أقلام

حين تصبح القيامة أقرب مما نظن

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة هي السادسة ضمن سلسلة تأملات في كتاب حكمة العبادات للعلامة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، وتواصل التأمل في العلاقة بين العبادة والإنسان، من زاوية أعمق: كيف يتحول المستقبل الأخروي من خبرٍ مؤجل إلى حضورٍ يغيّر وعي الإنسان للحياة كلها.

مقدمة:

ليست المشكلة أن الإنسان لا يؤمن بالموت أو لم يسمع بالقيامة، فذلك مما يكاد يشترك فيه الجميع.

لكن الإشكال أن ما يستقر في الذهن لا يتحول دائمًا إلى حضورٍ حيّ في القلب، بل يبقى معرفةً ساكنة لا تُحدث أثرها في الوعي.

ولهذا تتساوى في شعور الإنسان الأشياء البعيدة والقريبة، ما دامت جميعها لا تترك أثرًا داخليًا يحرّك الإدراك.

ومن هنا تنشأ الغفلة: لا من إنكار الحقيقة، بل من غياب الإحساس بثقلها.

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذُكرت الساعة تغيّر وجهه واحمرّت وجنتاه، كأنه لا يحدّث عن غيبٍ بعيد، بل عن واقعٍ حاضر يراه بعين قلبه. وقال: “أنا والساعة كهاتين”، إشارة إلى أن المسافة ليست زمنًا، بل درجة حضور.

فقد تكون القيامة أقرب إلينا من كل ما نظنه قريبًا، لكننا لا نراها.

حين كانت القيامة حاضرة في وعي النبي

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: :”أنا والساعة كهاتين” ليس توصيفًا للمسافة، بل كشف لحالة شهود.

فليس الحديث عن اقتراب النهاية، بل عن حضورها في وعي من يرى ما وراء الظاهر.

ولهذا كان كلامه عن الجنة والنار والحساب كلام شاهدٍ لا ناقل، وكأن الآخرة عنده واقعٌ مكشوف، لا خبرٌ مؤجل.

رؤية ما وراء الظاهر

ما يبدو من الأعمال في الدنيا ليس حقيقتها النهائية.

فالقرآن يشير إلى أن للأعمال بواطن تنكشف في الآخرة، وأن ما نعدّه فعلًا عابرًا قد يتبدّل إلى صورة أخرى في ميزان الحقيقة.

وقد ذكر أهل المعرفة أن باطن الحرام ظلمة، وباطن الطاعة نور، وأن الإنسان قد يواجه هناك آثار أفعاله قبل أن يواجه أصحابها.

ومن هنا لا تبقى الأخلاق مجرد سلوك خارجي، بل تتحول إلى بناء داخلي يرسم صورة الإنسان في عوالم لا تحكمها الظواهر.

وحينئذٍ لا ينفصل الداخل عن المآل، بل يمتد أثره امتدادًا وجوديًا يتجاوز حدود الدنيا.

قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

وكأن الآية تكشف أن المصير هناك امتدادٌ لما تَشكّل هنا، لا انقطاعٌ عنه.

ضغطة الموت وانكشاف الغفلة

الموت ليس انتقالًا هادئًا بقدر ما هو انكشاف مفاجئ لواقعٍ آخر، يخرج الإنسان من مألوفه إلى ما لم يألفه.

ولهذا لا تكون الأسئلة الأولى في القبر عن تفاصيل المعرفة، بل عن أصولها: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟

كأن الامتحان هناك لا يقوم على كثرة المعلومات، بل على حضورها في القلب.

وقد يكتشف الإنسان حينها أن ما كان يملكه من معارف لم يكن كافيًا ما لم يتحول إلى يقينٍ حيّ.

الذكر الذي يرافق العبور

لم يُقيَّد الذكر بوقت، لأن جوهره ليس فعلًا يُؤدى، بل حالة حضورٍ مستمرة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.

وهذا “الكثير” ليس كثرة ألفاظ، بل كثرة حضور، بحيث لا يخلو القلب من وعي الله.

فحين يتحول الذكر إلى حالة داخلية، يصبح ميزانًا يحفظ الإنسان من التشتت، ويمنحه ثباتًا وسط اضطراب الحياة.

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾.

هنا ينتقل الذكر من اللسان إلى عمق الوعي، ومن القول إلى الحضور.

وأخطر الغفلة ليست ترك الذكر، بل حضور اللسان مع غياب القلب.

ومتى صار الذكر حضورًا لا عادة، صار الإنسان أقل عرضة للتيه، لأن القلب الذي يعتاد الحضور لا يُفاجأ بالتحول.

وهكذا يغدو الذكر رفيقًا في العبور، يرافق الإنسان من ظاهر الحياة إلى باطنها، ومن حركة الزمن إلى معنى المصير.

التخفف سرّ الوصول

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “تخففوا تلحقوا”.

فليست العبرة بكثرة ما يملكه الإنسان، بل بثقل ما يتعلّق به قلبه.

فكل تعلق زائد يتحول إلى عبء، وكل تحرر منه يقرب الإنسان من خفة الطريق.

ولهذا كانت العبادات في جوهرها تدريبًا على الخفة: صومًا، وزهدًا، ومحاسبةً، وتحررًا من أسر ما يشد الإنسان إلى الأرض.

الخلاصة:

ليست القيامة حدثًا في آخر الزمن، بل حقيقة يسير إليها الإنسان في كل لحظة، وإن حجبته الغفلة عن وعيها.

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيش معناها حضورًا لا خبرًا، حتى قال: “أنا والساعة كهاتين”، كاشفًا أن المسافة ليست زمنًا، بل وعيًا.

فالإنسان لا يلتقي هناك بشيء غريب عنه، بل بما صنعه هنا؛ لأن الأعمال لا تبقى في ظاهرها، بل تحمل بواطنها وترافق صاحبها إلى مصيره.

ومن هنا تصبح العبادة إعدادًا داخليًا لرؤية الحقيقة قبل انكشافها، لا مجرد طقوس تؤدى.

وربما لم يعد السؤال: ماذا ينتظر الإنسان بعد الموت؟

بل: هل أصبح داخله مستعدًا لما ينتظره؟

اللهم اجعلنا ممن يرى الحق قبل انكشافه، ويستعد للقاءك قبل الوصول إليه، ولا تجعلنا من الغافلين الذين يفاجئهم ما علموه ولم يعيشوه.

المصادر:

القرآن الكريم: الحاقة (36–37)، الأعراف (205)، الأحزاب (41)،

آل عمران (170)

الأمالي – الشيخ المفيد

نهج البلاغة – أمير المؤمنين عليه السلام

بحار الأنوار – العلامة المجلسي

إرشاد القلوب – الديلمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى