
أحمد الطويل
تنويه:
جاءت فكرة هذه المقالة بعد حضوري محفل عيد الغدير المبارك، حيث تناول حسين الجبران رواية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي”، وبيّن عددًا من دلالاتها المهمة. وقد دفعتني تلك الإضاءات القيّمة إلى مواصلة التأمل في هذه الرواية العظيمة، ومحاولة استكشاف آفاقٍ أخرى من معانيها ودلالاتها، رجاء أن تعمّ الفائدة القرّاء الكرام.
مقدمة:
هل يمكن أن يُختصر إنسانٌ في كتاب؟
وهل يمكن أن يُختصر كتابٌ في إنسان؟
حين نصف شخصًا بأنه عالمٌ بالقرآن، أو حافظٌ للقرآن، أو مفسّرٌ للقرآن، فإننا نتحدث عن علاقةٍ بين إنسانٍ وكتاب. أما حين يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”، فإننا نكون أمام علاقةٍ تختلف عن كل ما نعرفه من العلاقات.
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحدث عن صحبةٍ عابرة، ولا عن فضيلةٍ محدودة، بل عن معيةٍ دائمة لا تعرف الافتراق. واللافت أن الرواية لم تجعل عليًا تابعًا للقرآن فقط، بل جعلت القرآن أيضًا مع علي. وكأننا أمام حقيقتين تسيران في اتجاهٍ واحد، لا تتناقضان ولا تفترقان.
وهنا تبدأ الأسئلة الكبرى: ما معنى أن يكون القرآن مع علي؟
وما معنى أن يكون علي مع القرآن؟
وهل هي معيةُ علمٍ فقط؟ أم معيةُ هداية؟ أم معيةُ عصمة؟ أم معيةُ حقٍّ لا يفارق صاحبه؟
إن التأمل في هذه الرواية يكشف أنها ليست منقبةً من المناقب فحسب، بل مفتاحٌ لفهم شخصية أمير المؤمنين عليه السلام وموقعه في مشروع الرسالة الإسلامية، لأنها ترسم صورةً لعلاقةٍ استثنائية بين الإنسان الذي تربّى في مدرسة الوحي منذ نعومة أظفاره، وبين الكتاب الذي نزل هدايةً للعالمين.
معيةٌ لا تحتمل الانفصال
حين يقرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليًا بالقرآن اقترانًا دائمًا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن هذه المعية ليست معيةَ قربٍ مكاني، بل معيةُ موافقةٍ تامةٍ للحق.
ولو أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصف فضلًا من الفضائل لقال: عليٌّ عالمٌ بالقرآن، أو حافظٌ للقرآن، أو من أهل القرآن. لكنه اختار تعبيرًا مختلفًا تمامًا: “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي”. فالحديث هنا ليس عن امتلاك المعرفة، بل عن الاتحاد في الاتجاه. إذ قد يعلم الإنسان الحق ثم يخالفه، وقد يفسّر النص ثم لا يجسّده، أما المعية فهي أن يتحول الحق إلى مسارٍ دائم لا يعرف الانفصال.
فالقرآن لا ينطق بالباطل، ولا يدعو إلى الضلال، ولا يقود إلى الظلم. فإذا كان عليٌّ مع القرآن حيث دار، والقرآن مع علي حيث دار، فإن الرواية تفتح بابًا واسعًا لفهم دلالات العصمة والاستقامة المطلقة في شخصية الإمام.
ومن هنا تتكامل مع آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ومع آية المباهلة التي جعلت عليًا في موقع “أنفسنا”، ومع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
إن اجتماع هذه النصوص يرسم صورةً واحدة: أن عليًا لم يكن مجرد رجلٍ صالحٍ بين الصالحين، بل نموذجًا فريدًا للالتصاق بالحق حتى أصبح ذكره يقود إلى القرآن، والقرآن يقود إليه.
حين يصبح القرآن ناطقًا في حياة إنسان
القرآن كتاب هداية، لكنه لا يقدّم للناس كلماتٍ مجردة فقط، بل يحتاج دائمًا إلى نماذج تُجسّد معانيه في الواقع.
ومن هنا تبرز شخصية علي بن أبي طالب عليه السلام.
فحين نقرأ عن عدالته، وزهده، ورحمته، وشجاعته، وصدق موقفه، نشعر أن القيم القرآنية خرجت من دائرة النص إلى دائرة الحياة.
ولعلّ لهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “علي مع القرآن”.
فالقرآن يدعو إلى العدل، وعليٌّ كان ميزان العدل. والقرآن يدعو إلى الرحمة، وعليٌّ كان رحمةً للمؤمنين. والقرآن يدعو إلى نصرة المظلوم، وعليٌّ جعل حياته كلّها دفاعًا عن الحق.
ولهذا لم يكن الإمام مجرد حافظٍ للقرآن، بل كان صورةً حيّةً لكثيرٍ من معانيه.
وهنا نفهم سرّ ما ورد في حقّه من الآيات التي ربط عددٌ من المفسرين والمحدّثين نزولها أو دلالتها بمواقفه وفضائله، كآية الولاية، وآية المودة، وآية التصدّق بالخاتم، وآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾، وآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
دلالات المعية: ماذا تكشف هذه الرواية عن علي (ع)؟
ليست رواية: “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض” مجرد إخبارٍ عن ملازمةٍ زمنية أو فضيلةٍ عابرة، بل هي نصٌّ مفتاحيّ يكشف طريقة فهمٍ كاملة لشخصية الإمام علي عليه السلام، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان والوحي في أعمق مستوياتها.
فحين نضع المعية بهذا الإطلاق، فإن أول ما تفرضه على الذهن هو معنى الاستقامة المطلقة؛ إذ لا يمكن للقرآن، وهو كتاب الحق الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾، أن يُقرن بمن يفارقه الباطل في مساره أو يلتبس عليه الحق والباطل. ومن هنا تنفتح دلالة العصمة، لا بوصفها ادعاءً نظريًا، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لمعنى “عدم الافتراق” بينه وبين الكتاب الإلهي.
لكن المعية لا تقف عند حدود الاستقامة، بل تمتد إلى مقام المرجعية في الفهم والهداية. فكون عليٍّ مع القرآن لا يعني مجرد موافقةٍ خارجية، بل يعني كونه في قلب المعنى القرآني، بحيث يصبح فهمه امتدادًا لفهم الكتاب نفسه. ولذلك ارتبط اسمه في التراث الإسلامي بآياتٍ جعلت من العلم والإحاطة بالكتاب معيارًا للهداية، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، بما يعكس موقعًا يتجاوز التلقي إلى البيان.
بل إن الرواية تكشف دلالةً أخرى قلّما يُلتفت إليها، وهي أن الإمام عليًا عليه السلام ليس شاهدًا على القرآن فحسب، بل شاهدٌ له. فالناس يحتجون بالقرآن على صدق المواقف، أما هذه الرواية فترسم حالةً يصبح فيها حضور علي نفسه دليلًا على حضور المعنى القرآني؛ لأن المعيار الذي لا يفارق القرآن لا يمكن أن يكون خارجًا عن مقاصده. ومن هنا نفهم لماذا ارتبط اسمه في الوعي الإسلامي بالحق حتى قيل: “يدور مع الحق حيث دار”.
ثم تتكشف دلالة أخرى أكثر عمقًا، وهي أن الإمام ليس مجرد حاملٍ للنص، بل هو تجسيدٌ حيٌّ له. فالقرآن حين يدعو إلى العدل، يتجسد في سيرته كميزانٍ للعدل؛ وحين يدعو إلى الرحمة، يظهر في مواقفه كرحمةٍ للمؤمنين والمستضعفين؛ وحين يدعو إلى نصرة الحق، تتجلى حياته كلها في الدفاع عن الحق ولو على حساب الذات. بهذا المعنى يصبح الإمام قرآنًا ناطقًا، لا من باب المجاز البلاغي فقط، بل من جهة التحقق العملي للقيم القرآنية في الإنسان.
ومن هنا يمكن فهم البعد الآخر للرواية، وهو بعدها التكويني في بناء النموذج الإنساني. فهي لا تقدم عليًا كشخصٍ صالح فحسب، بل كأنموذجٍ اكتملت فيه عناصر الانسجام بين النظرية والتطبيق، وبين النص والسلوك، حتى صار معيارًا يُقاس به الاقتراب من روح القرآن لا من ألفاظه فقط. ولهذا ارتبط اسمه في الوعي الإسلامي بكونه محورًا في فهم التأويل، وميدانًا لقتال الانحراف عن معاني الكتاب كما قاتل على تنزيله.
إن هذه المعية، في حقيقتها، تُنتج صورةً واحدة متكاملة: أن القرآن ليس مجرد كتاب يُتلى، بل مشروع هدايةٍ يتجسد في إنسانٍ يعبّر عنه بتمام الصدق، وأن عليًا عليه السلام ليس مجرد شخصية تاريخية، بل مرآةٌ ناطقة لهذا المشروع.
لماذا بقيت هذه الرواية حيّة؟
ليست كل كلمةٍ قيلت في التاريخ بقيت، ولا كل روايةٍ نُقلت عبر الأجيال استطاعت أن تتجاوز زمنها الأول. فكثيرٌ من الأخبار وُلدت في سياقها ثم انطفأت بانطفاء الحاجة إليها، وكأنها أدّت وظيفتها وانتهت. لكن بعض الروايات لا تتصرف بهذا المنطق؛ لا تذبل مع الزمن، بل تتجدد كلما ظنّ الناس أنها أصبحت من الماضي.
ورواية: “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض” من هذا النوع الذي يرفض أن يُحبس في الماضي، لأنه لا يتحدث عن حدثٍ وقع، بل عن نموذجٍ مستمر يُقاس به الحاضر قبل الماضي.
إن سرّ بقائها حيّة لا يعود إلى كونها تُسجّل فضيلةً تاريخية، بل لأنها تُمسك بمركز السؤال في كل زمن: كيف يُفهم القرآن؟ ومن الذي يضمن أن لا يتحول إلى نصٍّ مفتوح على كل تأويل؟ هنا بالذات تتحول الرواية من خبرٍ يُروى إلى ميزانٍ يُرجع إليه، ومن معلومةٍ تُحفظ إلى معيارٍ يُختبر به الوعي الديني نفسه.
فكل عصرٍ يزداد فيه تباين الفهم للكتاب، يعود بحاجةٍ ملحّة إلى فكرة “المعية” التي طرحتها الرواية؛ أي وجود نموذجٍ لا ينفصل عن القرآن في الفهم والتطبيق، بحيث لا يبقى النص معلقًا في الهواء، ولا تُترك الهداية لتجاذب القراءات وحدها. ومن هنا يتجدد حضور الرواية لأنها لا تُعالج سؤال الماضي، بل سؤال كل حاضرٍ يتنازع فيه الفهم مع الفهم، والتأويل مع التأويل.
كما أن بقاءها حيّة يرتبط بكونها تكشف طبيعة التحدي الحقيقي في الدين: ليس في وجود النص، بل في منهج التعامل معه. فالمشكلة لم تكن يومًا في أن القرآن غائب، بل في أن طريقة قراءته قد تُفقده بوصلته. لذلك تعود هذه الرواية لتضع أمام العقل الديني فكرةً حاسمة: أن الهداية ليست نصًا فقط، بل امتدادٌ حيٌّ للنص في إنسانٍ يجسّده بلا افتراق.
ولهذا، كلما ابتعد الناس عن الأنموذج الذي يربط العلم بالعمل، والقول بالفعل، عاد سؤال هذه الرواية ليظهر من جديد، وكأنه يذكّر بأن القرآن لا يُفهم كاملًا إلا إذا وُجد من يعيشه كاملًا. وهكذا تبقى حيّة، لأنها لا تخاطب زمنًا بعينه، بل تخاطب حاجة الإنسان الدائمة إلى معيارٍ لا يختلط فيه الحق بالاجتهاد المنفصل عن روحه.
إنها رواية لا تُقرأ لتُحفظ، بل تُقرأ لتُفهم مرآةً لطريقة الهداية نفسها؛ ولذلك لم تمت، ولن تُختصر في زمن، لأنها ببساطة تعود كلما عاد السؤال الأول: كيف يبقى القرآن هاديًا في واقعٍ تتعدد فيه الطرق؟
الخلاصة:
لعل أعظم ما تكشفه رواية “عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي” أنها لا تتحدث عن فضيلةٍ منفردة، بل عن حالةٍ فريدة من الانسجام الكامل بين الإنسان والوحي.
فإذا كان القرآن هو كلام الله الهادي إلى الحق، فإن عليًا قدّم أنموذجًا للإنسان الذي عاش هذا الحق بكل جوارحه، حتى أصبح اقترانه بالقرآن جزءًا من الوعي الإسلامي عبر القرون.
وربما لا يكمن السؤال الأهم في عدد الفضائل التي نعرفها عن أمير المؤمنين عليه السلام، بل في مقدار ما نحمله نحن من تلك القيم في حياتنا.
فإذا كان القرآن مع علي، وعلي مع القرآن، فكم بقي من القرآن في سلوكنا؟ وكم بقي من علي في أخلاقنا؟
وهل يكفي أن نقرأ هذه الرواية بإعجاب، أم أن المطلوب أن نعيد النظر في أنفسنا على ضوء ما تحمله من معانٍ للهداية والحق؟
ولعلّ الرسالة الأعمق في هذه الرواية أن القرآن لم يُنزَّل ليُحفظ في الصدور فقط، بل ليُرى في السلوك والمواقف. وإذا كان عليٌّ عليه السلام قد اقترن بالقرآن حتى شهد له النبي بعدم الافتراق، فإن التحدي الذي يواجه كل مؤمن ليس أن يعرف هذه الحقيقة فحسب، بل أن يجعل بينه وبين القرآن من القرب ما يجعل حياته أقرب إلى روح الكتاب لا إلى حروفه وحدها.
ولعلّ أكثر ما يثير التأمل في هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: “عليٌّ مع الحق” فحسب، ولا قال: “عليٌّ مع الهداية” فحسب، بل قرنه بالقرآن نفسه؛ بالمرجع الأعلى الذي تُوزن به العقائد والأفكار والمواقف. وكأن الرسالة الضمنية للرواية أن عليًا عليه السلام ليس اسمًا يُضاف إلى القرآن، بل عنوانٌ يُهتدى به إلى القرآن، وأن الاقتراب منه ليس انتقالًا من الكتاب إلى الإنسان، بل انتقالٌ من الإنسان إلى الكتاب في صورته الحيّة المتجسدة.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، واجعلنا من المتمسكين بهدي محمدٍ وآل محمد، وارزقنا بصيرةً نعرف بها الحق ونتبعه، ولا تجعل بيننا وبين نور كتابك وأوليائك حجابًا.
المصادر:
القرآن الكريم
مسند أحمد بن حنبل
المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري
الكافي – الشيخ الكليني
بحار الأنوار – العلامة المجلسي
نهج البلاغة
تفسير القمي
الاحتجاج – الشيخ الطبرسي




