة عامة لا يعرف من سيقرأه.

والذي يساعد طالبًا لا يعرف أين سينتهي به الطريق.

والذي يساهم في بناء مؤسسة لا يعرف من سيستفيد منها بعد عشرات السنين.

ومع ذلك يفعل.

كأنه يزرع شجرة وهو يعلم أن غيره سيجلس تحت ظلها.

ومن الشهادات الجميلة ما ذكره الأستاذ عبدالله الشويهين (أبو أمين) بوصفه المرحوم بأنه كان موهوبًا في أعمال فنية كثيرة وبرز في جمال خطه العربي وكان من الشباب المتسلحين بالعلم والعمل والسلوك والسمعة الطيبة.

وهذه شهادة تكشف جانبًا آخر من شخصيته.

فالمجتمعات لا تحتاج إلى المتخصصين وحدهم وإنما تحتاج أيضًا إلى أصحاب الذائقة والخلق أولئك الذين يتركون أثرًا في النفوس كما يتركونه في الأعمال.

وربما لهذا السبب كان خبر وفاته كما وصفه سماحة الشيخ عبدالعظيم مؤلمًا لأهالي القديح.

فالناس لا تجتمع بهذا الحضور الكبير حول رجل كانت أعماله تتقدم اسمه كلما ذُكر.

ومن أجمل ما في الأمر أن كثيرًا من الذين صنعوا ذاكرة مجتمعاتهم لم يكونوا منشغلين بصناعة صورتهم الشخصية.

كانوا منشغلين بشيء آخر.

بشراء كتاب..

ومساندة طالب..

وخدمة جمعية..

وتجهيز حسينية..

ورعاية فكرة..

ثم تمضي الأعوام.

وتتبدل الوجوه..

وتتغير الأزمنة..

ويبقى السؤال حاضرًا…

من الذي اشترى لنا هذا الغد قبل أن يصل؟

عند البحث عن الجواب سنجد أسماء كثيرة ربما لم تتصدر المشهد يومًا.

ومن بينها اسم الحاج المهندس عبدالرسول حسن ناصر العبيدان.

رحمه الله.

فقد كان واحدًا من أولئك الذين فهموا مبكرًا أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ما يزرعه في حياة الآخرين.

ذلك الكتاب الذي وُضع على رف قبل عقود.

وذلك الطالب الذي وجد من يسانده.

وتلك المكتبة التي احتضنت عقولًا شابة.

وتلك الحسينية التي استقبلت أجيالًا متعاقبة.

كلها خيوط صغيرة في ظاهرها لكنها حين تجتمع تنسج مستقبل مجتمع بأكمله.

فالحديث هنا لا تقوده سيرة رجل بقدر ما تقوده رحلة أثر .. أثر بدأ بكتاب على رف ثم واصل طريقه في وجوه وافكار ومؤسسات لم يكن أصحابها يعرفون من وضع البذرة الأولى.

وعند هذه النقطة تتراجع سيرة الرجل خطوة إلى الخلف لتتقدم فكرة أكبر ..كيف يستطيع إنسان واحد أن يضع لبنة صغيرة في مكانها الصحيح ثم تمضي الأجيال ويبقى ما صنعه حاضرًا في حياتها.

أن بناء الغد يبدأ من أعمال قد لا يراها أحد اليوم.

وأن كثيرًا من الأشياء التي نتمتع بثمارها الآن بدأت بفكرة صغيرة آمن بها شخص واحد ثم مضى قبل أن يرى اكتمالها.

رحم الله الحاج المهندس عبدالرسول حسن ناصر العبيدان (أبا محمد) وجزاه خير الجزاء على ما قدم وجعل ما خلفه من أثر وعطاء وعمل صالح في ميزان حسناته.

ورحم الله جيلاً من الرجال الذين كانوا يزرعون أكثر مما يتحدثون ويبنون أكثر مما يصفون ويتركون خلفهم ما يجعل الناس يذكرونهم بالخير بعد عقود طويلة من الرحيل.

ولهذا تمر الأعوام وتتبدل الأجيال ثم يعود اسم كهذا إلى الواجهة من جديد لا لأن صاحبه طلب ذلك يومًا وإنما لأن الأثر الصادق يملك قدرة عجيبة على مقاومة النسيان.

فأمثال هؤلاء لا يغيبون تمامًا.

يبقون في الكتب التي ساهموا في توفيرها.

وفي المؤسسات التي خدموها.

وفي المكتبات التي آمنوا برسالتها.

وفي الطلاب الذين وجدوا منهم كلمة تشجيع أو يدًا تمتد بالعون.

وفي الذكريات الطيبة التي تركوها في قلوب الناس.

ولهذا تمر الأعوام وتتبدل الأجيال وتبقى بعض الآثار حاضرة في حياة الناس دون أن يلتفت كثيرون إلى أصحابها.

فما نراه اليوم من مؤسسات ومعارف ومبادرات لم ينشأ دفعة واحدة فهو امتداد لجهود متراكمة وضع كل جيل فيها لبنة ثم سلّمها لمن بعده.

ورحم الله الحاج المهندس عبدالرسول حسن ناصر العبيدان (أبا محمد) فقد كان واحدًا من أولئك الذين فهموا مبكرًا أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ما يزرعه في حياة الآخرين

ويبقون قبل ذلك كله في ذلك الغد الذي ساهموا في صناعته قبل أن يصل.

أولئك الذين اشتروا الغد قبل أن يصل. قبل أن تكون كتابة، فإنّ من الواجب الإشارة إلى أنّ الدافع إلى هذه السطور كان ما دوّنه سماحة الشيخ عبدالعظيم الشيخ، بارك الله جهوده ومساعيه، في ذكرى الراحل العزيز أبي محمد. فقد أعاد ذلك المقال إلى الذاكرة صورًا ومواقف ومعاني تستحق أن تُروى وأن تُحفظ، وأيقظ كثيرًا من الشواهد التي ربما طواها الزمن في زحمة الأيام. وما هذه الكلمات إلا محاولة لإضافة شهادةٍ أخرى في حق رجلٍ ترك أثرًا لا يُختصر في موقعٍ أو عمل، بل يمتدّ إلى ما غرسه في الناس من خيرٍ ومعرفةٍ ومواقفَ بقيت حاضرةً في الوجدان، تشهد له بالفضل وتُبقي ذكراه حيّةً في النفوس.

نحن نخطئ أحيانًا حين نظن أن بناء المجتمعات يبدأ من المباني الكبيرة.

لكن كثيرًا من المجتمعات بدأ من رف صغير في مكتبة ومن رجل أقنع شابًا أن يقرأ ومن معلم جلس بعد يوم عمله ليشرح درسًا لطالب متعثر ومن شخص رأى في كتاب موضوع على رف مشروعًا لمستقبل لم يولد بعد.

لهذا توقفت طويلًا عند واحدة من الذكريات التي رواها سماحة الشيخ عبدالعظيم آل الشيخ عن المرحوم الحاج المهندس عبدالرسول العبيدان.

لم يتحدث عن منصب ولا عن مشروع ضخم.

تحدث عن رحلة إلى الدمام لشراء كتب لمكتبة نادي مضر بالقديح.

قد تبدو الحكاية صغيرة.

لكنها في الحقيقة أكبر مما تبدو.

لأن الأمم لا تتغير بالقرارات وحدها وإنما بأشخاص ينشغلون بما سيبقى بعدهم.

وحين نتأمل سيرة المرحوم عبدالرسول العبيدان نجد أن قصة الكتب لم تكن فقط رحلة إلى الدمام لشراء كتب وإنما لمحة مبكرة من رجل كان يرى في المعرفة أثرًا يمتد أبعد من المسافات وأبقى من الأعمار.

فهو الذي درس في مدرسة القديح الابتدائية المعروفة اليوم بمدرسة سلمان الفارسي ثم تخرج في جامعة البترول والمعادن مهندسًا معماريًا وعمل في شركة أرامكو لم يكتفِ بنجاحه المهني فقد كان حاضرًا في نادي مضر كمشرف ثقافي واهتم بالمكتبة وعمل في الجمعية والحسينية وخدمة المجتمع.

ولكن أكثر ما استوقفني في سيرته ليس عدد المواقع التي عمل فيها.

إنما نوع السؤال الذي كان يسكن ربما المرحوم أبا محمد.

بعض الناس يسألون..

ماذا سأكسب؟

وبعضهم يسألون..

ماذا سيبقى؟

والفرق بين السؤالين يصنع فرقًا هائلًا في حياة الناس.

فالرجل الذي يشتري كتابًا لمكتبة عامة لا يعرف من سيقرؤه.

والذي يساعد طالبًا لا يعرف أين سينتهي به الطريق.

والذي يساهم في بناء مؤسسة لا يعرف من سيستفيد منها بعد عشرات السنين.

ومع ذلك يفعل.

كأنه يزرع شجرة وهو يعلم أن غيره سيجلس تحت ظلها.

ومن الشهادات الجميلة ما ذكره عبدالله الشويهين بوصفه المرحوم بأنه كان موهوبًا في أعمال فنية كثيرة وبرز في جمال خطه العربي وكان من الشباب المتسلحين بالعلم والعمل والسلوك والسمعة الطيبة.

وهذه شهادة تكشف جانبًا آخر من شخصيته.

فالمجتمعات لا تحتاج إلى المختصين وحدهم وإنما تحتاج أيضًا إلى أصحاب الذائقة والخلق أولئك الذين يتركون أثرًا في النفوس كما يتركونه في الأعمال.

وربما لهذا السبب كان خبر وفاته كما وصفه سماحة الشيخ عبدالعظيم مؤلمًا لأهالي القديح.

فالناس لا تجتمع بهذا الحضور الكبير حول رجل كانت أعماله تتقدم اسمه كلما ذُكر.

ومن أجمل ما في الأمر أن كثيرًا من الذين صنعوا ذاكرة مجتمعاتهم لم يكونوا منشغلين بصناعة صورتهم الشخصية.

كانوا منشغلين بشيء آخر.

بشراء كتاب..

ومساندة طالب..

وخدمة جمعية..

وتجهيز حسينية..

ورعاية فكرة..

ثم تمضي الأعوام.

وتتبدل الوجوه..

وتتغير الأزمنة..

ويبقى السؤال حاضرًا…

من الذي اشترى لنا هذا الغد قبل أن يصل؟

عند البحث عن الجواب سنجد أسماء كثيرة ربما لم تتصدر المشهد يومًا.

ومن بينها اسم الحاج المهندس عبدالرسول العبيدان رحمه الله.

فقد كان واحدًا من أولئك الذين فهموا مبكرًا أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ما يزرعه في حياة الآخرين.

ذلك الكتاب الذي وُضع على رف قبل عقود.

وذلك الطالب الذي وجد من يسانده.

وتلك المكتبة التي احتضنت عقولًا شابة.

وتلك الحسينية التي استقبلت أجيالًا متعاقبة.

كلها خيوط صغيرة في ظاهرها، ولكنها حين تجتمع تنسج مستقبل مجتمع بأكمله.

فالحديث هنا لا تقوده سيرة رجل بقدر ما تقوده رحلة أثر. أثر بدأ بكتاب على رف ثم واصل طريقه في وجوه وافكار ومؤسسات لم يكن أصحابها يعرفون من وضع البذرة الأولى.

وعند هذه النقطة تتراجع سيرة الرجل خطوة إلى الخلف لتتقدم فكرة أكبر، كيف يستطيع إنسان واحد أن يضع لبنة صغيرة في مكانها الصحيح ثم تمضي الأجيال ويبقى ما صنعه حاضرًا في حياتها.

إن بناء الغد يبدأ من أعمال قد لا يراها أحد اليوم.

وإن كثيرًا من الأشياء التي نتمتع بثمارها الآن بدأت بفكرة صغيرة آمن بها شخص واحد ثم مضى قبل أن يرى اكتمالها.

رحم الله الحاج المهندس عبدالرسول العبيدان (أبا محمد) وجزاه خير الجزاء على ما قدم وجعل ما خلفه من أثر وعطاء وعمل صالح في ميزان حسناته.

ورحم الله جيلاً من الرجال الذين كانوا يزرعون أكثر مما يتحدثون ويبنون أكثر مما يصفون ويتركون خلفهم ما يجعل الناس يذكرونهم بالخير بعد عقود طويلة من الرحيل.

ولهذا تمر الأعوام وتتبدل الأجيال ثم يعود اسم كهذا إلى الواجهة من جديد لا لأن صاحبه طلب ذلك يومًا وإنما لأن الأثر الصادق يملك قدرة عجيبة على مقاومة النسيان.

فأمثال هؤلاء لا يغيبون تمامًا.

يبقون في الكتب التي ساهموا في توفيرها،وفي المؤسسات التي خدموها،

وفي المكتبات التي آمنوا برسالتها، وفي الطلاب الذين وجدوا منهم كلمة تشجيع أو يدًا تمتد بالعون.

وفي الذكريات الطيبة التي تركوها في قلوب الناس.

ولهذا تمر الأعوام وتتبدل الأجيال وتبقى بعض الآثار حاضرة في حياة الناس دون أن يلتفت كثيرون إلى أصحابها.

فما نراه اليوم من مؤسسات ومعارف ومبادرات لم ينشأ دفعة واحدة، فهو امتداد لجهود متراكمة وضع كل جيل فيها لبنة ثم سلّمها لمن بعده.

ورحم الله الحاج المهندس عبدالرسول العبيدان (أبا محمد) فقد كان واحدًا من أولئك الذين فهموا مبكرًا أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ما يزرعه في حياة الآخرين

ويبقون قبل ذلك كله في ذلك الغد الذي ساهموا في صناعته قبل أن يصل.

أولئك الذين اشتروا الغد قبل أن يصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى