
رباب حسين النمر
في زمن طغت فيه البهرجة، وتسابق فيه الناس للتفاخر والتكاثر، ووصل فيه حب الظهور إلى حدٍّ طاغِ من مظاهر التبذير والإسراف وهدر المال في استئجار المباني والكوشات وطاولات الاستقبال والفرق الغنائية أو الدي جيه، وطباعة الورق والبنرات، وتقديم ما يفوق الحد من أصناف الطعام، ولا سيما في حفلات الأفراح التي تستنزف الجيوب وترفع أرصدة القروض، ليبدأ الشاب حياته الزوجية والمهنية بسيل طويل من القروض تستهلك جهده وطاقته لتسديدها حتى يضع رأسه على وسادة المساء وعقله خالي الوفاض من هموم الديون والقروض.
في مثل هذا الماراثون المحموم الصارخ على التباهي بالماديات وحب الظهور، يظهر على السطح وعي فتاة أحسائية صغيرة السن يضرب بهذه المظاهر كلها عرض الحائط، فتقيم حفل زفافها في منزل والد عريسها، وسط أجواء عائلية اتسمت بنوع خاص من الفرح والبهجة وكرم الضيافة، وحميمية اللقاء، وجمال الالتفاف، والتعاون الأسري البهيج في الاحتفاء بالضيوف وتقديم الضيافة ومتابعة شؤون خدمة المكان.
هذا العرس الجميل استدعى لذاكرتي تاريخ طويل من حفلات الزواج التي كانت تقام على أسطح البيوت مقارنة بأعراس الصالات التي لم يكن لها وجود قبل ثلاثين عامًا في مجتمعاتنا، حيث كانت لتلك الحفلات طقوس فرح وعمل لا تنسى، ونشاط يبث في السواعد، وجو أنس ينتشر في الحي بأكمله.
لم تكن هناك قاعات أفراح تكسر مبالغ إيجاراتها ظهر العريس الذي لا يملك ليتساوى بمن يملك، ولم تكن حينها هناك كوشات للعروسين وكوشات للهدايا وطقم العرس، وكوشات للكعكة التي سيقطعها العروسين، ولم يكن هناك مشرفات توزيع طعام من الجنسيات شرق الآسيوية يرتدين زيًّا مبهرجًا ويطفن بأواني الطعام التي قد تحمل من الزينة والبهرجة أكثر ما تحمل من الطعام نفسه، ولم تكن هناك بوفيهات مفتوحة للطعام بأصناف كثيرة ومتنوعة قد تُرمى أكثر مما تؤكل. كانت النفوس مجبولة على حب المساندة والمساعدة، فما أن يُعلن العرس حتى تشمر السواعد عن أكمامها استعدادًا للمبادرة وعرض المساعدة والانخراط في العمل السعيد لإتمام ليلة حب وفرح. الشباب يحملون قطع الأخشاب ويصعدون سطح الدار على أنغام الأهازيج، ويُعملون المناشير والمطارق والمسامير، فينصبون أجمل مسرح لاستقبال العروسين، ويبحثون بين أثاث البيوت عن أجمل سجادة وأريكتين لإتمام فرش المسرح، ثم يضفون عليه لمسات البالونات والزينة اللامعة وأوراق الكورنيش.
فيبدو المسرح رائعًا بالجهد المبذول والروح التعاونية، وتنمية مواهب السواعد الشابة. أما الفتيات فيتحلقن حول العروس لنقش الحناء، أو حول تل المكسرات والحب الشمسي لتملأن منه أكياس التوزيعات النايلون الصغيرة! والنساء تجتمعن أمام قدر الممروس العملاق، والرجال يجتمعون أمام قدور الطبخ لتقديم ثلاث وجبات: غداء الغسلة، وعشاء الزفاف، وغداء الصباحة، ليس في مطبخ ولا في مطعم، بل في باحة مسورة يقيمونها في أرض فضاء قرب بيت العرس في الحي، يسورونها بالفرح ويفرشون قربها مكان الاستقبال بالسجاجيد ويحيطونها بأعمدة الخشب التي تحمل مصابيح الإضاءة.
يبدو بيت العرس في الحي كعروس مكسوة بالأضواء، تحيط بها شهامة النفوس ونشاط السواعد وفرح القلوب، وأدمغة خالية من هم الديون وتراكم مبالغ الاقتراض.
كان الجميع يعمل كخلية نحل تعاونية منظمة، في استقبال المدعوين والمدعوات، وتهيئة مكان العشاء، وسكب الطعام، وتوزيع الصواني وتوابع العشاء على سفر الطعام، ثم حملها وتنظيفها، والعمل على خدمة المكان، ثم الانسحاب للاستحمام والتزين والتعطر وارتداء أجمل الثياب، ثم الصعود إلى سطح الدار في حفل يضم الحي بأطفاله وشيوخه وعجائزه وشبابه وشوابه للمشاركة والفرح تحت ضوء القمر وسحر لمعان النجوم، ليالٍ أسطورية ربما تعود يومًا حيث يجبرها تغير الظروف، وولادة الوعي، كما ولد وعي عروس أحسائية.




