
رباب حسين النمر : الأحساء
شهد الذكاء الاصطناعي حضورًا واسعًا وفاعلًا في مختلف جوانب الحياة اليومية على مستوى الأفراد والمنظمات والحكومات، وداخل مجالات عديدة مدنية وعسكرية برية وبحرية وجوية، أبزها استخدامه في علاقات العملاء، وفي أشكال النقل المختلفة، وفي المساعدة الطبية التشخيصية، وفي أتمتة المنازل الذكية، والمساعدة الشخصية، وفي الألعاب الإلكترونية، وفي معالجة اللغة الطبيعية، والنظم الخبيرة، وأنظمة الصورة والرؤية وقراءة الوجوه، وتمييز الأصوات وإدراكها، وتمييز والكلام والخطوط ولا سيما خط اليد، وصناعة الروبوتات الذكية.
وفي جميع الاستخدامات الناشئة عن التعلم” بهذه المقدمة بدأ د. جعفر البحراني خطابه في أمسية أقامها الشريك الأدبي السبت الماضي بمقهى ستاي في الأحساء عنوانها ( أخلاقيات توظيف الذكاء الاصطناعي في الأعمال الأدبية) يدير الحوار الإعلامي هاني الحجي، وقد ارتكز الحوار على ستة محاور.
المحور الأول : دار حول التمخضات الأولى للذكاء الاصطناعي والمحطات التاريخية التي مر بها، اعبر المؤرخون أن عام ١٩٢٣م البداية الأولى حيث استخدمت كلمة ( روبوت) بمسرحية عرضت في لندن بعنونان (روبوتات عالمية)، ثم نشر (ألن تورنج) عام ١٩٥٠ بحثًا عنوانه (هل تستطيع الآلات التفكير). وفي عام ١٩٦٨م قدم (جون ميكارثي) لغة البرمجة ( LISP) التي أصبحت برمجة شائعة الاستخدام، وفي عام ١٩٩٠ تقدم الذكاء الاصطناعي تقدمًا واسعًا حيث قامت الحواسيب بمحاكاة اللغات البشرية، وإجراء ترجمات لغوية، والجمع بين الخوارزميات والتقنيات وبين الجدولة الآلية للخدمات الميدانية واستخراج البيانات. وفي عام ٢٠١٨ انطلق الذكاء الاصطناعي بشكل قوي في جامعة ستانفورد من خلال أنموذج ( علي بابا) لمعالجة كبار السن والإعلان عن خدمة (google Duplex) التي أجرت محادثات طبيعية عن طريق محاكاة الصوت البشري وحجز مواعيد عبر الهاتف.
المحور الثاني : سلط الضوء على مفهوم الذكاء الاصطناعي لدى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي موضحًا أنها رأته بادئ الأمر مجالًا من مجالات علوم الحاسب يركز على بناء أنظمة قادرة على أداء مهام تتطلب ذكاءً بشريًّا، مثل الاستدلال والتطور الذاتي، ثم ظهر الذكاء التوليدي وهو مجال فرعي من التعلم العميق يستخدم تقنيات الشبكات العصبية العميقة لمحاكاة قدرة الإنسان في إنشاء بيانات جديدة أو محتوى أصيل ومبتكر؛ وهذه حقيقة صادمة لأن قدرات الذكاء الاصطناعي أصبحت دون حدود أو معالم واضحة، قدرات تستطيع التوليد والتحكم في مختلف عناصر الإبداع والابتكار في المخرجات المراد توليدها، فهي تستطيع في المقطع المصور ( الفيديو) التحكم في الشخصيات ومن يتحرك في المشهد، ولذا تستطيع صنع مقطع مرئي كامل بالمعالم والأشياء والأصوات ومختلف المؤثرات.
وهذا الإنجاز كفيل بتسهيل الصعوبات كافة على المنتجين والمخرجين لإنتاج الأفلام المختلفة، وكذلك هو قادر على توليد النصوص الأدبية الإبداعية باحترافية عالية وبشكل سلس منقطع النظير. ويرى البحراني أن الذكاء الاصطناعي رغم كون نصوصه -كما يرى البعض- تخلو من العاطفة والإحساس والشعور البشري في النص، إلا أن ذلك ممكنًا لو دُرِّب الذكاء الاصطناعي وقٌدمت إليه البرمجة بشكل أعمق، وبهذه الإمكانات يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم كتابات مماثلة لما يكتبه البشر المتمرسين، ولذلك فإن قدرته على الكتابة الإبداعية ممكنة جدُّا، وعلق البحراني: “ولا شك أن الإضافات البشرية على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي وإعادة صياغتها ستكون كفيلة بإيجاد نصوص تبتعد كثيرًا عن النص المولد بشكل تقليدي دون تدخل بشري”.
وتناول البحراني في المحور الثالث : مخرجات الذكاء الاصطناعي بين الرفض والقبول، ولا سيما الأعمال الأدبية والإبداعية.
وأوضح البحراني أن بعض الدول تدفع للاستفادة القصوى من مخرجات الذكاء الاصطناعي وفي مقدمتها الكتابة الإبداعية، ومثل البحراني لذلك بمثالين، أولهما أن الكاتب البريطاني (تيم باوتشر) استعان بالذكاء الاصطناعي في تحرير سبع وتسعين رواية خلال تسعة أشهر عام ٢٠٢٣م، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي ساعده على العصف الذهني وتوليد النصوص. وثانيهما أن اليابانية (راي كودان) التي حصدت أرفع جائزة أدبية في اليابان، اعترفت عام ٢٠٢٤م بأنها ضمنت روايتها الفائزة بجمل مولدة بالذكاء الاصطناعي بلغت ٥% من مجمل روايتها، ورغم ذلك لم تدلِ أمانة الجائزة بأي تصريح حول انتهاك الجوانب الأخلاقية لما فعلته كودان أم لا.
وذكر البحراني أنه في المملكة العربية السعودية عام ٢٠٢٥ أعلن عن أول جائزة دولية تدمج الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي وتوظفه في إنتاج محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، وفي فبراير ٢٠٢٦م احتضن المنتدى السعودي للإعلام الجائزة تحت عنوان: (الإعلام في عالم يتشكل)، حيث أطلقت اثنتا عشرة مبادرة لتعزيز المحتوى الرقمي والابتكار التقني، ليخلص إلى أن شعور الناس والحكومات تجاه توظيف الذكاء الاصطناعي واستخدامه متفاوت ومختلف، والعالم لا يزال ينظر بتوجس لتوظيف الذكاء الاصطناعي ولا سيما بعد استخدامه في التضليل والتزييف العميقين، ومع وجود خوارزميات موصوفة بالانحياز، مع نقص في المهارات التقنية للاستخدام والتوظيف لأدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والخوف من إحلال الذكاء الاصطناعي بديلًا عن العنصر البشري في الأعمال، ولهذه الأسباب مجتمعة يكون التوجس والريبة عنوانين للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
وفي المحور الرابع: كان حديث البحراني حول أهمية الشفافية في توظيف الذكاء الاصطناعي، رغم أن كثير من الاتفاقيات غير ملزمة، وبالتالي عدم وجود قيم ومبادئ مهنية وأخلاقية تحكم وتنظم توظيف الذكاء الاصطناعي وتوظيفه، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألغى في يناير ٢٠٢٥ أمرًا تنفيذيًّا يضمن سلامة الذكاء الاصطناعي، واقترح منع الولايات المتحدة الأمريكية من وضع تنظيم للذكاء الاصطناعي في نوفمبر ٢٠٢٥م. وأوضح البحراني أن الاتحاد الأوروبي فرض قواعد تتعلق بالشفافية والرقابة لكل مستوى من مستويات الذكاء الاصطناعي، وقد دخلت حيز التنفيذ في أغسطس ٢٠٢٥م، ولكن بريطانيا أرجأت إقرار هذا التشريع الشامل. وأشار البحراني إلى أن الصين وضعت لوائح تنظيمية وتشريعية وقانونية تنظم توظيف الذكاء الاصطناعي واستخدامه عام ٢٠٢٢م، تتعلق بالمحتوى الضار وأمن البيانات والخصوصية، وقد دعا الرئيس الصيني في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي عام ٢٠٢٥م؛ دعا لإنشاء هيئة حوكمة عالمية باسم المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.
وختم البحراني هذا المحور بأن العالم أمام أزمة تقنين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها والاستعانة بها، وأم العالم يقف أمام مسؤولية أخلاقية ينبغي أن تكون المساءلة فيها قائمة عن أي محتوى وُلد بالذكاء الاصطناعي.
وفي المحور الخامس : تحدث البحراني عن التشريعات والقوانين في المملكة العربية السعودية التي أصدرت عام ٢٠٢٣م الوثيقة الأولى لمبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي استندت إلى سبع مبادئ رئيسة.
المبدأ الأول : النزاهة والإنصاف واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتأكد من عدم وجود تحيز او تمييز أو تنميط أو العمل على الجد منها.
المبدأ الثاني : الخصوصية والأمن وحماية خصوصية أصحاب البيانات الشخصية ومعايير الأمن السيبراني ذات العلاقة، ومنع الوصول غير المشروع للبيانات وكل ما يؤدي للإضرار بالسمعة أو الإضرار النفسي أو المالي أو المهني.
المبدأ الثالث : الإنسانية واستخدام منهجية عادلة تستند على حقوق الإنسان والقيم الثقافية الرئيسة التي تقوم على إحداث أثر إيجابي على مختلف الأطراف المعنية والمجتمعات المحلية ويدعم ازدهار المجتمعات البشرية.
المبدأ الرابع: تعزيز مبدأ المنافع الاجتماعية والبيئية، وترك أثر إيجابي ومفيد للأولويات الاجتماعية والبيئية والسعي لمعالجة التحديات المرتبطة بها.
المبدأ الخامس: ضمان المصداقية والاعتماد على النظم التشغيلية للذكاء الاصطناعي، والالتزام بالمواصفات المحددة بشكل كامل وفق الآلية التي أقرها النظام، بحيث يكون موثوقًا وآمنًا ولا يتسبب بمخاطر للمجتمع.
المبدأ السادس : العمل على بناء الثقة من خلال الشفافية وإيجاد درجة عالية من الوضوح والقابلية للتفسير، وتتبع مراحل اتخاذ القرارات المؤتمتة والسلوكيات المسموح بها أخلاقيًا.
المبدأ السابع : تحميل المصممين والمطورين والمسؤولين والمقيمين والمنفذين لأنظمة الذكاء الاصطناعي المسؤولية الأخلاقية عن القرارات والإجراءات التي قد تؤدي لمخاطر محتملة وآثار سلبية على الأفراد والمجتمعات، وتطبيق الإشراف البشري والحوكمة لضمان الحفاظ على عدالة النظام واستدامتها لتجنب الإضرار وإساءة الاستخدام. وأشار البحراني إلى أن المملكة شجعت على استخدام الذكاء الاصطناعي وتوظيف تطبيقاته في مختلف نواحي الحياة، واستفادت من مخرجاته، وتوجت عام ٢٠٢٥م بالمركز الأول عالميًّا في مسابقة الذكاء الاصطناعي العالمية للشباب عندما حصلت على ٢٦ جائزة.
وفي المحور السادس : شرح البحراني مبادئ أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي الثمانية في الإعلام باعتباره إطارًا وطنيًّا ينظم الاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الإعلامي، ويرفع من موثوقية المحتوى، ويعزز الابتكار، ويحافظ على القيم، وأوضح مبادئه التنظيمية الثمانية، وهي: ١. الإفصاح وإبلاغ الجمهور عما يتم نشره لأي محتوى إعلامي يولّد أو يعاد إنتاجه أو تعديله أو تحسينه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
٢. التحقق من المعلومات ودقتها، وتقديم المحتوى في سياقه الصحيح دون اجتزاء أو تحريف، والالتزام بالمحافظة على مصداقية المعلومات وسلامتها من المغالطة والتضليل.
٣. حظر استخدام الصور والأصوات والبيانات الخاصة بالأفراد أو محاكاة هوياتهم دون تصريح أو إذن تصريح أو مسوغ قانوني، وعدم المساس بالخصوصيات الفردية، سواء بما يرتبط بالتزييف أو الانتحال أو نسبة أقوال أو أفعال لم تصدر عنهم، أو التشهير بهم أو ابتزازهم أو تهديدهم أو استخدام ما يعرضهم للأضرار والأذى النفسي والاجتماعي، وحظر كل ما يسهم بتقويض الثقة العامة في الإعلام.
٤. حظر توليد أو إنتاج أو نشر أي محتوى مزيف أو مضلل أو مخادع أو مسيء أو ضار أو احتيالي أو مخالف للأنظمة ذات العلاقة أو القيم المجتمعية أو ضوابط المحتوى المعتمدة، مع اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لرصد المخالفات والحد منها ومنعها.
٥. تتحمل الجهات والمنصات وصناع المحتوى المسؤولية عن أي محتوى مولد أو منتج أو مدعوم بالذكاء الاصطناعي طوال دورة حياته بدءًا من الإنتاج والنشر وانتهاءً بإعادة التداول.
٦. الالتزام بالحياد وعدم استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد أو إنتاج أو نشر محتوى إعلامي يحرض على العنف أو الكراهية أو التنمر أو التنميط السلبي أو الازدراء أو الإضرار بالسمعة أو بحقوق الأفراد والفئات الاجتماعية أو تقويض التماسك والسلم الاجتماعي.
٧. تعزيز الوعي المجتمعي، وإدارة المخاطر، وتمكين الجمهور من فهم طبيعة المحتوى المولد، والمنتج، والمدعوم بالذكاء الاصطناعي، والتميز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشراك دور الأنظمة الآلية وحدودها في إنتاج المحتوى وتوزيعه، وتعزيز وعي الجمهور بمسؤوليتهم عند تداول أو إعادة نشر المحتوى، وحثهم على التحقق من صحته وسياقه قبل إعادة مشاركته، وتشجيعهم على الإبلاغ عن المحتوى المضلل أو المغلوط ودعم المبادرات التي تسهم في رفع الثقافة الإعلامية.
٨. إجراء تقييم مناسب للأثر قبل استخدام الذكاء الاصطناعي في الحالات ذات التأثير الواسع، ولا سيما المحتوى الإخباري أو السياسي أو الحملات الجماهيرية واسعة النطاق، لتقدير الآثار الاجتماعية والأخلاقية المحتملة واتخاذ التدابير المناسبة للحد من المخاطر. وأبان البحراني بأن المملكة لم تبدِ أي توجس من توظيف الذكاء الاصطناعي في الأعمال الأدبية والفنون الإبداعية مثل الشعر والقصة والرواية والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والسينما، ولكنها لم تقدم أي ضوابط وتشريعات لتنظيم هذا الجانب كما فعلت مع المحتوى الإعلامي المولد بالذكاء الاصطناعي، ولا بد أن تكون تنظيمات الأعمال الأدبية والإبداعية قادمة ولا سيما أن المملكة تتصدر اليوم دول العالم في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي نهاية الفعالية تقدم مديرها الإعلامي الحجي بشكر ضيفه البحراني وتشجم عناء الحضور من الدمام مقدمًا له شهادة شكر وتقدير، مع التقاط الصور التذكارية. جدير بالذكر أن د. جعفر البحراني باحث دكتوراه، وحاصل على ماجستير إعلام واتصال، وبكالريوس صحافة وإعلام، ودبلوم الحاسب التطبيقي، ودبلوم صيانة الحاسب الآلي والشبكات. معد برامج إذاعية، وتلفازية، ومحرر إعلامي، ومدرب على الكتابة السردية والإبداعية. وله الكثير من العضويات الإعلامية والأدبية.أصدر ثلاثة كتب ( ملهمات سعوديات، حصاد الأزمنة، الساعات الأخيرة من حياة مريم “ع”،وخمس مجموعات قصصية، عناوينها(عبر المحيط، هوس الانتصار، تفاصيل صغيرة، في بيت المشعوذ، الشارع العاشر).





